ياسمين المشعان: نساء بحثن عن المفقودين.. فمن يسمع خبرتهن اليوم؟

ياسمين المشعان: نساء بحثن عن المفقودين.. فمن يسمع خبرتهن اليوم؟

عضوة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا ياسمين المشعان

نساء | 23 06 2026

داليا محمد

في مخيمات تركيا، بعد نزوحها من سوريا، تعرّفت إلى صورة شقيقها عقبة، الذي اعتُقل في آذار/مارس 2012، بين صور "قيصر" كانت تلك الصور، التي سُرّبت مع آلاف الصور الأخرى عام 2014 على يد فريد المذهان المنشق عن الشرطة العسكرية التابعة للنظام السابق، واحدة من أقسى الأدلة البصرية على الموت تحت التعذيب وفي ظروف الاحتجاز داخل مراكز تابعة للنظام السابق.

بالنسبة لياسمين، لم يكن الأمر رقماً في تقرير، بل وجه شقيقها. كان ذلك، كما تقول لروزنة، "نهاية عهد الانتظار وبداية انطلاقي".

لكن قبل تلك اللحظة، كانت ياسمين قد خسرت إخوة آخرين. زهير قُتل أثناء المظاهرات في كانون الثاني 2012. عبيدة قُتل وهو يسعف أحد الجرحى بتشرين الأول 2012. تشرين قُتل بعده بأيام. أما بشار، شقيقها الأصغر، اختطفه تنظيم داعش في دير الزور عام 2014، ومنذ ذلك الوقت لا تعرف عائلته إن كان حياً، ولا أين انتهى مصيره.

تقول المشعان: "دوري ما بلش اليوم، بلش من لحظة الحقيقة، يوم عرفت شو صار مع أخي بمعتقلات النظام". من تلك اللحظة، لم تعد ترى نفسها امرأة نازحة داخل خيمة فقط، بل "فاعلة بمسار العدالة الانتقالية، كامرأة وكضحية وكشخص يحلم بالعدالة لعيلته ولنفسه وقريته ومدينته ولسوريا كاملة".

لسنَ مجرد ضحايا

بالنسبة للمشعان، أكثر ما يُساء فهمه في الحديث عن النساء والعدالة الانتقالية هو حصرهن في صورة الضحية. تقول: "النساء لم يكونوا مجرد ضحايا خلال السنوات الماضية، كتير منهن كانوا باحثات عن الحقيقة".

في الحالة السورية، حملت نساء كثيرات ملفات المفقودين والمعتقلين حين غاب الرجال، أمهات طرقن أبواب السجون، زوجات لاحقن ورقة أو خبراً، شقيقات حفظن أسماء المختفين، وناجيات حوّلن الذاكرة الشخصية إلى مطالبة عامة بالحقيقة.

وبحسب التقرير السنوي الرابع عشر للشبكة السورية لحقوق الإنسان عن الاختفاء القسري، لا يزال ما لا يقل عن 181,312 شخصاً قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة. ويصف التقرير الاختفاء القسري بأنه ضرر لا يصيب الفرد وحده، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع بأبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية.

أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فتشير في موادها حول عائلات المفقودين إلى أن الأسر قد تواجه عزلة وفقراً ويأساً، وأن غياب الوضع القانوني الواضح للمفقود ينعكس على قضايا الملكية والإرث والوصاية على الأطفال وإعادة الزواج، إضافة إلى إنفاق العائلات موارد كبيرة خلال البحث عن أحبائها.

تقول ياسمين، إن النساء لم يتأثرن بالفقد وحده، بل بكثرة الأدوار التي فرضت عليهن "تحولت من كونها امرأة إلى عاملة وباحثة عن الحقيقة، وقعت عليها مسؤوليات الأسرة، ورعاية الأبوين أحياناً، ولقمة العيش، والمتابعة بالتعليم".

حين تصبح الخبرة غير كافية

تقول المشعان إن واقع النساء اليوم "متراجع" بعد سنوات طويلة من العمل الحقوقي والبحث عن الحقيقة. لا تنكر وجود نساء داخل بعض المؤسسات، لكنها ترى أن أصواتاً كثيرة "تطغى على أصواتهن"، وأن النساء يتعرضن لحملات وتنمّر إلكتروني بسبب مطالبتهن المستمرة بالعدالة والحقيقة والإنصاف.

الأخطر في كلامها ليس فقط التراجع العددي، بل نوع التراجع. فهي تتحدث عن خبرة نسائية راكمتها أمهات وزوجات وشقيقات طوال سنوات، ثم يجري التقليل منها حين يبدأ المسار المؤسسي.

تقول: "الأخوات والزوجات والأمهات ناضلوا ليضل صوت المفقودين حاضر، واليوم عم نشوف إقصاء متعمد لهالصوت والخبرة المكتسبة، بحجة الشهادات والخبرة الأكاديمية، من دون إنصاف للخبرة المتراكمة".

مقعد في الهيئة لا يكفي

يوجد في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حضور نسائي لافت مقارنة بمؤسسات أخرى، إذ تضم اللجنة خمس نساء بين أعضائها، إلى جانب عدد من الرجال، كما ينحصر عمل الهيئة، وفق مرسوم تشكيلها، بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام السابق، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، وترسيخ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

لكن الهيئة لا تختصر حال النساء في مؤسسات ما بعد سقوط النظام. ففي الحكومة الانتقالية التي أُعلنت في آذار/مارس 2025، ضمّت التشكيلة 23 وزيراً، بينهم امرأة واحدة هي هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وفي انتخابات مجلس الشعب الانتقالي التي جرت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، انتُخبت ست نساء فقط من أصل 119 مقعداً جرى اختيارها عبر الهيئات الناخبة، فيما بلغت نسبة النساء بين المرشحين 14 في المئة، إلى جانب مقاعد يعيّنها الرئيس لاحقاً قد يتحسن فيها وضع التمثيل النسائي، وأثارت آلية الانتخاب غير المباشر، وغياب كوتا واضحة للنساء، مخاوف من أن يبقى حضورهن محدوداً في مؤسسات يفترض بها أن ترسم شكل المرحلة المقبلة.

"كأننا نعطي أحكاماً بلا أدلة"

بالنسبة للمشعان، لا يمكن بناء عدالة انتقالية تخص الضحايا من دون إشراكهم. وحين يكون جزء واسع من مجتمع الضحايا من النساء الباحثات عن الحقيقة، يصبح استبعادهن خللاً في معنى العدالة نفسها.

تقول: "لما بدنا نعرّف العدالة الانتقالية بدون إشراكهم، كأننا عم نعطي أحكام من دون ما يكون عنا أدلة وبراهين".

لذلك، حين تسأل ياسمين عن الأدوار التي يجب أن تتولاها النساء، لا تضع سقفاً منخفضاً. تقول: "كل الأدوار من حق النساء تكون فيها، من القيادة للريادة وصناعة القرار والاستجابة والتخطيط والمتابعة والتقييم".

عدالة من دون أصحابها؟

بالنسبة لياسمين العدالة مرتبطة بإمكانية أن يلتئم المجتمع بعد سنوات الفقد والخوف. تقول: "كلنا أصحاب حقوق وباحثين عن الحقيقة، وكلنا نحتاج العدالة لتشفينا".

لكن هذا الشفاء كما تقول لن يحدث إذا بقيت النساء خارج موقع القرار. "من دون عدالة لا يمكن يكون في سلام ومصالحة مجتمعية، ومن دون قيادة النساء لهذه المصالحة لا يمكن يكون في تقدم".

في ختام حديثها، تستعيد المشعان مثلاً يصف النساء بأنهن "الحناين مقربات القلوب"، وتقول إن سوريا اليوم بحاجة إليهن لبناء العدالة والمواطنة.

لكن ما تقوله تجربة ياسمين يبدو أبعد من ذلك. فمن الصورة التي كشفت مصير شقيقها، إلى موقعها اليوم في هيئة العدالة الانتقالية، مايزال هناك سؤال حاضر، هل ستجد النساء مكانهن كصاحبات حق وخبرة في هذا المسار، أم سيبقين حاضرات فقط حين يطلب منهن الكلام عن الفقد؟ 

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد انتهاء الجولة الأولى.. كيف تقيّم المونديال حتى الآن؟

أعجبني وأتابعه باهتمام
مخيب للآمال
غير مهتم بالبطولة أساساً
close icon