من دون النساء.. ستبقى العدالة الانتقالية تروي نصف الحقيقة

من دون النساء.. ستبقى العدالة الانتقالية تروي نصف الحقيقة

الناشطة النسوية سوسن زكزك

نساء | 9 05 2026

داليا محمد

الحقيقة التي لا تروى

قد تبدو الحقيقة، في مسارات العدالة الانتقالية، مجرد شهادات ووثائق وأدلة. لكن سوسن زكزك ترى أن جزءاً منها قد لا يصل إلى الطاولة أصلاً إذا غابت النساء عن كتابتها.

فالخوف من الوصمة، كما تقول، يدفع كثيراً من العائلات إلى إخفاء الانتهاكات الجنسية التي تعرضت لها النساء، لا حماية لهن، بل حفاظاً على صورة الأسرة أو العشيرة. وحين يتولى الرجال رواية ما جرى، تصبح بعض الجرائم غير مرئية، وتختفي معاناة الضحايا من السجل العام.

"يجب أن تتمثل النساء وجمعيات الضحايا في جميع هيئات العدالة الانتقالية حتى تُنقل الحقيقة كما جرت، لا كما يرويها الرجال"، تقول زكزك لروزنة، مشيرة إلى أن العقلية الذكورية كثيراً ما تدفع النساء إلى التنازل عن حقهن في الشكوى خوفاً من الوصمة الاجتماعية.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت استمرار وجود 9201 امرأة بين المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا منذ آذار 2011 حتى منتصف عام 2025، في حين تؤكد منظمات حقوقية أن العنف الجنسي والخوف من الوصمة الاجتماعية دفعا كثيراً من الناجيات إلى الصمت، ما يجعل مشاركة النساء في كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات جزءاً أساسياً من أي مسار للعدالة.

اعتراف بالنساء.. لكن!

تجد الناشطة النسوية في مشروع قانون العدالة الانتقالية السوري نقاطاً إيجابية، بينها الاعتراف بجرائم الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء والحمل القسري والتعقيم القسري بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إضافة إلى النص على عدم التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وإشراك النساء في بعض اللجان بنسبة لا تقل عن 30 في المئة.

لكنها ترى أن هذه المواد لا تكفي وحدها لضمان حقوق النساء.

فالاعتماد على المرجعية الشرعية في التعويضات، بحسب رأيها، قد يؤدي إلى نتائج تكرس التمييز بدلاً من معالجته. وتضرب مثالاً بأرملة فقدت زوجها بسبب النزاع، إذ قد تجد نفسها مضطرة إلى مغادرة منزل الزوجية بعد توزيع الإرث وفق القواعد الشرعية، مكتفية بحصة لا تكفل لها الاستقرار ولا تعوض خسارتها.

وتقول إن التعويض في مثل هذه الحالات يجب أن ينطلق من قواعد مدنية تراعي طبيعة الضرر الناتج عن النزاع، لا من قواعد الإرث التقليدية.

وكانت نائبة رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، زهرة البرازي، أعلنت في كانون الثاني الماضي، الانتهاء من إعداد مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية، وذكرت حينها أنه "سيشكل الأرضيةالقانونية لعمل الهيئة"، مشيرة أنه يحدد الجرائم التي تستوجب إنشاء محاكم متخصصة، كذلك آليات تعيين القضاة والإطار الناظم لمسار العدالة الانتقالية، وذلك تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب بعد استكمال مناقشة الملاحظات الواردة عليه.

العدالة لا تعيد النساء إلى ما قبل الحرب

بالنسبة إلى زكزك، لا يكفي أن تعيد العدالة الانتقالية النساء إلى أوضاعهن السابقة، لأن كثيراً من الانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب تعود جذورها إلى تمييز كان قائماً قبلها.

وتستشهد بإعلان نيروبي لعام 2007، الذي شدد على أن العنف القائم على النوع الاجتماعي أثناء النزاعات يرتبط بأوجه عدم المساواة والتمييز السابقة للنزاع، ودعا إلى اعتماد مقاربة تحولية تزيل الأسباب البنيوية التي سمحت بتكرار هذه الانتهاكات، لا الاكتفاء بمعالجة آثارها.

وتوضح أن الاغتصاب في كثير من النزاعات لا يُنظر إليه باعتباره اعتداء على امرأة بعينها، بل كاعتداء على شرف العائلة أو القبيلة، وهو ما يؤدي في بعض المجتمعات إلى معاقبة الضحية نفسها بالنبذ أو الطلاق أو حتى القتل.

من هنا، ترى أن العدالة الحقيقية يجب أن تغير البيئة التي أنتجت هذه الجرائم، لا أن تعيد إنتاجها بعد انتهاء الحرب.

حين تتحول التعويضات إلى وصمة

وتستحضر زكزك تجارب دولية تكشف كيف يمكن للتفاصيل الإجرائية أن تحدد نجاح العدالة أو فشلها.

ففي إحدى التجارب التي تستحضرها دون أن تذكر مكان حدوثها، تقول لروزنة، إن نساء تعرضن للاغتصاب خلال نزاع داخلي حصلنّ على شيكات تعويض كتب عليها أنها مقابل التعرض للاغتصاب، الأمر الذي دفع النساء إلى الامتناع عن استلامها خشية الوصمة.

في المقابل، تشير إلى تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، التي اعتمدت آليات أكثر حساسية تجاه خصوصية النساء، حيث منحت جميع النساء المعتقلات تعويضاً دون ذكر موضوع الانتهاكات الجنسية، كما تستشهد بإجراءات اتخذت في كولومبيا لحماية حقوق النساء في الملكية، بينها تسجيل بعض المنازل باسم الزوجين معاً ووضع قيود تحول دون تنازل المرأة سريعاً عن حصتها وتشترط عليها مضي 5 سنوات قبل أن تقرر التنازل إن أرادت.

الناشطة النسوية اعتبرت أن تجربة سيرياليون قد تكون مناسبة في سوريا، حيث قام رئيسها بالاعتذار عن الانتهاكات التي ارتكبت بحق النساء خلال النزاع المسلح، "وطلب منهن الصفح باسم القوات المسلحة وتعهد بحمايتهن حتى لا تتكرر الانتهاكات"، على حد تعبيرها.

وترى أن هذه الأمثلة تؤكد أن تصميم آليات العدالة من منظور يراعي أوضاع النساء ليس تفصيلاً إدارياً، بل جزء من ضمان وصول الحقوق إلى أصحابها.

ما الذي ينقص المشروع؟

إلى جانب التعويضات، تشير زكزك إلى غياب أقسام متخصصة بالنساء داخل مؤسسات العدالة الانتقالية، وعدم وجود آليات حماية تراعي خصوصية الناجيات من العنف الجنسي عند الإدلاء بشهاداتهن، في مجتمع قد يعرّضهن للوصم أو للخطر.

كما تنتقد غياب أي إشارة واضحة إلى الإصلاح التشريعي الذي يراجع القوانين التمييزية، أو إلى إنشاء مؤسسات تعنى بالنهوض بأوضاع النساء، وإقرار تشريعات تحميهن من العنف في الفضائين الأسري والعام، ولم يكن هناك أية إشارة لضمان تخليد الذكرى للنساء الضحايا.

وترى أن إصلاح المؤسسات والقوانين لا يقل أهمية عن المحاكمات، لأنه يشكل الضمانة الأساسية لعدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

النساء لا يطالبن بمقعد إضافي

في نهاية حديثها، تعود الناشطة النسوية إلى فكرة تعتبرها أساسية وهي أن كثير من الجرائم التي تعرضت لها النساء بقيت مجهولة لسنوات، ولم تظهر إلا بعد أن استطاعت ناجيات وصلن إلى أوروبا الإدلاء بشهاداتهن أمام محاكم اعتمدت مبدأ الولاية القضائية العالمية.

وترى أن هذا وحده يكشف حجم ما يمكن أن يظل مخفياً إذا بقيت النساء خارج مسارات العدالة.

لذلك، فإن إشراك ممثلات عن الحركة النسوية، وجمعيات الضحايا، والنساء اللواتي عشن الانتهاكات، ليس مسألة تمثيل رمزي أو توازن في الأرقام، بل شرط للوصول إلى رواية أكثر اكتمالاً لما جرى.

ففي نظرها، لا يمكن بناء عدالة تمنع تكرار الانتهاكات إذا كانت تبدأ من حقيقة ناقصة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد انتهاء الجولة الأولى.. كيف تقيّم المونديال حتى الآن؟

أعجبني وأتابعه باهتمام
مخيب للآمال
غير مهتم بالبطولة أساساً
close icon