عدالة انتقالية | 7 05 2026
لودي علي
إطار قانوني تقليدي لجرائم معقدة
تعتمد المحاكمات الجارية حالياً بشكل أساسي على قانون العقوبات السوري الذي يعالج الجرائم التقليدية كالقتل والتعذيب والتوقيف غير المشروع. وتوضح المحامية والناشطة الحقوقية لمى الجمل إلى أن هذا القانون "لا يتضمن تعريفاً واضحاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم تتميز بطابعها المنهجي والواسع النطاق"، وأن "المشكلة ليست في وجود محاسبة، بل في أن الإطار القانوني الحالي لا يعكس بشكل كامل طبيعة هذه الانتهاكات."
هذا التقييم يتوافق مع تقارير دولية، منها تقرير لمنظمة "جاست سيكيوريتي" الصادر في مارس/آذار 2026 والذي أكد أن "النظام القضائي السوري يواجه عقبات هيكلية وعملية عميقة ستستغرق سنوات لتجاوزها: فالجرائم الدولية الأساسية لم تُدمج بالكامل في التشريعات الوطنية السورية".
المحاكمات الحالية والعدالة الانتقالية
تُعد المحاكمات الحالية خطوة مهمة نحو إنهاء الإفلات من العقاب، لكنها تطرح تساؤلات حول تأثيرها على المسار الأوسع للعدالة الانتقالية. وتوضح الجمل أن مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل نفسه قد يقيّد الملاحقات اللاحقة، "خاصة إذا تم اعتماد توصيف قانوني ضيق للأفعال"، مشيرة إلى أن القانون الدولي "يسمح بإعادة النظر في القضايا إذا كانت المحاكمة الأولى غير كافية أو لم تعكس حقيقة الجريمة."
وتشدد الناشطة الحقوقية على أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بشدة العقوبة (التي قد تصل إلى الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة)، بل بطبيعة التوصيف القانوني. فعندما تُعالج الأفعال كجرائم فردية، "يتم إغفال السياق الأوسع الذي قد يشير إلى وجود نمط من الانتهاكات المنظمة. كما يغيب في هذه الحالة مفهوم 'المسؤولية القيادية'."
وهو ما يتسق مع تصريح مستشارة العدالة الانتقالية في وزارة الخارجية السورية وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، زهرة البرازي، لوكالة الأنباء السورية (سانا) يوم 25 أبريل/نيسان 2026، حيث قالت: "الحاجة إلى أطر قانونية متخصصة لمعالجة الجرائم المعقدة، ما يستدعي العمل لسد الثغرات في القوانين الحالية المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وحالات الإخفاء القسري".
وأضافت: "إن العمل جارٍ لتطوير محاكم متخصصة وآليات للعدالة الانتقالية لضمان محاكمات عادلة وشاملة".
جميع الضحايا وجميع الجرائم
من جهة أخرى، أعلنت آلية الأمم المتحدة المستقلة والمحايدة (IIIM) أنها تلقت 544 طلب مساعدة من 17 ولاية قضائية مختصة حتى 31 يناير/كانون الثاني 2026.
وأكد رئيس الآلية، روبرت بوتي، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026 أن "سوريا تدخل مرحلة جديدة وغير مؤكدة من التحول"، مشدداً على أن "العدالة لا يمكن أن تتجذر دون التزام مستدام وموارد كافية وهياكل قادرة على الاعتراف بجميع الضحايا وجميع الجرائم."
لمواجهة جرائم الحرب
الإطار القانوني السوري الحالي لا يزال بحاجة إلى تطوير شامل لمواجهة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مع ضرورة إدماج تعريفات هذه الجرائم في التشريعات الوطنية، كما أن التحديات لا تقتصر على الجوانب التشريعية، بل تمتد إلى ضرورة مأسسة آليات الضبط القضائي، وضمان محاكمات عادلة ومستقلة، ومعالجة مسؤولية سلسلة القيادة، لتكون المحاكمات التي تجري اليوم ضمن مسار ناجح نحو العدالة الانتقالية الحقيقة.


