عدالة انتقالية | 11 08 2026
لودي علي
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية، اليوم الثلاثاء 11 آب، حكماً ابتدائياً بالإعدام بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، كما قضت بتجريم بشار الأسد وماهر الأسد وعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين والحكم عليهم بالإعدام.
ويأتي الحكم ضمن مسار قضائي يتعلق بالجرائم المرتكبة خلال قمع الاحتجاجات السلمية عام 2011، ولا سيما في درعا والأحداث المرتبطة بالجامع العمري، على أن يبقى الحكم قابلاً للطعن وفق الإجراءات القانونية.
مجريات المحاكمة
عُقدت جلسة النطق، بعد سلسلة من الجلسات بدأت في نيسان الماضي، استمعت خلالها المحكمة إلى مرافعات النيابة والادعاء والدفاع، وشهادات الشهود، والأدلة المقدمة.
وأصدرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بياناً وصفت فيه الحكم بأنه "محطة مهمة في مسار العدالة في سوريا، وترسيخ لمبدأ سيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا" .
وأكدت الهيئة أن هذا الحكم "يأتي ضمن مسار أوسع ومستمر يشمل كشف الحقيقة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم التكرار" .
وشددت على أن الهدف من العدالة الانتقالية هو "ترسيخ سيادة القانون وإنصاف الضحايا وبناء مؤسسات قادرة على حماية المجتمع من تكرار الجرائم" .
ليست نهاية الطريق
من جانبه، كتب رئيس الهيئة، السيد عبد الباسط عبد اللطيف، عبر منصة X قائلاً: "الحقيقة أخذت طريقها إلى القضاء، واليوم صدر الحكم. في قضية عاطف نجيب، قالت المحكمة كلمتها. هذه ليست نهاية الطريق، لكنها محطة مهمة في طريق العدالة وإنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون" .
وأوضح المختص في القانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني لروزنة، أن الحكم الصادر عن محكمة الجنايات هو "حكم ابتدائي جنائي، وليس حكماً مبرماً حتى الآن" ، مشيراً إلى أنه "قابل للطعن أمام محكمة النقض خلال مهلة أقصاها 30 يوماً" . وأضاف: "إجراءات القضية ما زالت مستمرة أمام الجهات القضائية المختصة، والطعن متوقع جداً في حكم بهذه الخطورة" .
وأوضح الكيلاني أن محكمة النقض أمامها ثلاثة احتمالات أساسية:
رد الطعن وتصديق الحكم، فيصبح مبرماً قضائياً.
نقض الحكم وإعادة القضية إلى محكمة الجنايات بهيئة مختلفة.
نقضه جزئياً، كتصحيح التكييف أو العقوبة أو بعض الإجراءات.
وشدد على أنه "إذا نقض الحكم، فلا يعود قابلاً للتنفيذ، بل تعاد المحاكمة في الحدود التي قررتها محكمة النقض" .
لافتاً إلى أن "المسار القانوني المفترض بعد تصديق محكمة النقض، لا ينفذ الحكم تلقائياً؛ إذ تبقى مرحلة لجنة العفو وموافقة رئيس الدولة والمرسوم التنفيذي" .
وبموجب القانون السوري، تتولى لجنة العفو، التي تُشكّل بقرار من رئيس الجمهورية، دراسة أحكام الإعدام بعد تصديقها، ولها إما التوصية بالتنفيذ أو استبداله بعقوبة أخف، ويكون قرار رئيس الدولة هو الفيصل في التنفيذ.
الإعدام العلني؟
وفي رده على سؤال حول إمكانية التنفيذ العلني، أفاد الكيلاني بأن "الأصل القانوني هو أن التنفيذ ليس حدثاً عاماً مفتوحاً للجمهور" ، مستنداً إلى المادة 454 من قانون العقوبات التي تقرر أن الشنق يجري "داخل مبنى السجن؛ أو في مكان آخر يحدده مرسوم التنفيذ" .
وأشار إلى أن المادة 455 تنص صراحة على حصر الحضور في حالة التنفيذ داخل السجن بالأشخاص الرسميين المحددين "دون سواهم" ، مما يمنع حضور الجمهور أو وسائل الإعلام. أما عبارة "مكان آخر يعينه المرسوم" ، فلا تعني تلقائياً جواز إقامة إعدام جماهيري، بل تسمح بتغيير مكان التنفيذ، لكن يجب قراءتها مع:
حصر الحاضرين في المادة 455 عند التنفيذ داخل السجن.
حظر نشر تفاصيل التنفيذ، باستثناء المحضر الرسمي، في المادة 458.
ضمانات الكرامة الإنسانية وعدم تحويل العقوبة إلى مشهد استعراضي.
وأكد الكيلاني أن "لا يوجد في النص الحالي حق للسلطة في بث الإعدام مباشرة أو فتحه للجمهور" ، مشيراً إلى أنه "إذا أريد تنفيذ علني استثنائي خارج السجن، فسيكون محل اعتراض قانوني وحقوقي قوي، ولا يكفي مجرد قرار إعلامي؛ بل يحتاج على الأقل إلى سند صريح في مرسوم التنفيذ، وقد يبقى مخالفاً للمعايير الدولية" . كما أضاف أن القانون يحظر التنفيذ أيام الجمعة والأحد والأعياد الوطنية أو الدينية.
هل تُسلّم الجثة إلى ذوي المحكوم؟
وفيما يتعلق بمصير الجثة بعد التنفيذ، أوضح الكيلاني أن "القاعدة القانونية التي يوردها الفقه السوري هي: تدفن السلطة الجثة وعلى نفقتها، إلا إذا قررت تسليمها إلى ذوي المحكوم، وفي الحالتين يكون الدفن من دون احتفال" . وبناءً عليه، "ليست الأسرة صاحبة حق مطلق في استلام الجثة، وليست السلطة ملزمة دائماً بإخفاء مكان الدفن أيضاً. القرار يعود إلى الجهة المختصة في ضوء ظروف الحالة" .
وأضاف: "وصف الشخص بأنه «مجرم حرب» لا ينشئ وحده قاعدة قانونية خاصة تسمح بإخفاء جثمانه أو دفنه سراً" . ومن منظور حقوق الإنسان، ينبغي:
توثيق الوفاة رسمياً.
تمكين الأسرة من معرفة مصير الجثمان ومكان دفنه.
عدم استعمال الجثمان لمعاقبة الأسرة.
الحفاظ على إمكانية التحقيق أو التشريح إذا ثار نزاع حول طريقة الوفاة.
وخلص إلى أن "الممكن قانوناً هو إما التسليم إلى ذويه بشروط الدفن، أو تولي السلطة الدفن. أما الإخفاء الدائم للجثة ومكان القبر فليس نتيجة لازمة للحكم، ويحتاج إلى مبررات أمنية وقانونية محددة، وليس مجرد وصف المحكوم بأنه مجرم حرب" .
غير مقيّدة بمدة زمنية محددة
من جهته، أكد وزير العدل مظهر لويس أن محكمة النقض غير مقيّدة بمدة زمنية محددة لإصدار قرارها في القضية، وفق الأصول والإجراءات القانونية، موضحاً أن تنفيذ حكم الإعدام لا يتم إلا بعد استكمال مراحل الطعن والمراجعة والمصادقة المنصوص عليها قانوناً.
وأشار لويس إلى أن المحكمة اعتمدت توصيفات مستمدة من القانون الدولي الإنساني، بما ينسجم، وفق قوله، مع مقتضيات إنصاف الضحايا وتعزيز العدالة ومنع الإفلات من العقاب.
مسار قضائي طويل
جاءت جلسة النطق بالحكم بعد عدة جلسات عقدتها المحكمة منذ نيسان الماضي، لمحاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا سابقاً، والذي يُعتبر أول مسؤول أمني رفيع يحاكم علناً في سوريا. وتشمل التهم الموجهة إليه القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي، ومسؤوليته عن قمع الاحتجاجات السلمية في درعا، ومجزرة الجامع العمري عام 2011. ويبقى الحكم في مراحله الأولى، مع إمكانية الطعن أمام محكمة النقض، وإجراءات تنفيذية معقدة تسبق أي تنفيذ فعلي، ما يجعله قضية مفتوحة على مسار قضائي طويل.


