تقارير | 10 08 2026
داليا محمد
منذ صدور جداول الزيادة النوعية في أيار/مايو 2026، تفاوت وصولها إلى العاملين في قطاعي الصحة والتعليم العالي. حصل بعضهم على الزيادة في الراتب والتعويضات، فيما تلقى آخرون مبالغ أقل من الأرقام الواردة في الجداول، وبقي عاملون ينتظرون الزيادة أو جزءاً منها حتى مطلع آب/أغسطس الحالي.
ولا تشير الحالات إلى سبب واحد لهذا التفاوت. فقد يفسر الفرق بين الراتب الإجمالي والصافي جزءاً من الفروقات المالية، لكنه لا يفسر حالات لم تصل فيها التعويضات، أو تأخر فيها صرف الزيادة أساساً. وفي ظل غياب توضيح رسمي تفصيلي، بقيت أسباب اختلاف الصرف وموعد استكمال الفروقات غير واضحة.
ماذا نصت عليه التعليمات؟
في 21 أيار/مايو، أصدرت وزارة المالية التعليمات التنفيذية للمرسوم 68 لعام 2026، الذي شمل عاملين في وزارات الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي والتربية والتعليم، إلى جانب الأوقاف، وهيئة الطاقة الذرية، ومصرف سوريا المركزي، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية.
وبحسب التعليمات، اقتصرت الزيادة النوعية على الفئات المشمولة بها، فيما حصلت الكوادر الإدارية غير المستفيدة منها على الزيادة العامة البالغة 50 في المئة، أسوة بالعاملين في القطاعات غير المشمولة بالزيادة النوعية.
ونصت التعليمات على صرف الزيادة اعتباراً من رواتب أيار، مع إمكان صرف الراتب وفق الأجر السابق أولاً، على أن تُستكمل فروقات الزيادة لاحقاً. كما ميزت بين الأجر الشهري والتعويضات الإضافية، ومنها تعويضات العمل في المناطق النائية وشبه النائية.
وفي 23 أيار/مايو، نشرت وزارتا المالية والصحة جداول الزيادة الخاصة بالقطاع الصحي، ثم صدرت جداول مماثلة لقطاعي التربية والتعليم العالي. وتضمنت الجداول مبالغ تجمع الأجر والتعويضات بحسب الفئة الوظيفية، لكنها لم توضح للموظفين بصورة تفصيلية كيف سينعكس كل بند على المبلغ الصافي الذي يصل إلى الحساب، أو موعد استكمال الفروقات لمن لم يتقاضوها دفعة واحدة.
وفي قطاع التعليم العالي، أعلنت الجهات الرسمية منذ أيار أن الأجر الأساسي سيصرف في موعده، على أن تصرف فروقات الزيادة بعد تدقيق القوائم النهائية للفئات المستفيدة، من دون إعلان موعد نهائي لاستكمال التدقيق أو صرف تلك الفروقات.
راتب بلا تعويضات، وزيادة تأخرت
كانت عفاف، وهي ممرضة في اللاذقية، تتقاضى قبل الزيادة نحو مليون و150 ألف ليرة. وفي نهاية تموز/يوليو، وصل إلى حسابها قرابة مليون و450 ألف ليرة، بينما تقول إن الرقم الوارد لها في الجداول المعلنة بلغ نحو مليونين و700 ألف ليرة.
وتقول لروزنة: "صار راتبي بالبيان مليونين و700، قبضت منهم مليون و450".
وبحسب عفاف، فإن ما وصلها شمل الزيادة على الراتب، فيما بقيت التعويضات بانتظار الصرف. وهي ترجح أن تفسر الضرائب والحسميات جزءاً من الفرق، لكنها لا تملك كشفاً مفصلاً يبيّن قيمة الاستقطاعات أو المبلغ المتبقي من التعويضات.
وفي ريف دمشق، تقول فايزة، وهو اسم مستعار لممرضة جامعية في مشفى جيرود، إنها حصلت خلال آب/أغسطس على الزيادة في الراتب والتعويضات معاً. وبلغ المبلغ الذي وصل إليها نحو مليونين و700 ألف ليرة، مقابل 3 ملايين و250 ألف ليرة بحسب الجدول الذي استندت إليه.
ولا تتيح هذه الحالة وحدها الجزم بأن الفرق يمثل مبلغاً غير مصروف، إذ قد تفسر الحسميات جزءاً منه أو كله، في غياب كشف راتب يوضح الفرق بين الإجمالي والصافي.
أما في التعليم العالي، فقالت أستاذتان جامعيتان في اللاذقية ودمشق لروزنة، في تواصلين منفصلين خلال الأسبوع الأخير من تموز/يوليو، إن الزيادة لم تكن قد وصلت إليهما بعد.
وفي 30 تموز/يوليو، أفادت أستاذة في قسم الفلسفة بجامعة اللاذقية بتسلم راتبها شاملاً الزيادة في الراتب والتعويضات، فيما أبلغت الأستاذة في دمشق روزنة بوصول الزيادة إليها في 3 آب/أغسطس.
وتوثق الحالتان تأخر وصول الزيادة حتى نهاية تموز ومطلع آب، من دون أن تكشفا سبب التأخير أو ما إذا كان الأمر شمل فئات أخرى في الجامعات.
زيادة وصلت.. لكن أقل من الرقم المتوقع
في حماة، تبدو حالة الطبيب الاختصاصي علي مختلفة. يقول لروزنة إنه حصل على الزيادة في الراتب والتعويضات معاً.
وكان راتبه قبل الزيادة يقارب 800 ألف ليرة، ويرتفع مع تعويض طبيعة العمل إلى نحو مليون و700 ألف ليرة. وبعد تطبيق الزيادة، وصل إلى حسابه نحو 3.1 ملايين ليرة كراتب، إضافة إلى 555 ألف ليرة تعويضات، أي ما مجموعه قرابة 3.65 ملايين ليرة.
لكن علي كان يتوقع، استناداً إلى الجدول الذي اطلع عليه، مبلغاً إجمالياً يقارب 4.5 ملايين ليرة. ولا يملك كشفاً مفصلاً يوضح سبب الفرق، ويرجح أن تفسر الحسميات والضرائب جزءاً منه، من دون أن يجزم بذلك.
ولا تثبت هذه الحالة أن الفرق يمثل مبلغاً غير مصروف، لكنها تظهر الفجوة بين الرقم الذي استند إليه الموظف في الجدول والمبلغ الصافي الذي وصل إلى حسابه، في غياب توضيح تفصيلي لبنود الحسميات وطريقة احتسابها.
ما الذي تقوله الوزارات؟
تظهر البيانات الرسمية أن الزيادة النوعية شملت أعداداً كبيرة من العاملين، لكنها لا توضح عدد من قبضوها كاملة، أو من وصلتهم جزئياً، أو من بقيت لهم فروقات بانتظار الصرف.
ولم تنشر وزارة المالية، حتى موعد إعداد هذا التقرير، كشفاً قطاعياً شاملاً بعدد المستفيدين من المرسوم 68. وأعلنت وزارة التربية والتعليم شمول أكثر من 363 ألفاً من الكوادر التعليمية والتربوية، فيما قال وزير الصحة إن الزيادة طالت 72 في المئة من العاملين في القطاع، من دون إعلان عددهم الفعلي.
وفي جهات أخرى مشمولة بالمرسوم، أُعلنت نسب للمستفيدين من دون أعداد مطلقة؛ إذ بلغت النسبة 84 في المئة في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وأكثر من 80 في المئة في الجهاز المركزي للرقابة المالية. في المقابل، لم تعلن وزارة التعليم العالي والأوقاف ومصرف سوريا المركزي وهيئة الطاقة الذرية أعداد المستفيدين أو نسبتهم.
وكان وزير المالية قد تحدث عن شمول 852 ألف موظف بالزيادات النوعية منذ بدء تطبيقها العام الماضي، مقابل 114 ألفاً اقتصرت زيادتهم على الزيادة العامة البالغة 50 في المئة. إلا أن الرقم تراكمي ويشمل قطاعات دخلت في زيادات نوعية سابقة، بينها العدل والدفاع، ولا يمثل حصيلة المستفيدين من المرسوم 68 وحده.
ومنذ 28 تموز/يوليو، تواصلت روزنة مع المكتب الإعلامي في وزارة الصحة، وأرسلت أسئلة حول أسباب تفاوت صرف الزيادة، وتأخر وصولها إلى بعض العاملين، وآلية استكمال الفروقات، ثم تابعت طلبها في 1 آب/أغسطس.
وأفاد المكتب الإعلامي بأن الأسئلة تحتاج إلى إحالتها إلى المكتب القانوني ومديرية التنمية الإدارية والمكتب المالي للحصول على رد رسمي. وحتى موعد إعداد التقرير، لم تتلقَّ روزنة إجابة تفصيلية تشرح أسباب التأخر أو تفاوت الصرف أو تحدد موعداً لاستكمال الفروقات.
كما تواصلت روزنة مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في التاريخين نفسيهما، من دون تلقي رد يوضح أسباب التأخر أو آلية استكمال الصرف، رغم وصول الزيادة لاحقاً إلى الأستاذتين اللتين تواصلت معهما روزنة.
بين الرقم الإجمالي وما يصل إلى الحساب
يرى الدكتور ذو الفقار عبود، خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، أن جزءاً من الالتباس في الفارق بين الأرقام الواردة في جداول الزيادة والمبالغ التي تصل إلى حسابات الموظفين، يعود إلى الخلط بين الأجر الإجمالي والصافي.
ويقول لروزنة إن الجداول تحدد أجوراً وتعويضات تختلف باختلاف طبيعة العمل والمسمى الوظيفي، وإن الرقم الوارد فيها يمثل إجمالي الأجر والتعويضات قبل الحسميات.
أما المبلغ الذي يصل إلى الموظف، بحسب عبود، فهو الصافي بعد استقطاعات قد تشمل التقاعد والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي وضريبة الدخل واشتراكات النقابة وخزانة التقاعد، وتحتسب وفق الأجر الجديد.
ويضرب مثالاً بأجر إجمالي يبلغ 3.6 ملايين ليرة؛ فإذا تراوحت الاستقطاعات بين 10 و20 في المئة، فقد تبلغ قيمتها ما بين 360 و720 ألف ليرة.
وقد يفسر ذلك جزءاً من الفارق بين الرقم الوارد في الجدول والمبلغ المقبوض في بعض الحالات التي وثقتها روزنة، لكنه لا يفسر حالات لم تصل فيها التعويضات، أو تأخر فيها صرف الزيادة أساساً.
ويدعو عبود إلى نشر كشوف توضح بصورة منفصلة الأجر الإجمالي والصافي، وقيمة كل استقطاع، إلى جانب بيانات تبين الفئات التي استكملت صرف الزيادة والفئات التي ما تزال تنتظر فروقاتها.
ومنذ صدور الجداول في أيار/مايو، لم يعد الاختلاف مقتصراً على قيمة الزيادة المعلنة، بل امتد إلى توقيت وصولها وطريقة احتساب ما يدخل فعلياً إلى حساب الموظف.
وبين فروقات قد تفسرها الحسميات، وتعويضات لم تصل، وزيادات تأخرت حتى نهاية تموز ومطلع آب، يبقى غياب كشف تفصيلي وآلية معلنة لاستكمال الصرف هو ما يمنع العاملين من معرفة ما قبضوه وما بقي مستحقاً لهم.



