تقارير وتحقيقات | 20 09 2026
حبيب شحادة
وكانت وزارة الطاقة قد رفعت، ليل السبت 12 أيلول/سبتمبر الجاري، أسعار المحروقات بشكل "مؤقت"، وفق إعلانها، ليصبح سعر ليتر البنزين "95" 195 ليرة سورية، بعدما كان 152 ليرة، والبنزين "90" 185 ليرة، بعدما كان 142 ليرة، فيما ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة. ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 13 أيلول.
وتأتي الزيادة الثانية منذ بداية أيلول/سبتمبر الجاري، في ظل اعتماد وزارة الطاقة منذ حزيران/يونيو آلية لمراجعة الأسعار تبعاً لتغيرات الكلفة العالمية وظروف الاستيراد والتوريد. وقالت الوزارة إن الرفع الأخير جاء نتيجة ارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالمياً، بالتزامن مع عمرة شاملة لمصفاة بانياس، ما زاد الحاجة مؤقتاً إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.
لكن بعيداً عن آلية التسعير ومبرراتها، يبرز سؤال آخر: ماذا يحدث داخل ميزانية الأسرة السورية عندما ترتفع كلفة الوقود فيما تبقى الدخول على حالها وتتراجع القدرة الشرائية؟
من التاكسي إلى المشي.. الأسر تقلّص نفقات النقل
يعمل عصام موظفاً حكومياً ويتقاضى مليوناً ونصف المليون ليرة سورية. يقول لـ"روزنة" إن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس مباشرة على مصاريف عائلته، وبينها تكاليف نقل أولاده إلى المدرسة.
وبحسب عصام، لم يعد قادراً على تحمل كلفة النقل اليومية، ما دفع أولاده الثلاثة إلى الذهاب إلى المدرسة سيراً على الأقدام، في رحلة تستغرق نحو نصف ساعة.
يصف عصام الزيادة بأنها "مفاجئة"، ويقول إنها لن تقتصر على المواصلات، بل ستطال أسعار السلع والمواد التموينية، معرباً عن تخوفه من عدم قدرته على تأمين المازوت لتدفئة منزله خلال الشتاء المقبل.
أما منى، وهي من سكان حي المزة في دمشق، فاضطرت إلى تغيير وسيلة نقل ابنتها إلى المدرسة. كانت تدفع نحو 25 ألف ليرة سورية يومياً لسيارة أجرة تنقل ابنتها من المزة إلى مدرسة في أبو رمانة، لكن الكلفة ارتفعت، وفق قولها، إلى نحو 50 ألف ليرة يومياً.
لذلك لجأت إلى السرافيس، رغم أن ذلك يعني وقتاً أطول للوصول إلى المدرسة.
تقول منى لـ"روزنة" إن الزيادة دفعتها إلى إعادة النظر في طريقة تنقل ابنتها، بعدما أصبحت كلفة النقل تشكل عبئاً يصعب تحمله بشكل يومي.
وفي ريف دمشق، اتخذ سامر قراراً مختلفاً. يقول إنه ترك سيارته الخاصة أمام المنزل وبدأ يستخدم باص الشركة التي يعمل بها للوصول إلى عمله.
ويضيف لـ"روزنة" أن تعبئة السيارة بالبنزين أصبحت "تكسر الظهر"، بعد ارتفاع سعره، ما دفعه إلى التخلي عن استخدام سيارته إلا عند الضرورة.
ولا تقتصر الضغوط على ميزانية الأسر وحدها. فارتفاع كلفة الوقود انعكس أيضاً على حركة نقل البضائع؛ إذ قالت وزارة النقل إن تعديل أسعار المشتقات النفطية، ولا سيما المازوت، أثر بشكل كبير في حركة نقل البضائع، مشيرة إلى توقف شبه كامل للحركة في عدد من المحافظات بالتزامن مع إضرابات لأصحاب شاحنات.
ارتفاع الكلفة يخفض حركة البيع
في دمشق، يقول أصحاب محال غذائية إن ارتفاع تكاليف النقل ترافق مع تراجع في حركة البيع.
أبو خالد، صاحب بقالية، يصف حركة السوق بأنها "سيئة جداً"، ويقول لـ"روزنة" إن ارتفاع الأسعار وتكاليف النقل خفّضا قدرة المواطنين على الشراء.
ويضيف أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع سعر المنتجات، بل أيضاً بتراجع القدرة على شرائها، موضحاً أن أصحاب المحال يجدون أنفسهم أمام بضائع ترتفع كلفة وصولها في وقت يتردد فيه المستهلكون في الشراء.
ويقول أبو خالد إنه كان يقدم خدمة توصيل الطلبات مجاناً إلى المنازل القريبة من بقالته، لكنه بات يفكر في تحويلها إلى خدمة مأجورة أو الاستغناء عن موظف التوصيل لديه، بسبب ارتفاع كلفة النقل.
وتشير هذه الشهادة إلى حلقة إضافية في سلسلة ارتفاع الأسعار: زيادة كلفة الوقود ترفع كلفة النقل، وارتفاع النقل يزيد كلفة وصول السلع، فيما يؤدي تراجع القدرة الشرائية إلى انخفاض الطلب.
بين فجوة الإنتاج والحاجة.. لماذا تحتاج سوريا إلى الاستيراد؟
تقول وزارة الطاقة إن رفع الأسعار جاء في ظل ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس مؤقتاً لأعمال العمرة، ما زاد الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة. وتؤكد الوزارة أن الأسعار الجديدة تهدف إلى الحفاظ على استمرار التوريد وتوافر المشتقات في السوق المحلية.
وبحسب أحدث البيانات التي عرضتها الوزارة، يبلغ إنتاج سوريا الحالي من النفط نحو 108 آلاف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 و350 ألف برميل يومياً من النفط الخام. كما أن الخام المنتج محلياً لا يتحول بالكامل إلى بنزين ومازوت، إذ إن جزءاً منه ثقيل ولا يتوافق بالكامل مع قدرات ومواصفات التكرير المتاحة.
وتشير بيانات الوزارة أيضاً إلى أن حاجة السوق السورية من المازوت تبلغ نحو 7.72 ملايين ليتر يومياً، مقابل إنتاج محلي يبلغ 3.09 ملايين ليتر واستيراد نحو 4.63 ملايين ليتر، أي أن الاستيراد يوفر نحو 60 بالمئة من الإمدادات، وفق البيانات الرسمية الأخيرة.
ويظهر من البيانات والتصريحات الرسمية أن فجوة الإنتاج والتكرير ما تزال تجعل جزءاً من احتياجات السوق مرتبطاً بالاستيراد، فيما تقول وزارة الطاقة إن ارتفاع كلفة التوريد العالمية وعمرة مصفاة بانياس زادا الضغط على كلفة تأمين المشتقات خلال الفترة الحالية.
ماذا يعني ذلك للقدرة الشرائية؟
يرى الخبير الاقتصادي زياد عربش أن رفع أسعار المحروقات سيؤدي إلى زيادة الضغوط على القدرة الشرائية، مشيراً إلى ارتفاع سعر المازوت بنحو 40 بالمئة، والبنزين بنحو 25 بالمئة، وانعكاس ذلك على تكاليف المعيشة والأعمال.
بدوره، توقع الخبير الاقتصادي عمار يوسف ارتفاعاً في أسعار عدد من السلع، بنسب تتراوح بين 10 و25 بالمئة، معتبراً أن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة قد يدفع شريحة من السوريين إلى تغيير أنماط إنفاقهم والتخلي عن بعض السلع.
وتظهر شهادات الأسر التي تحدثت إليها "روزنة" بالفعل بعض هذه التغييرات، لكن على مستوى الاحتياجات اليومية: التخلي عن السيارة الخاصة، استبدال التاكسي بالسرفيس، المشي إلى المدرسة، وتقليص الخدمات التي أصبحت كلفتها أعلى.
. 
صور من دمشق لعدد من المعتصمين أمام البرلمان السوري _ 18 أيلول 2026
مازوت بثلاثة أسعار.. هل يخفف العبء؟
بعد موجة الاحتجاجات التي أعقبت رفع أسعار المحروقات، أعلنت وزارة الطاقة التوجه إلى طرح أنواع من المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام.
وبحسب وزير الطاقة محمد البشير، سيطرح المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة بسعر 115 ليرة لليتر، فيما سيخصص نوع آخر لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة بسعر 150 ليرة، بالتوازي مع استمرار المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر.
وقالت الوزارة إن المادة المخصصة للاستخدامات المختلفة ستخضع لآلية تحديد للمستحقين وإجراءات رقابية لمنع استخدامها في غير الغايات المخصصة لها. وبحسب الوزارة، ستتوافر المادة النظامية في جميع المحطات، فيما ستتوافر المادة الثانية في نحو 80 إلى 85 بالمئة من المحطات، وتخصص نحو 15 بالمئة من المحطات للمادة الموجهة للاستخدامات المجتمعية والحالات الهشة والقطاعات الخدمية.
ويوم الأربعاء 16 أيلول، ذكرت وكالة "سانا" أن رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع بحث مع وزير الطاقة محمد البشير واقع قطاع المحروقات في سوريا، وسبل تطوير منظومة الطاقة وتعزيز كفاءتها.
لكن بالنسبة إلى الأسر، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بما ستعنيه هذه الأسعار عملياً: هل سيؤدي المازوت المخفض إلى تخفيف كلفة التدفئة والزراعة وبعض الخدمات، وهل سينعكس ذلك على أسعار النقل والسلع، أم ستبقى زيادة كلفة الوقود تنتقل تدريجياً إلى باقي تفاصيل الحياة اليومية؟
فبالنسبة لعصام، المسألة لم تعد مجرد سعر ليتر البنزين أو المازوت، بل أصبحت سؤالاً عن كيفية توزيع دخل محدود على احتياجات أكثر كلفة.
أما منى وسامر، فقد بدأ التغيير لديهما بالفعل: وسيلة نقل مختلفة، سيارة متوقفة أمام المنزل، ونفقات يعاد حسابها كل يوم.
وفي سوق تعاني فيه الأسر وأصحاب الأعمال من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف النقل، قد لا يكون الأثر الأهم لرفع سعر المحروقات هو سعر الوقود نفسه، بل ما يضطر السوريون إلى الاستغناء عنه عندما تصبح كلفة الوصول إليه أعلى من قدرتهم على الدفع.
