تقارير وتحقيقات | 9 09 2026
تنشر هذه المادة نقلاً عن الموقع الإلكتروني للرابطة السورية للصحفيين
عقدت نقابات واتحادات صحفية من سورية ومصر والسودان وفلسطين ولبنان وتونس لقاءً تشاورياً في بيروت، هو الثاني من نوعه، بحثت تحديات العمل الصحفي على الساحة العربية وطرح إنشاء جسم نقابي عربي موحد تحت مظلة الاتحاد الدولي للصحفيين، استناداً إلى قرارات سبق أن أقرها مؤتمرا الاتحاد في باريس وتونس.
اللقاء لم يقتصر على مناقشة فكرة هيكل نقابي جديد، بل عكس محاولة لبناء شبكة عربية للدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، في منطقة تتقاطع فيها أزمات المهنة مع الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتجاوز تداعياتها حدود كل دولة.
وقالت ميسرة اللقاء، الدكتورة منى عبدالمقصود، إن الاجتماعات التشاورية تهدف إلى الانتقال من رصد التحديات المشتركة إلى وضع خريطة طريق وآليات تنفيذية للتعاون، بما يسمح للنقابات بتطوير عملها من إدارة الملفات اليومية إلى التخطيط الاستراتيجي وبناء سياسات مهنية أكثر فاعلية.
من التضامن إلى مؤسسة نقابية عربية
ويضع نقيب الصحفيين الفلسطينيين والنائب الأول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين ناصر أبو بكر، هذا المسار في إطار أوسع، مشيراً إلى أن مؤتمري الاتحاد الدولي في باريس وتونس أيدا إنشاء جسم نقابي عربي موحد يعمل تحت مظلة الاتحاد وبما ينسجم مع أنظمته. داعيا إلى إنشاء هذا الجسم النقابي بشكل مدروس وعاجل.
ويرى أبو بكر أن قوة هذا الجسم لا يمكن أن تنفصل عن قوة النقابات نفسها، داعياً إلى ترسيخ الديمقراطية الداخلية وإجراء الانتخابات بصورة دورية، بما يضمن تجديد القيادات وتعزيز الشفافية والمساءلة.
لكن البعد الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليه يرتبط بحماية الصحفيين الفلسطينيين، في ظل ما وصفه بالانتهاكات والجرائم التي يتعرضون لها، والتي بلغت، بحسب تعبيره، مستوى “الإبادة الإعلامية”. ومن هنا يربط أبو بكر بين المعركة على حرية الصحافة وبين قدرة النقابات العربية على التحرك الجماعي، معتبراً أن تشابه التحديات يجعل العمل النقابي المنفرد أقل قدرة على مواجهتها.
تضامن نقابي مع صحفيي تونس
وغاب عن اللقاء نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار حيث أكد الممثلون عن النقابات المشاركة تضامنهم مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في مسارها بالدفاع عن أعضائها وحمايتهم في ظل تكرار الاعتقالات للصحفيين في تونس
مصر.. بيت للصحفيين العرب
ولا ينظر وكيل نقابة الصحفيين المصريين محمد سعيد عبدالحفيظ إلى التشبيك العربي باعتباره مجرد منصة لتبادل البيانات والمواقف، بل كوسيلة لتبادل الخبرات في إدارة النقابات وبنيتها وآليات تعاملها مع الأزمات.
ودعا عبدالحفيظ إلى تحويل اللقاءات التشاورية إلى تقليد دوري ومنتظم بين النقابات والاتحادات الصحفية العربية، انطلاقاً من أن الصحفيين في المنطقة يواجهون تحديات مهنية ونقابية وقومية مشتركة، يتقدمها الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته على الصحفيين وحرية الإعلام.
ويستند عبدالحفيظ في طرحه إلى تجربة عملية داخل نقابة الصحفيين المصريين، التي تحولت، وفق وصفه، إلى “بيت للصحفيين العرب” بعد إتاحة خدماتها العلاجية والتدريبية للصحفيين الفلسطينيين والسودانيين واليمنيين وغيرهم ممن دفعتهم الأزمات إلى اللجوء للقاهرة.
وتكشف هذه التجربة، في جوهرها، أن التضامن النقابي لا يحتاج دائماً إلى مؤسسات جديدة بقدر ما يحتاج إلى شبكة مؤسسات مستعدة لتقاسم الموارد والخبرات والخدمات عندما تعجز الحدود الوطنية عن حماية الصحفيين. وهي فكرة تمنح مشروع الجسم النقابي العربي المقترح بعداً عملياً يتجاوز البنية التنظيمية إلى بناء مظلة حماية مهنية حقيقية.
السودان: من التنسيق إلى التأثير
ومن السودان، اعتبر طاهر المعتصم طاهر، سكرتير الشؤون الخارجية لنقابة الصحفيين السودانيين، أن اجتماع نقابات فاعلة من سورية ومصر ولبنان وفلسطين والسودان يمكن أن يشكل نواة لمجموعة نقابية قادرة على التأثير في واقع الصحفيين العرب.
ويرى المعتصم أن أهمية المسار لا تكمن في جمع النقابات حول طاولة واحدة فحسب، وإنما في تطوير أدوات مشتركة للمناصرة، وتبادل الخبرات، والانتقال من رد الفعل على الانتهاكات إلى القدرة على التأثير في السياسات والتشريعات التي تحكم العمل الصحفي.
لبنان: التشريع بوابة المعركة على الحريات
ويقدم لبنان نموذجاً آخر لأهمية العمل النقابي المنظم في تغيير البيئة القانونية للإعلام.
فقد عرضت رئيسة اتحاد الصحفيين والصحافيات في لبنان إلسي مفرّج تجربة إقرار قانون الإعلام الجديد، بعد 16 عاماً من بقائه عالقاً في مجلس النواب، مشيرة إلى أن الاتحاد شارك على مدى أربع سنوات في الدفع باتجاه تعديل مواده.
وبحسب مفرّج، تبنى القانون نحو 90% من الإصلاحات التي طالب بها الاتحاد، بما في ذلك حماية الصحفيين ومصادرهم، والاستعاضة عن الترخيص المسبق بنظام العلم والخبر، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، ونقل الاختصاص القضائي في قضايا النشر من المسار الجزائي إلى المدني، إلى جانب منع التوقيف الاحتياطي في جرائم النشر.
لكن الاتحاد لا يعتبر المعركة منتهية، إذ يعترض على المادة 104 المتعلقة بتجريم تعمد نشر الأخبار الكاذبة، محذراً من أن صياغتها الفضفاضة يمكن أن تتحول إلى أداة لملاحقة الصحفيين.
وتكشف التجربة اللبنانية أن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينتهي عند إقرار قانون، بل يبدأ أحياناً بعد إقراره، حين تنتقل المعركة إلى تفسير النصوص وضمان عدم استخدامها لتقييد العمل الصحفي.
سورية: الخروج من العزلة وبناء تأثير جديد
أما بالنسبة إلى رابطة الصحفيين السوريين، فيرى عضو لجنة الشفافية في الرابطة مصعب السعود أن اللحظة الحالية تتيح فرصة نادرة لإعادة بناء هذا التشبيك لافتا إلى أن فكرة إنشاء جسم نقابي عربي موحد لا تبدو مجرد مشروع تنظيمي إضافي، إذا نجحت في الإجابة عن سؤال جوهري: ماذا يستطيع الصحفي العربي أن يفعل مجتمعاً لا يستطيع فعله منفرداً؟ و تحويل التضامن الصحفي العربي من موقف أخلاقي إلى قوة نقابية منظمة، ومن رد فعل على الأزمات إلى قدرة مستدامة على منعها أو الحد من آثارها.
ويؤكد السعود أن أهمية اللقاء بالنسبة إلى سورية لا تقتصر على تبادل الخبرات أو تنسيق المواقف، بل تكمن في إمكانية تحويل العلاقات النقابية إلى رافعة لحماية استقلال الإعلام السوري في مرحلة إعادة التأسيس. فالقوانين وحدها، بحسب هذا المنظور، لا تضمن حرية الصحافة ما لم تسندها نقابات قوية، وشبكات تضامن عربية ودولية، وقدرة مهنية على التأثير في صناعة القرار.
ويرى السعود أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ألا يبقى الصحفي السوري متلقياً للدعم، بل أن يصبح شريكاً في صياغة منظومة إقليمية للدفاع عن حرية الصحافة؛ منظومة تستفيد من التجارب العربية المختلفة، من معارك التشريع في لبنان، إلى تجربة الخدمات والتضامن في مصر، ومن نضالات الصحفيين الفلسطينيين إلى خبرات النقابات في مواجهة الحروب والأزمات.
من الجغرافيا إلى شبكة مصالح مهنية مشتركة
وخرج المشاركون من اللقاء بتوافق على أن النقابات والاتحادات الصحفية العربية تواجه اليوم مصيراً مشتركاً أكثر من أي وقت مضى، وأن التشبيك بينها لم يعد خياراً بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات المشتركة: فالصحفي الفلسطيني يواجه حرباً واستهدافاً، والسوداني يعمل في ظل نزاع ونزوح، واللبناني يخوض معارك تشريعية، والمصري يتعامل مع تداعيات أزمات الإقليم واستقبال صحفيين من دول مختلفة، فيما تدخل سورية مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وبيئتها الإعلامية.
واتفق المشاركون على مواصلة اللقاءات بصورة دورية والعمل على تطوير هذا التنسيق إلى إطار مؤسسي دائم، يخدم حرية الصحافة وحماية الصحفيين والصحفيات في عموم الوطن العربي.