عندما تفتح أبواب المحاكم هل تحقق العلنية العدالة؟

عندما تفتح أبواب المحاكم هل تحقق العلنية العدالة؟

عدالة انتقالية | 19 12 2025

لودي علي

تعتبر جلسات المحاكمات العلنية هذه هي الأولى من نوعها في سوريا من حيث حضور الاعلام وممثلين عن المنظمات الحقوقية والانسانية واهتمام وسائل الاعلام.. فما الهدف من علنية هذه الجلسات؟ وهل حقاً استطاعت تحقيقه؟

رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل القاضي جمعة العنزي قال في منشور له على منصة x عشية الجلسة أن عقد هذه الجلسات يؤكد مسار وجدية الحكومة السورية في اعتماد المحاكمات العلنية المفتوحة كنهج ثابت في هذا الصدد؛ لكسر دائرة العنف والإفلات من العقاب وتعزيز مبدأ الشفافية، وحماية حقوق المتهمين من كلا الطرفين، وتعزيز الرقابة المجتمعية لمرفق القضاء.

إلا أنه لفت في الوقت نفسه إلى معرفته بانتظار ملايين السوريين لانطلاق عمل مسار العدالة الانتقالية بشكل أوسع مما هو عليه الآن؛ وأن ضخامة الملف تتطلب كثيراً من العمل والإعداد لمحاسبة آلاف المجرمين في عهد النظام البائد.

خلف الأبواب المغلقة

تضمن المحاكمة العلنية ألا تكون المحاكمات خلف الأبواب المغلقة، ما يقلل من احتمالات التلاعب في القضايا أو الانحياز لأحد الأطراف.

وحول شرعية العلنية في المحاكمات توضح نور عويس محامية وصحفية باحثة قانونية في مؤسسة حقي، أن المحاكمات العلنية تستند إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 14)، الذي يكرّس حق الفرد في محاكمة عادلة وعلنية، وتهدف هذه العلنية إلى:

تعزيز العدالة والشفافية من خلال الرقابة المجتمعية على عمل القضاء.

بناء الثقة بالقضاء عبر إطلاع الرأي العام على سير المحاكمات.

تكريس مبدأ سيادة القانون وجعل العدالة مرئية ومتاحة للجميع.

متى تقييد العلنية؟

على الرغم من أن الأصل هو العلنية، لكن يجوز أو يجب تقييدها استثناءً في العديد من الحالات لاسيما تلك التي تهدد السلامة العامة للمجتمع أو الأفراد أو حتى تنتهك الخصوصية ومن تلك الحالات وفقاً لـ عويس: قضايا الآداب العامة، والقضايا التي يكون أطرافها من الأطفال أو القاصرين، وقضايا العنف الجنسي والجرائم القائمة على النوع الاجتماعي، والحالات التي تهدد فيها العلنية سلامة أو خصوصية الضحايا والشهود.

ويجوز طلب سرية المحاكمة من قبل المحكمة بقرار معلل، من قبل النيابة العامة، أو الضحية أو ممثلها القانوني.

ضعف حماية الضحايا

وترى الباحثة القانونية أن إيجابيات تجربة المحاكمات العلنية الجديدة في سوريا تتمثل في كسر الصمت، وتوثيق الانتهاكات قضائياً، ورفع الوعي المجتمعي.

أما سلبياتها فتظهر في ضعف حماية الضحايا والشهود، خطر إعادة الصدمة، وتوظيف بعض المحاكمات سياسياً أو إعلامياً.

وتضيف: رغم النص القانوني الواضح على العلنية في القانون السوري، إلا أن الإشكالية لا تكمن في غياب النص، بل في:

اتساع السلطة التقديرية للمحكمة دون معايير حماية واضحة للضحايا.

ضعف الضمانات الإجرائية، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالنساء.

الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي.

وبالتالي فإن فعالية مبدأ العلنية تبقى مرهونة باستقلال القضاء وتوفير ضمانات حقيقية لحماية الضحايا والشهود.

طابع سياسي أو رمزي

مع بدء المحاكمات العلنية التي تتعلق بانتهاكات وقعت في الساحل السوري، هل نحن أمام مسار حقيقي للمحاسبة؟ أم أمام محاكمات انتقائية ذات طابع سياسي أو رمزي؟

فالعلنية وحدها لا تكفي لتكون المحاكمة عادلة، وعلى الرغم من أنها من حيث المبدأ خطوة إيجابية إلا أنها لابد أن تترافق بفتح شامل لملفات الانتهاكات الواسعة التي تعرّض لها السوريون، كما أنها لا يجب أن تكون انتقائية تستهدف بعض المتهمين، فتحقيق العدالة الانتقالية يكون عندما تثبت المحاكمات قدرتها على تفكيك منظومات الانتهاكات لضمان عدم التكرار، لا الاكتفاء بمحاكمة بعض المنفذين، وذلك حتى لا تتحول من مسار حقيقي للعدالة إلى محاكمات كبش فداء لاسيما مع محدودية واضحة في صوت الضحايا.

بالإضافة إلى ضرورة أن تترافق مع اصلاح قضائي شامل ينتهي بقضاء مستقل قادر على إطلاق الاحكام المنصفة التي تضمن مسار العدالة الانتقالية.

وهنا ترى المحامية عويس أن ما يحدث اليوم في المحاكمات العلنية السورية لاسيما فيما يتعلق بالضحايا وطرق المعالجة هو عملية ترقيع وتجميل وليس عملية كشف ومعالجة للجذور.

وتضيف أن نجاح المحاكمات العلنية نسبي؛ فقد ساهمت في دول ذات قضاء مستقل في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة الانتقالية، بينما تحولت في دول تسييس القضاء إلى أداة دعائية وعليه، لا تكفي العلنية دون استقلال قضائي وضمانات إجرائية.

مؤكدة أن المحاكمات العلنية وسيلة لا غاية، ويجب أن توازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة وحق الضحايا، خاصة النساء، في الكرامة والحماية، فالعدالة الحقيقية تُقاس بإنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة ومنع تكرار الانتهاكات.

عقدت أول جلسة محاكمة علنية في سوريا بعد التحرير في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في قصر العدل بحلب، لمحاكمة 14 متهما من عناصر النظام السابق والقوات الحكومية الحالية، بتهم متنوعة بينها إثارة الفتنة الطائفية والسرقة والاعتداء والقتل، والسوريون ينتظرون من هذه لمحاكمات أحكام منصفة تدعم مسار العدالة الانتقالية.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض