عدالة انتقالية | 8 02 2026
لودي علي
بينما يكتفي العالم بمحاسبة بعض الأفراد المتورطين بجرائم الحرب في سوريا عبر محاكم متفرقة، يظل القضاء الوطني متأخراً عن فتح ملفات الانتهاكات الكبرى. تشير تجارب الدول المشابهة إلى أن المحاكم المختلطة هي الحل الأمثل لسد هذه الثغرة. اقرأ التفاصيل حول كيف يمكن لهذا المسار أن يغير معادلة المحاسبة الدولية.
ما هي المحاكم المختلطة؟
تُعرف المحاكم المختلطة بأنها هيئات قضائية ذات طبيعة خاصة، تمزج بين العناصر الوطنية والدولية في تشكيل هيئاتها (القضاة والادعاء العام)، وفي القانون المطبق وآليات العمل. غالباً ما يتم اللجوء إلى تأسيس هذه المحاكم كحل بديل لمعالجة الجرائم والانتهاكات الجسيمة، تحديداً عندما يكون القضاء الوطني 'غير قادر أو غير راغب' في أداء دوره القانوني.
لماذا المحاكم المختلطة هي الحل في سوريا؟
في إسقاط هذا النموذج على الواقع السوري، يرى المختص في القانون الدولي، معتصم الكيلاني، أن المحاكم المختلطة تمثل خياراً قابلاً للتطبيق وضرورياً. ويعلل الكيلاني ذلك بسببين رئيسيين:
انهيار استقلال القضاء الوطني: وارتباطه البنيوي الكامل بالسلطة التنفيذية، مما ينفي عنه صفة الحياد.
الانسداد السياسي الدولي: حيث تواجه إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) عقبات سياسية (الفيتو) تجعل من المحاكم المختلطة المسار الأكثر واقعية للمحاسبة.
تجارب عالمية:كيف أنصفت المحاكم المختلطة الضحايا؟
أثبتت الوقائع التاريخية أن المحاكم المختلطة شكلت طوق نجاة للدول الخارجة من النزاعات، حيث نجحت في كسر جدار الإفلات من العقاب. وفيما يلي أبرز 4 نماذج دولية يمكن الاسترشاد بها في الحالة السورية:
1. سيراليون (إدانة رؤساء الدول): تُعد المحكمة الخاصة بسيراليون (2000) من أنجح النماذج، حيث تأسست بالشراكة مع الأمم المتحدة لمحاسبة مجرمي الحرب الأهلية. وتوجت أعمالها بإنجاز تاريخي عام 2012 بإدانة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، مما يثبت قدرة هذه المحاكم على ملاحقة 'كبار الرؤوس'.
2. كمبوديا (محاكمات الإبادة الجماعية): عُرفت باسم 'محكمة الخمير الحمر' (ECCC)، وأنشئت عام 2003 لمحاسبة قادة النظام المسؤولين عن إبادة ما يقارب 1.7 إلى 2.5 مليون شخص. ورغم التحديات، نجحت في إصدار أحكام بالسجن المؤبد على قيادات بارزة، مثل رئيس الدولة السابق 'خيو سامفان'، موثقة بذلك حقبة مظلمة من تاريخ الإنسانية.
3. لبنان (قضايا الاغتيال السياسي): شكلت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان سابقة قانونية، كونها محكمة ذات طابع دولي مختلط أقرها مجلس الأمن للنظر في جريمة إرهابية محددة (اغتيال رفيق الحريري)، مما يبرز مرونة هذا النموذج في التعامل مع ملفات الاغتيالات السياسية المعقدة.
4. كوسوفو (غرف متخصصة): اعتمدت كوسوفو نموذج 'الغرف المتخصصة' ذات الولاية القضائية المؤقتة للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (1998-2000). تميزت هذه التجربة بتركيزها على فترات زمنية ومكانية محددة لضمان الفعالية والسرعة في التقاضي.
تحديات المحاكم المختلطة في سوريا
تحديات الواقع وشروط النجاح "رغم أن المحاكم المختلطة تمثل 'الحل الواقعي' الوحيد المتاح حالياً لمعالجة الانتهاكات في سوريا، إلا أن طريق التأسيس محفوف بالمخاطر، بدءاً من غياب البيئة الأمنية المستقرة، وصولاً إلى مخاوف تسييس القضاء.
شروط الاستقلالية: خارطة طريق قانونية "لضمان ألا تتحول هذه المحاكم إلى أداة للانتقام السياسي، يحدد خبراء القانون الدولي 8 شروط جوهرية لنجاح التجربة السورية:
الإرادة السياسية: التزام حقيقي وصارم بعدم التدخل في عمل المحكمة.
التوازن القضائي: مشاركة قضاة دوليين مستقلين (بأغلبية عددية أو توازن فعلي) لمنع الهيمنة المحلية.
التمويل المستقل: تأمين ميزانية مستقرة وغير مشروطة سياسياً لضمان استدامة العمل.
حصر الولاية بالجرائم: أن تكون المحاسبة على أساس 'الجرم المرتكب' وليس الانتماء السياسي للأطراف.
معايير الإثبات: اعتماد معايير دولية صارمة للأدلة والبراهين.
الرقابة الدولية: إخضاع المحكمة لآليات رقابة قانونية مستقلة.
الشفافية في الاختيار: وضع آليات واضحة ونزيهة لتعيين القضاة والمدعين العامين.
الملكية الوطنية: إشراك السوريين في تصميم المحكمة لضمان شعورهم بأنها 'محكمتهم' وليست مفروضة من الخارج.
إرادة حقيقية
الحديث عن المحاكم المختلطة في سوريا مرهون بشكل المرحلة المقبلة سياسياً وقانونياً، وبوجود إرادة حقيقية لتحقيق العدالة الانتقالية، فالمحاسبة العادلة تسهم إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتضمن ألا تتكرر الجرائم والانتهاكات التي عاشها السوريون على مدار سنوات طويلة.


