تقارير وتحقيقات | 29 12 2025
لودي علي
لم تكن فكرة انشاء المحاكم الاستثنائية لم يكن في إنشائها وحسب، بل كان في أحكامها أيضاً حتى عُرف التقاضي عبرها بـ "قضاء الظل" الذي حوّل القانون من أداة لحماية المواطن إلى وسيلة لترهيبه، أو حتى إدانته دون وجه حق.
السوريون وبعد تجربتهم المريرة يرفضون بقاء هذه المحاكم ويعتبرونها باباً للفساد القضائي الذي يصعب إغلاقه فيما لو تُرك مفتوحاً.
فهل يكون الحل لمنع تكرار الانتهاكات باسم القضاء، بإغلاق أبواب هذه المحاكم؟
إلغاء المحاكم الاستثنائية
الإعلان الدستوري الصادر مؤخراً نص على حظر هذه المحاكم حيث جاء في مادته رقم (44): "تنشأ المحاكم وتحدد اختصاصاتها بقانون ويحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية".
وبناءً على هذا الإعلان التشريعي، أصدر وزير العدل مظهر الويس قراراً يقضي بحل محكمة الإرهاب والمحاكم الميدانية العسكرية وكافة الدوائر القضائية الاستثنائية، معتبراً أن "هذا القرار يأتي لترسيخ مبدأ سيادة القانون وضمان حق المواطنين في التقاضي أمام قاضيهم الطبيعي، وتطهير سجل العدالة من ممارسات استندت إلى مراسيم استثنائية صادرت حقوق السوريين".
المحاكم الاستثنائية في سوريا
كانت هناك عدة محاكم استثنائية في سوريا خلال حكم النظام السابق، أبرزها:
- القضاء العسكري وهو قضاء أصيل لكنه يُستخدم للسيطرة على الجيش والشعب ويتدخل بقضايا ليس لها علاقة بالعسكريين فقط كقضايا التموين والتسعير والحريق رغم انها خارج اختصاصه.
- محكمة أمن الدولة العليا انبثقت عن حالة الطوارئ التي استخدمها النظام لقمع الحريات وهذه المحكمة أنشات بالمرسوم رقم 47 عام 1968 وألغيت عام 2011 بعد إنهاء حالة الطوارئ.
- محكمة الإرهاب التي أحدثت بموجب القانون 22 لعام 2011 وكانت بديل عن محاكم أمن الدولة العليا والمحاكمات فيها سريعة ولا تتمتع بضمانات كافية وكانت تلصق بكل شخص يعارض النظام.
وفي تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2020 فإن ما لا يقل عن 10767 شخصاً لا كانوا يخضعون لمحكمة قضايا الإرهاب حينها وقرابة 91 ألف قضية نظرت بها المحكمة و3970 حالة حجز على ممتلكات.
محاكم الأمن الاقتصادي: أنشئت بالمرسوم رقم 46 عام 1977 وأُلغيت بالمرسوم رقم 16 عام 2004.
المحاكم الميدانية: تُعد أخطر أنواع المحاكم الاستثنائية، وتشمل حالات الفوضى والاضطرابات والحرب. يتم فيها محاكمة عناصر الجيش والمدنيين، وقد تنعقد داخل السجون. لا تستغرق المحاكمة فيها وقتًا طويلًا، ولا يُسمح للمتهم بتوكيل محامٍ أو بالدفاع عن نفسه كما يجب. كانت هذه المحاكم تعقد مرتين أسبوعيًا وفق المطلعين، إلى أن أُوقف العمل بها بالمرسوم التشريعي رقم 32 عام 2023.
ووفقاً لتقرير نشرته منظمة العفو الدولية عام 2017، فأن أكثر من 13 ألف معتقل أُعدموا شنقاً في السجن بالفترة ما بين 2011 و2015، بعد أن خضعوا لمحكمة ميدانية سريعة.
تجاوزات تتخطى الاستثناء
حول الآلية القانونية لإلغاء المحاكم الاستثنائية، أوضح المحامي ينال موسى: "تم إلغاء المحاكم الاستثنائية وفق الإعلان الدستوري الأخير. أما إلغاء مثل هذه المحاكم في الظروف الطبيعية فيتم عادة عبر مرسوم رئاسي. الإعلان الدستوري ألغى هذه المحاكم مباشرة، بينما القرار الأخير للوزير هو قرار إداري تنفيذي وليس تشريعياً. اليوم، القرارات التشريعية محصورة بالرئاسة بناءً على الإعلان الدستوري."
وأضاف موسى أن تجاوزات القضاء لم تكن محصورة بالمحاكم الاستثنائية، بل إن الفساد القضائي كان موجوداً في كافة المحاكم. وللوصول إلى قضاء عادل، لا بد من إصلاح المنظومة القضائية ككل وضمان استقلالية القضاء.
وأشار موسى إلى أن سوريا كانت تمتلك سابقاً قضاء عادياً وقضاء غير عادي ومحاكم استثنائية، مؤكداً أن المشكلة لا تقتصر على المحاكم الاستثنائية فقط، فحتى القضاء العادي كان يشهد تجاوزات، مثل ظهور الضبوط الأمنية أمام القضاء العادي، والتي قد تكون مبنية على التعذيب الجسدي، ما يضطر القاضي أحياناً إلى إحالة القضية لمحكمة استثنائية، وهو أمر غير مبرر قانونياً.
الدستور وضمان استقلالية القضاء
وبخصوص الإلغاء، جاء الإعلان الدستوري كمرحلة انتقالية، مع غياب سلطة تشريعية تمارس مهامها، أي البرلمان.
وفي هذا السياق، يوضح المحامي ريبال موسى أن تعديل القوانين المنظمة للسلطة القضائية هو من مهام السلطة التشريعية.
"أي تعديل يجب أن يقرّه البرلمان، الذي يمثل الشعب فعلياً، لضمان تشكيل محاكم تعكس مصلحة المجتمع."
ويضيف موسى أن ضمان عدم تشكيل محاكم استثنائية في المستقبل سيكون بيد مجلس الشعب، السلطة التشريعية، وليس عبر مواد دستورية تمنع تشكيلها. إذ يرى أن الدستور يجب أن يضمن استقلالية القضاء ويترك إمكانية إنشاء محاكم متخصصة لاحقاً، مثل المحاكم التجارية، بشرط موافقة البرلمان، لتسريع الإجراءات القضائية في مجالات محددة.
ويختتم موسى قائلاً: "التحدي الأكبر اليوم أمام السوريين ليس في إلغاء المحاكم الاستثنائية فحسب، بل في سن قوانين جديدة وإصلاح المؤسسات القضائية بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية، حتى لا يصبح الاستثناء قاعدة بعد اليوم."
أنظمة الحكم الاستبدادية
تعمل أنظمة الحكم الاستبدادية عادة على إنشاء المحاكم الاستثنائية، تحت ذرائع مختلفة، كحفظ “أمن الدولة” أو “مكافحة الإرهاب”، إلا أنها لا تلبث أن تتحول إلى وسيلة لترهيب ومحاكمة المعارضين للسلطة.
وتتبع هذه المحاكم غالباً للسلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية، أو بكل من وزير الداخلية أو وزير الدفاع، ولا تتقيد بإجراءات التقاضي المتبعة أمام القضاء العادي ولا بشروط المحاكمة العادلة، سواء مبدأ استقلالية وحيادية القضاة، وتعدد درجات الطعن، وحقوق الدفاع، وعلنية الجلسات، وعدم الأخذ بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، لذلك قد تكون بابا واسع للانتهاكات وإصدار الأحكام الظالمة.

