سوريا تبحث عن العدالة الانتقالية: بين الذاكرة والمصالحة

سوريا تبحث عن العدالة الانتقالية: بين الذاكرة والمصالحة

تقارير وتحقيقات | 23 12 2025

منى حاج يحيى

"الحقيقة بتكفيني… بس وقت بشوف الدولة بتحاسب كل ظالم وقاتل، بحس بوصلني حقي" لا تطلب ندى المستحيل لمعرفة مصير زوجها، ولا تبحث عن انتقام.

قصة ندى تختصر معاناة آلاف السوريين الذين ما زالوا ينتظرون اعترافًا، حقيقةً، ومساءلة. وبعد أكثر من عقد على بدء الصراع السوري، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع سوريا الشروع في مسار عدالة انتقالية حقيقي يضع الضحايا في قلبه، أم أن العدالة ما تزال مؤجلة؟

أرقام توثق الكارثة الإنسانية

منذ 2011، وثّقت المنظمات الحقوقية واحدة من أعنف المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر في كانون الأول/يناير 2025، قُتل أكثر من 1,264 مدنيًا عام 2024 وحده، بينهم 242 طفلًا و118 امرأة، فيما وثّقت المنظمة 86 حالة وفاة تحت التعذيب.

وبين تشرين الثاني / نوفمبر 2024 وشباط/فبراير 2025، قُتل 1,032 مدنيًا، نصفهم تقريبًا على يد أطراف لم يتم تحديدها بدقة.

أما أرقام النزوح، فتكشف عمق الأزمة: 7.2 مليون نازح داخلي، 6.2 مليون لاجئ مسجل لدى الأمم المتحدة، و16.7 مليون شخص (70% من السكان) بحاجة إلى مساعدات إنسانية منتظمة. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مع بطالة تتجاوز 50% بين الشباب.

أصوات تطالب بالحقيقة

في شقة صغيرة ببلد اللجوء، تروي ندى القدور قصتها. زوجها محمد خير الداغستاني مفقود منذ 2012، وإخوتها الثلاثة فواز ونزار وجمال اختفوا بين 2012 و2013.

"القهر والحقد بيأكل قلبي على كل حدا حرمني منن، ولو بكلمة دعم للنظام"، تقول ندى بصوت يمزج بين الألم والإصرار.

"الحقيقة بتكفيني، لأني ما بعرف مين السبب باعتقالن، بس وقت بشوف الدولة بتحاسب كل ظالم وقاتل، بحس بوصلني حقي."

كأم لأربعة أطفال، اضطرت ندى أن تكون الأم والأب معًا، وتهجّرت لوحدها، "وتعبت من القهر والفقر والاستغلال". تضيف: "يمكن إذا عرفت شي عنن أو مكان رفاتن، بقدر أتصلّح شوي مع الماضي، بس طالما غايبين، ما بقدر سامح ولا أتقبّل أي حدا ساند النظام المجرم."

قصة ندى ليست استثنائية. آلاف العائلات السورية تعيش الوضع نفسه: فقدان، غياب، وغياب أي معلومات عن مصير أحبّتهم.

من الألم إلى العمل المدني

في مكتب مجلس المرأة السورية باللاذقية، تجلس سحر جبور، الناشطة النسوية التي حوّلت معاناة النساء إلى عمل مؤسسي. "في أحداث الساحل عام 2025، استجبنا للسيدات اللواتي فقدن أزواجهن"، تروي سحر. "التقيتُ بصبية مهجّرة فقدت والدها وأخاها، لكنها كانت الأكثر حيوية في دعم الأخريات."

وتشرح سحر دوافعها: "ما دفعني إلى العمل في هذا المجال هو الإيمان العميق بالعدالة الاجتماعية والرغبة في تصحيح الظلم. رأيت المعاناة عن قرب، فشعرت أن الصمت لم يعد خيارًا أخلاقيًا."

أما مضر حاج حسين، طالب الطب والناشط المدني من اللاذقية، فيمثل صوت جيل نشأ وسط الحرب لكنه اختار ألّا يرث الكراهية. "سرقت الحرب من طفولتي الأمان، لكنها منحتني وعيًا مبكرًا بمعنى الإنسان وسط الفقد"، يقول مضر.

"أحتاج وطناً يسمع، لا يلقّن. وطناً يرى الشباب شركاء لا أدوات."

العدالة الانتقالية: مفهوم وتطبيق

العدالة الانتقالية، وفق الخبراء، هي مجموعة من الآليات التي تستخدمها المجتمعات الخارجة من النزاعات لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة. تقوم على أربعة أعمدة: المساءلة (محاسبة المسؤولين أو كشف الحقيقة)، جبر الضرر (التعويض المادي والمعنوي)، الإصلاح المؤسسي (إصلاح أجهزة الدولة لمنع تكرار الانتهاكات)، والمصالحة وحفظ الذاكرة (بناء رواية وطنية تعترف بالماضي).

من جنوب أفريقيا إلى المغرب، ومن كولومبيا إلى رواندا، أثبتت تجارب دولية عديدة أن مواجهة الماضي ضرورية لبناء مستقبل مستقر.

وتؤكد سحر جبور على البعد الجندري في هذا السياق: "لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية من دون أصوات النساء. نحن لا نريد أن نكون مجرد شهود، بل شركاء في صياغة الحقيقة."

مبادرات محلية تبشّر بالأمل

رغم عمق الانقسامات، تظهر بعض المبادرات المحلية إمكانية المصالحة. في 20 سبتمبر 2025، أعلن مجلس القبائل الشركسية ووجهاء عشيرة العفادلة – البو شعبان عن مجلس صلح عشائري رسمي في منطقة السفيرة، بعد حادث سير أدى إلى وفاة اثنين من أبناء العشيرة.

تضمّن البيان المشترك ستة بنود: الإقرار بالمسؤولية، التعزية، التعويض العشائري، التنازل عن الحق العشائري، الالتزام بالسلم الأهلي، وتوثيق الصلح رسميًا. أكّد البيان أن "الفتنة لا تُدرأ إلا بالحكمة"، وأن الصلح "نموذج يمكن البناء عليه في تعزيز السلم الأهلي".

كذلك، شهد بداية العام الدراسي الحالي عودة آلاف الأطفال من خلفيات مختلفة إلى مدارس دمشق وريفها: أبناء عائدين من مناطق كانت خارج سيطرة الحكومة، أطفال نازحين، وأطفال عائدين من اللجوء. ربما يتجلى في هذا المشهد "أرضية نادرة لبناء الثقة من القاعدة"، شرط توفر سياسات تعليمية منفتحة.

بعد عام على سقوط الأسد… أهالي المعتقلين يسألون من جديد: أين أولادنا؟

بعد عام على سقوط الأسد… أهالي المعتقلين يسألون من جديد: أين أولادنا؟

التحديات والمطالب

الناشطون الحقوقيون يطرحون عدة مطالب لبدء مسار عدالة انتقالية حقيقي: الاعتراف الرسمي بالضحايا وإدراج قصصهم في السردية الوطنية، إنشاء لجان حقيقة محلية كخطوة أولى نحو آليات وطنية، إصلاح مؤسسي شامل، خاصة في أجهزة الأمن والقضاء، دعم المبادرات المجتمعية التي تعمل كجسور للمصالحة، إشراك فعلي للنساء والشباب في صنع القرار.

ويبقى التحدي الأكبر في التوفيق بين مطالب العدالة والمساءلة من جهة، وضرورات المصالحة والاستقرار من جهة أخرى.

بين ألم ندى القدور، وعمل سحر جبور، ووعي مضر حاج حسين، تتشكل ملامح نقاش سوري حول كيفية التعافي من جراح الحرب. السؤال المفتوح: هل ستجد سوريا الشجاعة لمواجهة ماضيها، أم ستبقى الذاكرة والعدالة مؤجلتين؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض