تقارير وتحقيقات | 18 11 2025
روزنة
أربعة عشر متهماً بارتكاب انتهاكات وجرائم خلال أحداث الساحل في آذار/مارس الماضي، مثلوا أمام قاض في القصر العدلي بمدينة حلب، اليوم الثلاثاء، في أول محاكمة علنية منذ سقوط النظام السابق.
وحظيت الجلسة باهتمام إعلامي واسع وتفاعل من الرأي العام والحقوقيين، إذ شملت المحاكمة 7 متهمين ممن يشار إليهم بـ"فلول النظام" أو "المتمردين"، إلى جانب سبعة آخرين من عناصر وزراتي الدفاع والداخلية أو ممن يوصفون بـ"العناصر المنفلتة".
في هذه المادة، نستعرض آراء مختصين حول علنية المحاكم في سوريا، وما تطرحه من أسئلة تتعلق بنقاط القوة والضعف في الواقع القضائي الراهن.
خطوة ضرورية للإصلاح
يرى القانوني السوري المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أن "علنية المحاكم" تعزز مبدأ الشفافية، وتعطي رسالة واضحة أن عهد المحاكمات ذات الطابع السياسي طيلة 54 سنة انتهى.
وقال: "اليوم كل شيء على العلن بوجود محامين ووكالات أنباء وصحافيين، وبالتلي الحكومة ملزمة باتباع الأصول القضائية في مثل هذا النوع من المحاكمات".
ويعتقد "الكيلاني" أن المحاكمات الحالية قد توفر "الحد الأدنى من المحاكمات العادلة"، لكنه أمر "جداً إيجابي خلال الفترة القادمة"، على حد تعبيره.
واعتبر القانوني السوري أن تحقيق العدالة عبر هذه التجربة، قد يرسخ بالفعل قيم مرتبطة بسلطة قضائية جديدة في سوريا "سترسي القانون وتعمل على مبدأ استقلالية القضاء والمحاسبة"، وتسهم في سياسة الإفلات من العقاب التي رسخها النظام السابق في الوعي السوري لعقود.
وأشار إلى أن جميع المشتبه بهم تمتعوا بوجود محامي ومن لم يستطع وكلت له المحكمة محامي، وهي نقطة إيجابية مرتبطة بالحق في الدفاع، مطالباً بفتح تحقيق جديد والتحفظ على محاضر جلسات تحقيق أحد المتهمين الذي قال اليوم إن شهادته أخذت تحت التأثير.
وفي وقت سابق، أكدت "اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل"، أنها تحققت من أسماء 1426 قتيلاً، منهم 90 امرأة والبقية معظمهم مدنيون، وبعضهم عسكريون سابقون أجروا تسويات مع السلطات.
ورجحت اللجنة خلال مؤتمر صحفي في تموز/يوليو الماضي، أن معظم حوادث القتل وقعت خارج أو بعد انتهاء المعارك، رغم عدم استبعاد وجود عدد من "عناصر الفلول" بين القتلى.
وسبق أن صرح المتحدث باسم "اللجنة" ياسر الفرحان، أنهم حددوا 563 شخصاً مشتبهاً بهم في أحداث الساحل، بينهم 265 شخصا متهمون بشن هجمات ضد الأمن العام.
استعراضية وتوظيف سياسي
يرى "المدير التنفيذي لمنظمة سوريين من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد، أن عنصر "العلنية" في المحاكم مهم للغاية، لأنه يعطي مؤشرات على الاستقلالية مع وجود حق الدفاع وغيرها من الحقوق الأساسية المرتبطة بسياق المحاكمات العادلة.
لكن، يضيف أنها علنية المحاكمات في الوقت ذاته لها تقييد ومحدودية يقررها القاضي أو المحكمة خاصة في حال تأثيرها على السلم الأهلي، مع ضرورة تبرير أسباب عدم علنية المحكمة أو جزء منها.
وأوضح "الأحمد" أن المحكمة العلنية اليوم يمكن اعتبارها خطوة إيجابية، قائلاً: "من حيث المبدأ أنا مع علنية كل القضايا ذات الطابع العام أو السياسي في سوريا، وكل ما يرتبط بما حصل في سوريا خلال فترة النزاع، لأنه حق للضحايا والجمهور العام والصحافيين".
وفي الوقت ذاته، اعتبر أن علنية المحاكم المرتبطة بأحداث الساحل، قد تساعد على فهم أكبر للسياق والتبعات ومن أعطى الأوامر وحجم الانتهاكات، باعتبار أن اللجنة الوطنية حاولت اختزال المجازر بعدد من عناصر الفلول وآخرين من وزارة الدفاع، مع إهمال مسؤولية قيادات عليا في الحكومة.
يصف بسام الأحمد ما حصل في سياق التحقيق ومحاكمة أحداث الساحل بـ"شيء من الاستعراضية"، إذ أن الحكومة الانتقالية من وجهة نظره، تحاول توظيف ملف العدالة الانتقالية ومجازر الساحل سياسياً "لتحقيق أقصى استفادة (...) واضح هناك رسائل للخارج وربما للداخل تحاول السلطة إيصالها، ليس أكثر"، على حد تعبيره.
وتوصلت لجنة مدعومة من الأمم المتحدة، حققت في العنف الطائفي على الساحل السوري في وقت سابق من هذا العام، إلى وجود عنف "واسع النطاق ومنهجي" ضد المدنيين ارتكبته بعض الفصائل التابعة للحكومة، لكنها لم تجد أي دليل على أن الحكومة المركزية وجهته مباشرة.
انتقادات
في رد على أسئلة روزنة حول "علنية المحاكم" في سوريا والخطوة في القصر العدلي اليوم، انتقد المحامي والحقوقي السوري ميشيل شماس محكمة اليوم، باعتبار أن التحقيق عسكري والمحكمة مدنية، واصفاً إياها بـ"خلطة عجيبة غريبة (...) كيف زبطت معهم لا أعرف؟"، على حد مراسلته الإلكترونية.
أيضاً، اعتبر المعتصم الكيلاني أن وزارة العدل قدمت وصفاً غير دقيق بإشارتها أن المحاكمات العلنية بأحداث الساحل تأتي في إطار مسار العدالة الانتقالية.
ويرى أن محاكمة اليوم لا تشكل جزءاً من منظومة العدالة الانتقالية لأنها تعقد أمام محكمة الجنايات العادية في حلب ووفقاً لأحكام قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية السوريين، دون الاستناد إلى أي إطار تشريعي خاص يميز العدالة الانتقالية عن القضاء الجزائي العادل.
بدوره، قال بسام الأحمد أن تقييم مدى التزام السلطة القضائية بـ"محاكم عادلة" بناء على جلسة واحدة علنية، غير ممكن، فالموضوع دقيق وله معايير كثيرة، إذ قد تكون الإجراءات التقنية صحيحة لكن قد تكون الشهادات أخذت تحت التعذيب أو الأدلة غير متاكملة.
وفي بيان للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا نشر في آب/أغسطس الماضي، أكدت أن الانتهاكات في أحداث الساحل شملت أفعالاً قد ترقى إلى جرائم حرب.
وقال باولو بينهيرو، رئيس اللجنة: "إن حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية. ندعو السلطات المؤقتة إلى ملاحقة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم".
وأضاف: "ورغم التقارير عن اعتقال العشرات من الجناة المزعومين منذ ذلك الحين، فإن حجم العنف الموثق في تقريرنا يستدعي توسيع نطاق هذه الجهود".
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1334 شخصاً، بينهم 60 طفلاً و84 سيدة "على خلفية تصاعد أعمال العنف في مناطق الساحل السوري".
وأشار تقرير لها في نيسان/الماضي أنها وثقت "مقتل 889 شخصاً بينهم 51 طفلاً و63 سيدة على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية في الساحل السوري. و445 شخصاً بينهم 9 أطفال و21 سيدة على يد المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة المرتبطة بنظام الأسد".
وانتهت جلسة اليوم في القصر العدلي بحلب، بتعليق جلسات محاكمة المتهمين الأربعة عشر، سبعة منهم إلى الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر القادم والبقية إلى الخامس والعشرين من الشهر ذاته.


