تقارير وتحقيقات | 21 02 2026
خاص - روزنة
لم تعد الأرصفة المحيطة بالأفران في طرطوس مجرد ممرات للمشاة، بل أصبحت أماكن يتجمّع فيها باعة الخبز، حيث تُعرض الربطات للبيع خارج كُوّات الأفران الرسمية، ويتحدد الإقبال عليها تبعًا لتوفر المادة وسرعة الحصول عليها.
وفي سوريا ما بعد سقوط النظام السوري السابق في أواخر عام 2024، انتقلت ظاهرة بيع الخبز من تصرّف فردي فرضته الحاجة، إلى نشاط واسع يعتمد عليه عدد متزايد من الأشخاص كمصدر دخل، في ظل تراجع الأوضاع المعيشية وقلّة فرص العمل.
ولم تعد هذه الظاهرة محصورة بمحيط الأفران، بل امتدت إلى تقاطعات الطرق والشوارع الرئيسية، مع تراجع عدد معتمدي الخبز، مقابل دخول باعة متنقلين إلى هذا النشاط خلال الفترة الأخيرة.
ويأتي تفاقم ظاهرة بيع الخبز بعد فصل السلطات السورية آلاف الموظفين والموظفات من العمل في الساحل السوري، ما دفع أغلبهم للبحث عن طرق لكسب العيش تعويضاً عن فقدان الدخل الوظيفي، من بينها بيع الخبز، تلك المهنة التي تحولت من عمل طارئ للبعض إلى مؤشر يعكس الوضع الاقتصادي المتردي والتحديات المعيشية التي تواجهها آلاف الأسر.
وكانت الحكومة المؤقتة السابقة والحكومة الانتقالية الحالية قد فصلت أكثر من 100 ألف موظف من مختلف المؤسسات الرسمية وفق توثيق منظمات حقوقية منها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، في ظل وقوع 90 بالمائة من الشعب السوري تحت خط الفقر، وارتفاع معدل البطالة التي تتجاوز 60% وفقاً لتصريحات رسمية عام 2025.
من موظفة إلى بائعة خبز
نهلة (41 عاماً) هي واحدة من هؤلاء الموظفات اللواتي جرى فصلهنَ من الوظيفة الحكومية كعاملة نظافة في إحدى المؤسسات.
تقول لـ«روزنة»: «أرتدي يومياً ثياب عملي منذ أن فُصلت من وظيفتي»، وكأنها تتمسك بصورة الموظفة التي كانتها. عند السادسة صباحاً تغادر منزلها في أحد الأحياء العشوائية بضواحي طرطوس، وتسير على قدميها نحو فرن التموين، حيث تبدأ يومها بانتظار حصتها من الخبز.
في الأيام الماطرة تضع الخبز في كيس أسود، ثم تتجه إلى أحد التقاطعات القريبة من الفرن. وتضيف لـ«روزنة»: «أشتري الربطة الواحدة من الفرن بأربعة آلاف ليرة، وهو السعر الحكومي، ثم أبيعها بستة آلاف في الأيام العادية، وبسبعة آلاف في أوقات الازدحام، ولا سيما يوم الخميس».

وعندما تضطر نهلة إلى تصريف كامل الكمية التي بحوزتها، تبيع الربطة الواحدة بخمسة آلاف ليرة فقط، مكتفية بربح قدره ألف ليرة في الربطة.
وتتراوح الكمية التي تبيعها يومياً، من السادسة صباحاً حتى المغيب، بين عشر وثلاثين ربطة، بحسب تعبيرها. ويزداد الطلب مع اقتراب نهاية الأسبوع، ليبلغ ذروته يوم الخميس وصباح السبت.
كما يتأثر حجم العمل بحالة الطقس؛ إذ يرتفع الإقبال في أيام المطر والبرد، وكذلك في موجات الحر. ويتراوح دخلها اليومي من بيع الخبز بين 20 و60 ألف ليرة سورية، وفق تقديراتها وتقديرات بائعين آخرين.
ورغم تواضع المردود، تبدي نهلة رضاً بما تجنيه.
قائلة: «كل يوم أعود وفي يدي نقود، ولا أحد يهددني بالطرد، ولا أنتظر شهراً أو أكثر لأقبض راتبي».
إلا أن عملها لا يخلو من المصاعب، ومنها الوقوف لساعات طويلة، والتعرض لمضايقات من مراهقين، فضلاً عن الخوف عند سماع أصوات الرصاص بين الحين والآخر، كما تقول.
فيما يرى بعض هؤلاء الباعة أن هذه المهنة باتت اليوم أكثر جدوى من وظائف أخرى، ولا سيما أنها لا تحتاج إلى رأس مال كبير، يشير آخرون إلى أن هوامش الربح تبقى محدودة، مقابل ساعات عمل طويلة ومخاطر متعددة.
سقوط النظام و"سوق الخبز"
نهلة ليست حالة فريدة؛ فهذا واقع شريحة واسعة من السوريين اليوم، ولا سيما بعد اعتماد الحكومة الانتقالية سياسة فصل موظفي القطاع العام تحت عنوان "معالجة الترهل الإداري والموظفين الوهميين". وقد دفع ذلك كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، من بينها بيع الخبز.
ويصف أحمد (31 عاماً) هذه المهنة بأنها "أشرف من أي شغل ثاني، شغلك من رأسك، وما بدها رأس مال كبير".
اتجه أحمد إلى بيع الخبز في مدينة طرطوس عقب سقوط النظام السابق، لإعالة أسرته، بعدما خسر وظيفته في القطاع العام إثر قرار فصله.
في المقابل، يروي محمد (56 عاماً)، وهو موظف سابق، أنه في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام السابق كان يحصل على الخبز من فرن التموين في طرطوس بسهولة، "من دون ازدحام أو طوابير تُذكر". إلا أن الحال تغيّر لاحقاً، لتصبح الطوابير مشهدًا يومياً حسب قوله، خصوصاً في الأسابيع والأشهر الأخيرة. ويضيف: "نعاني من صعوبة الحصول على الخبز بسبب الازدحام وكثرة الباعة الموجودين للحصول على المادة".

ومع سقوط النظام السابق انتهت سياسة الدعم عبر "البطاقة الذكية" وسياسة المعتمدين والمخصصات، ولم يعد هناك ربطة خبز مدعومة، وجرى توحيد السعر بأربعة آلاف ليرة سورية للربطة الواحدة.
بحسب جولة لـ روزنة على عدد من الأفران في مدينتي جبلة وطرطوس، لوحِظ تزايد واضح في ظاهرة بيع الخبز على أبواب الأفران وفي محيطها، إضافة إلى انتشار الباعة على تقاطعات الطرق، وبالقرب من المدارس والمشافي والمراكز الحيوية.
في الفرن القريب من كراج جبلة، ينتشر العشرات من بائعي وبائعات الخبز من مختلف الأعمار، بدءًا من الأطفال وصولًا إلى النساء والفتيات والرجال والشبان. ويقوم هؤلاء بالركض نحو السيارات الخاصة ووسائل النقل العامة فور توقفها، سواء لإنزال ركاب أو استجابة لطلب أحدهم شراء الخبز، مردّدين عبارات متكررة مثل:
"الله يخليك ربطة وحدة بس… أكيد بدك خبز".
وبحسب إفادات عدد من باعة الخبز الجوالين في الشوارع والطرقات قابلناهم، فإن “سوق الخبز” انتقل بعد سقوط النظام السابق من أيدي معتمدي الخبز إلى الباعة المتجولين، ما أدى إلى توسّع الظاهرة وزيادة الإقبال على العمل في بيع الخبز، في ظل تردّي الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وحالات الفصل الوظيفي.
نساء ريف اللاذقية يواجهنَ تكاليف المعيشة بـ "بيع الفطائر وورق العنب"
بيع الخبز أم عمل آخر!
لا يعاني جميع العاملين في بيع الخبز من الفقر المدقع؛ إذ تضم هذه الفئة أطفالًا ونساءً ورجالًا وكبارًا في السن، بعضهم تبدو عليه ملامح الفقر الشديد، فيما لا يعكس المظهر الجيد للبعض الآخر بالضرورة أوضاعًا مريحة، إذ قد يكونون مستورين بالكاد أو قد تدهورت ظروفهم المعيشية حديثًا، وفق مشاهدات روزنة.
هناك من يبيع الخبز من داخل سيارته الخاصة، التي يعمل بها كـ"تكسي خصوصي"، كما هو حال الرجل الستيني أبو وليد، الذي فضّل العمل في بيع الخبز على نقل الركاب بسيارته والتعاقد مع شركة يلا غو عبر تطبيق إلكتروني.
يقول أبو وليد لـ روزنة إنه لا يجيد التعامل مع تطبيقات سيارات الأجرة، مضيفًا أن هذه الشركات لا تفضّل التعاقد مع كبار السن، لا سيما من لا يمتلكون خبرة في استخدام التطبيقات الذكية، وفق وصفه.
ويذهب أبو وليد يوميًا إلى أحد أفران طرطوس لشراء الخبز، ثم يبيعه من داخل سيارته الخاصة قرب الفرن. ويشير إلى أن من إيجابيات هذا العمل أنه لا يحتاج إلى تكاليف إضافية أو رأس مال.
ويستطرد قائلًا: "كانت قيمة سيارتي قبل سقوط النظام نحو 200 مليون ليرة سورية، أما اليوم فلا يتجاوز سعرها 70 مليون ليرة. اشتريتها كوسيلة ادخار وعمل، لكنني تكبّدت خسارة كبيرة".
تجارة جيدة
يفضّل محمد، وغيره من سكان المدينة، شراء الخبز من الباعة المنتشرين على الطرقات، لا سيما في الأيام التي يكون فيها الطقس سيئًا. ويقول لـ روزنة إن بعض الباعة يُنقصون عدد الأرغفة في الربطة، أو يضيفون إليها أرغفة قديمة جلبوها معهم، ما يرفع هامش ربحهم إلى أكثر من ألفي ليرة في الربطة الواحدة.
ويوضح محمد أنه اشترى ربطة الخبز في عدة مناسبات بسعر يتراوح بين سبعة وثمانية آلاف ليرة سورية، معتبرًا أن بيع الخبز أصبح «أفضل من أي عمل آخر»، وفق تعبيره، ولا سيما في ظل تراجع السوق وضعف حركة البيع والشراء عمومًا في المدينة.
وبينما تحوّل بيع الخبز من حل فردي لتأمين لقمة العيش إلى خيار جماعي لكثير من العاطلين عن العمل، في ظل تفشي البطالة وقلّة فرص العمل، غابت الرقابة الحكومية عن هذه الظاهرة، واقتصر دورها على رفع الدعم عن الخبز وتسعير الربطة الواحدة بـ 4000 ليرة، بعد أن كانت 200 ليرة فقط قبل سقوط النظام السابق.
في سياق اقتصادي يتّسم بتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وتقلّص فرص العمل، يبرز بيع الخبز على الطرقات كأحد أشكال التكيّف القسري مع واقع معيشي ضاغط. وبينما يجد فيه بعض المواطنين وسيلة لتأمين لقمة العيش أو الحصول على الخبز بسرعة، يعكس انتشاره في الوقت نفسه اختلالات أعمق في السوق وآليات الحماية الاجتماعية. وفي غياب حلول اقتصادية شاملة أو بدائل عمل مستدامة، تبقى هذه الظاهرة معلّقة بين الضرورة اليومية وحاجة ملحّة لتنظيم يوازن بين حماية الفئات الهشّة وضمان حقوق المستهلكين.


