سحر جبور: العدالة التي لا تلمس واقع المرأة البسيطة ليست عدالة

سحر جبور: العدالة التي لا تلمس واقع المرأة البسيطة ليست عدالة

الناشطة المدنية سحر جبور

ملفات | 30 05 2026

داليا محمد

ترى الناشطة المدنية سحر جبور أن أي عدالة انتقالية لا تعترف بأثر الحرب المختلف على النساء، ولا تغير البنى القانونية والاجتماعية التي كرست التمييز، ستبقى ناقصة حتى لو امتلأت بالمحاكم واللجان.

من أين يجب أن تبدأ العدالة الانتقالية؟

بالنسبة للناشطة المدنية، تبدأ العدالة الانتقالية من نساء خرجن من المعتقلات، وأمهات ما زلن ينتظرن أبناءهن، ونازحات يحملنّ قصص الظلم أكثر مما يحملن يقيناً بما سيحدث لاحقاً.

لهذا، حين تتحدث سحر جبور عن واقع النساء في مسار العدالة الانتقالية، يبدو القلق حاضراً أكثر من الحماسة. تقول لروزنة إن السوريين دخلوا مرحلة مصيرية بعد سقوط النظام السابق، ومعها ارتفعت الآمال ببناء دولة قانون ومؤسسات، تكون العدالة الانتقالية أحد أعمدتها الأساسية، لكن "بعد أكثر من عام على سقوط النظام لا أستطيع إلا أن أتحدث عن شعوري بالقلق والإحباط أحياناً من الواقع الذي تعيشه السيدات السوريات في مسار العدالة الانتقالية".

ترى جبور أن هناك تناقضاً واضحاً "بين الطموح والتطبيق". صحيح أن بعض الخطوات تحققت، مثل النص في الإعلان الدستوري على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، إضافة إلى وجود محدود للنساء في بعض المواقع الرسمية، "لكن التحديات الوجودية ما تزال أكبر من المكاسب الصغيرة"، بحسب وصفها.

في 17 أيار 2025، أعلنت السلطات السورية تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم 20، كما أُعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين بالمرسوم رقم 19. وقالت الحكومة إن الهيئة معنية بكشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وترسيخ ضمانات عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

لكن سحر ترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود هيئة أو نصوص رسمية، بل بشكل العدالة نفسها، ومن يشارك في تصميمها. تقول إن النساء ما يزلن يواجهن "إقصاءً وتهميشاً"، وإن كثيراً من الآليات المطروحة لا تبدو كافية لحماية الناجيات أو التعامل مع الانتهاكات التي تعرضن لها خلال الحرب.

وتضيف: "مشاركة المرأة بالعدالة الانتقالية هي اختبار حقيقي لمصداقية المرحلة الجديدة"، محذرة من بقاء المرأة "رهينة السلطة الأبوية والسياسات الإقصائية".

وراء هذا القلق، تقف أيضاً بنية قانونية واجتماعية أقدم من الحرب نفسها. تشير جبور إلى أن النساء السوريات ما زلن يواجهن إرثاً قانونياً وثقافياً تمييزياً ضدهن، بدءاً من قوانين الأحوال الشخصية، وصولاً إلى النظرة الاجتماعية التي تجعل مشاركة النساء في الشأن العام موضع شك أو تقييد.

وتتقاطع هذه المخاوف مع تقارير عالمية تحدثت عن استمرار وجود أحكام تمييزية في قوانين الأحوال الشخصية السورية، وتأثيرها على حقوق النساء في الزواج، والحضانة، والميراث، والمشاركة العامة. محذرة من أن استمرار هذه البنى القانونية خلال المرحلة الانتقالية قد يعيد إنتاج أشكال التمييز القديمة داخل النظام الجديد، ما لم تُطرح إصلاحات قانونية جدية ومتصلة بالواقع المحلي.

الاغتصاب ليس "تفصيلاً جانبياً" في الحرب

لهذا، لا تتعامل جبور مع "جندرة العدالة الانتقالية" بوصفها مطلباً إضافياً أو تفصيلاً تقنياً. بالنسبة إليها، القضية تمس "جوهر العدالة الحقيقية". تقول: "عندما نتحدث عن تعميم مفهوم الجندر لا نعني فقط مجرد إضافة النساء إلى العملية، بل أن العدالة الانتقالية تعترف بأن انتهاكات الحقوق تطال النساء والرجال بطرق مختلفة".

تشرح فكرتها عبر أمثلة ملموسة مثل الاغتصاب، والعبودية الجنسية، والزواج القسري، والحرمان من خدمات الصحة الإنجابية، أو الوصمة الاجتماعية التي لاحقت كثيرات بعد الاعتقال والعنف الجنسي. بالنسبة إليها، لا يمكن التعامل مع هذه الملفات كقضايا هامشية أو ثانوية داخل الحرب.

وتقول إن "العدالة الانتقالية غير المجندرة هي عدالة ناقصة، وقد تكون ظالمة لأنها تعمي العيوب الهيكلية".

ويتقاطع كلام جبور مع مقاربات أممية تؤكد أن النساء والفتيات يختبرن النزاعات والانتهاكات بطرق مختلفة، وأن العدالة الانتقالية تحتاج إلى آليات تراعي هذه الفروقات وتضمن مشاركة النساء بصورة آمنة وفعالة، بدل التعامل مع تجاربهن كحالات هامشية داخل مسار العدالة.

لكن جبور لا تتوقف عند توصيف الانتهاكات فقط، بل تربط العدالة بإعادة بناء المؤسسات نفسها. بالنسبة إليها، يجب أن تظهر "الجندرة" في كل مسارات العدالة الانتقالية من تصميم المؤسسات، إلى لجان كشف الحقيقة، إلى المحاكمات، والتعويضات، والإصلاحات القانونية، وحتى التعليم والمناهج.

وتشرح فكرتها بوضوح: "لا يجب أن يقتصر إشراك النساء على النخبويات والقانونيات فقط، بل يجب أن يشمل الناجيات والريفيات والنازحات وذوات الإعاقة لأنهن الخبيرات باحتياجاتهن الحقيقية".

حديث الناشطة المدنية لا يبدو نظرياً في سوريا، التي تضم أكثر من 177 ألف مختف قسرياً حتى آب 2025، بينهم نحو 9 آلاف امرأة، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

عدالة تبدأ من القاعدة

بالنسبة لجبور، لا يكفي أن تكون النساء "موجودات" داخل المسار. تصف دورهن المطلوب بجملة مختصرة: "شريكات متساويات في كل شيء، وقائدات في كل ما يخصهن".

لا تريد أن يبقى ملف المرأة منفصلاً عن الاقتصاد أو الأمن أو القضاء، وكأن هذه المجالات تخص الرجال وحدهم. تقول إن النساء يجب أن يكنّ جزءاً من صنع القرار الاستراتيجي، والتحقيق، وكشف الحقيقة، وإدارة التعويضات، والرقابة المجتمعية، والإصلاح المؤسساتي، والضغط السياسي أيضاً.

لكن أكثر ما تخشاه سحر، كما تقول لروزنة، أن تتحول كل هذه النقاشات إلى "ورق نظري جميل بينما الواقع يعيد إنتاج التهميش".

لهذا، تدفع باتجاه عدالة "تبدأ من الأسفل"، من المخيمات، ومن البيوت، ومن زنازين الاعتقال السابقة، لا من المؤتمرات وحدها. تتحدث عن محاكم متنقلة، وفرق دعم نفسي تصل إلى القرى، وصناديق استماع، وآليات بسيطة يمكن للنساء الوصول إليها من دون تعقيدات بيروقراطية أو خوف.

وتقول بوضوح: "العدالة التي لا تلمس واقع المرأة البسيطة ليست عدالة".

وتربط مقاربات أممية حديثة بين نجاح العدالة الانتقالية وبين قدرتها على أن تكون "متمحورة حول الضحايا"، أي قائمة على إشراك المتضررين أنفسهم في تصميم المسارات والآليات، لا التعامل معهم كمتلقين للقرارات فقط. كما تشدد هذه المقاربات على أن تجاهل تجارب النساء والناجيات داخل عمليات العدالة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التهميش بدل معالجته.

وربما لهذا السبب تحديداً، تبدو رسالة سحر للنساء شخصية أكثر من كونها خطاباً عاماً. لا تدعو النساء إلى انتظار الدعوات الرسمية أو الاعتراف المسبق بهن. تقول لهن: "لا تنتظرن الإذن… العدالة الانتقالية ليست هدية بل حق سلبه منكن النظام الأسدي".

وتطلب منهن كسر الخوف والوصمة، وتعلم أدوات التوثيق والمعرفة، حتى لو بدأت "بكلمات بسيطة"، لأن العدالة، كما تقول، ليست فقط محكمة أو حكماً قضائياً. أحياناً تبدأ من القدرة على الذهاب إلى المدرسة بلا خوف، أو رفض التحرش في الشارع، أو فتح مشروع صغير من دون إذلال أو رشوة.

في النهاية، لا تبدو سحر جبور مشغولة فقط بمشاركة النساء في العدالة الانتقالية، بل بشكل سوريا التي يمكن أن تخرج من هذه العملية. سوريا تعترف بما جرى، لا تكتفي بتغيير السلطة فقط. وسوريا لا تطلب من النساء أن يكنّ شاهدات على الألم وحسب، بل شريكات في تعريف ما يجب أن تعنيه العدالة بعد كل هذا الخراب.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد انتهاء الجولة الأولى.. كيف تقيّم المونديال حتى الآن؟

أعجبني وأتابعه باهتمام
مخيب للآمال
غير مهتم بالبطولة أساساً
close icon