العدالة الانتقالية في سوريا: كيف تصل إلى المجتمعات المحلية؟

العدالة الانتقالية في سوريا: كيف تصل إلى المجتمعات المحلية؟

عدالة انتقالية | 7 04 2026

لودي علي

تشير التجارب الدولية والإقليمية إلى أن نجاح أي عملية عدالة انتقالية لا يُقاس فقط بإنشاء المؤسسات المركزية، بل بقدرتها على ترجمة مفاهيم العدالة إلى واقع ملموس في حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق، ما يجعل المجتمعات المحلية شريكًا أساسيًا في بناء هذا المسار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

الإدارة المحلية واللامركزية: مدخل أساسي للعدالة

يضع هذا الواقع قوانين الإدارة المحلية واللامركزية في سوريا في صميم أي استراتيجية طموحة للعدالة الانتقالية، حيث يمثل تعزيز الإدارات المحلية حجر الزاوية في بناء نظام قادر على الوصول إلى الفئات المتضررة.

في السياق السوري، تزداد أهمية هذه المسألة في ظل التعددية الإثنية والطائفية والجغرافية التي تميز البلاد، ما يجعل تصميم آليات عدالة انتقالية على المستوى المحلي ضرورة عملية، وليس مجرد خيار نظري.

في هذا الإطار، يقول الناشط المدني عبد الله الحافي إن تحويل قوانين الإدارة المحلية من أدوات تنظيم إداري إلى أدوات تمكين اجتماعي يتطلب:

إنشاء لجان محلية متخصصة، مثل لجان الكشف عن المفقودين

إشراك المجتمع المحلي في عمل هذه اللجان

ضمان تمثيل فعلي للنساء والشباب والفئات المهمشة في صنع القرار، خصوصًا في قضايا جبر الضرر والمصالحة



فراغ إداري يهدد الحقوق

ويظهر ذلك بوضوح في التطبيق العملي، حيث يكشف تقرير صادر عن منظمة STJ في يناير/كانون الثاني 2026 أن إغلاق مكاتب الأحوال المدنية في شمال شرق سوريا منذ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024 أدى إلى فراغ قانوني وإداري خطير.

وبحسب التقرير، ترتب على ذلك:

بقاء آلاف الأطفال دون تسجيل رسمي للولادة

فقدان القدرة على توثيق عقود الزواج

تعذر تسجيل الوفيات

تعطّل معاملات الميراث

وتُظهر هذه التجارب أن العدالة يمكن أن تبدأ من المستوى المحلي، وكيف يمكن لغياب الإدارة المحلية الفاعلة أن يقوض أبسط حقوق الإنسان، ويحول دون تحقيق أي تقدم في مسار العدالة الانتقالية.

المجتمع المدني: فاعل محوري في العدالة الانتقالية

في موازاة ذلك، يشير تحليل نُشر في فبراير/شباط 2026 على مدونة لوفين للعدالة الانتقالية إلى أن المجتمع المدني السوري يلعب دورًا محوريًا في دعم هذا المسار، من خلال:

توثيق الانتهاكات

حفظ الأدلة

تقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا

المساهمة في صياغة خرائط طريق للعدالة الانتقالية

إلا أن استمرار العمل بـ قانون الجمعيات رقم 93 لعام 1958، رغم التغيرات السياسية، يثير مخاوف جدية، نظرًا لما يمنحه من صلاحيات واسعة للسلطات في السيطرة على المنظمات وحلّها بقرارات إدارية دون رقابة قضائية، ما يهدد مستقبل الحريات العامة.

إصلاحات حكومية وتحديات قائمة

في سياق الإجراءات الحكومية، أعلنت وزارة الإدارة المحلية في مارس/آذار 2026 عن تشكيل لجنة لدراسة تعديل قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، بهدف تعزيز اللامركزية الإدارية.

كما صدر القرار الوزاري رقم 13 لعام 2026، الذي ينص على تفويض صلاحيات واسعة للمحافظين، تشمل الجوانب المالية والاستثمارية، في خطوة تهدف إلى تسريع تقديم الخدمات.



مع ذلك، يحذر مراقبون من غياب آليات رقابية واضحة، واستمرار تعيين المحافظين بشكل مركزي دون انتخاب محلي، ما قد يحد من فعالية هذه الإصلاحات ويقوّض مبادئ الشفافية والمساءلة.

وفي هذا السياق، يؤكد الحافي أن اللامركزية لا تعني بالضرورة الفيدرالية، إذ يمكن اعتماد أشكال متعددة منها، مثل:

اللامركزية الإدارية

اللامركزية المالية

تفويض الصلاحيات

وذلك مع الحفاظ على القضايا السيادية، مثل العدالة وحقوق الإنسان، ضمن إطار مركزي موحد، مقابل منح السلطات المحلية صلاحيات حقيقية تتناسب مع خصوصيات كل منطقة.

تجارب دولية: العدالة تبدأ من المجتمع

تقدم التجارب الدولية نماذج واضحة على أهمية إشراك المجتمعات المحلية في تحقيق العدالة الانتقالية:

رواندا:

تم إنشاء أكثر من 11 ألف محكمة محلية (غتشاتشا)، نظرت في نحو 1.9 مليون قضية مرتبطة بالإبادة الجماعية بين عامي 2005 و2012، حيث اعتمد النظام على قضاة من المجتمع المحلي ودمج بين العدالة الجزائية والمصالحة المجتمعية.

كولومبيا:

اعتمدت نموذجًا يجمع بين القضاء الرسمي والآليات المجتمعية، خصوصًا في المناطق الريفية، مع توقيع اتفاقات بين المؤسسات الوطنية والقادة المحليين لضمان تنفيذ متكامل لمعالجة النزاعات، خاصة المتعلقة بالأراضي.

نحو عدالة انتقالية تنطلق من الواقع المحلي

في المحصلة، يظهر أن تمكين المجتمعات المحلية في سوريا، وتعزيز دور النساء والشباب، وضمان الشفافية والمساءلة، تمثل عناصر أساسية لتحويل الإدارة المحلية من إطار بيروقراطي إلى أداة حقيقية لتحقيق العدالة الانتقالية.

فبناء نموذج سوري للعدالة الانتقالية لا يمكن أن يعتمد على استنساخ تجارب جاهزة، بل يجب أن ينطلق من الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية، باعتبارها نقطة البداية لأي مسار عدالة مستدام.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد انتهاء الجولة الأولى.. كيف تقيّم المونديال حتى الآن؟

أعجبني وأتابعه باهتمام
مخيب للآمال
غير مهتم بالبطولة أساساً
close icon