حقوق النساء الناقصة.. "لسنا أدوات للانجاب فقط"

حقوق النساء الناقصة..

تقارير وتحقيقات | 24 12 2025

جلنار العلي

كأمهات سوريات، نحمل أطفالنا تسعة أشهر، نلدهم بألم، نسهر الليالي على تربيتهم، ننفق عليهم من قوت يومنا، نعمل ليل نهار لتأمين مستقبلهم. لكن حين يحين وقت استخراج جواز سفر أو اتخاذ قرار قانوني، يقول لنا القانون: "انتظري، أنتِ لست كافية. نحتاج إلى رجل".

هذا ما يكرّسه التعميم رقم 17 الصادر عن وزارة العدل السورية، الذي عاد ليشعل غضبنا من جديد. ليس لأنه جديد، بل لأنه يذكّرنا - بوقاحة - أننا في نظر القانون مجرد "آنية للحمل وأداة للإنجاب"، كما وصفته أخواتنا في اللوبي النسوي السوري بحق.

"التعميم العار": غضبنا الجماعي

وقّعنا بالمئات - نساء ومنظمات وناشطات - على عريضة ترفض هذا الإهانة. أكثر من 60 منظمة وتجمعاً، ومئات الأصوات النسوية قالت: كفى. 

وجاءت المبادرة عبر لجنة المناصرة الجندرية والتي تضمن ناشطات و متطوعات في مناصرة قضايا النساء.

"التعميم العار"، وصف أطلقه اللوبي النسوي السوري على العريضة، و تابع اللوبي "يحولنا هذا التعيميم إلى أواني للحمل وأداة للإنجاب فحسب، وبذلك نصبح مجرد مقدمات رعاية عابرة في حياة أطفالنا. تتحول المرأة السورية لكائن هامشي لا صوت ولا رأي لها في كل ما يخص حياة أولادها، بل يصبح أبعد ذكور العائلة أجدر وأقرب لطفلها منها".

تساءلنا بغضب: "كيف يمكن لوزير العدل أن يضرب كل قيم المساواة والإنصاف، ويحتقرنا بهذه الطريقة، ضارباً عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها سوريا والإعلان الدستوري الذي ينص على المساواة؟"

قلنا بوضوح: لن نقبل بتمرير تمييز وراء آخر. لن نجد أنفسنا بعد سنوات نطالب بعودة قوانين متخلفة كنا قد ناضلنا ضدها، لأنها "أفضل" مما يُسنّ الآن!

سبعون عاماً من التمييز القانوني ضدنا

تخبرنا الباحثة القانونية ماريانا كركوتلي أن هذا التمييز ليس وليد اليوم. منذ 1953، وقانون الأحوال الشخصية يقيّد حريتنا في الحركة وولايتنا على أبنائنا. كل التعديلات - 1975، 2019، 2023 - لم تُغيّر شيئاً جوهرياً في موقعنا داخل الأسرة.

"حتى في حال غياب الأب، نبقى محرومات من ممارسة ولاية كاملة على أولادنا. نُحاط بسلسلة من الذكور الأقرباء الذين يُمنحون حق الوصاية قبلنا"

حين مُنعنا من السفر مع أطفالنا

تقول كركوتلي : عام 2015، حاولت أخواتنا اللواتي فقدن أزواجهن في الحرب السفر مع أطفالهن عبر الحدود اللبنانية. مُنعن. لماذا؟ لأنه لم يكن هناك "وليّ ذكر" يرافقهن.

تخيّلي الموقف: امرأة تحمل طفلها، هاربة من الحرب، أرملة، وحيدة، لكنها غير كافية قانونياً لحماية طفلها. تحتاج إلى رجل - أي رجل من العائلة - حتى لو كان غريباً عنها وعن طفلها.

"هذه ليست حالات استثنائية"، تشدد كركوتلي. "هي جزء من منظومة تعطي الأولوية المطلقة للذكور في الولاية، حتى وإن كانوا عاجزين أو مفقودين بسبب الحرب والاعتقالات".

الدستور يقول شيئاً والقانون يفعل عكسه

الدستور السوري ينص على المساواة. سوريا وقّعت على اتفاقيات دولية تضمن حقوق المرأة والطفل. لكن على الأرض؟ نُعامل كقاصرات.

"إعادة التلويح بهذا التعميم تراجع خطير عن مكتسباتنا، ويكرّس التمييز ضدنا في أخطر جوانب حياتنا: علاقتنا بأبنائنا"

تقول كركوتلي أن هذه السياسات تضاعف أعباء النساء اليومية. ويجعلها مضطرة لخوض معارك قضائية طويلة ومعقدة لإثبات غياب الأب أو عجزه، قبل أن نتمكن من استخراج ورقة رسمية أو السفر مع أطفالنا.

في المغرب - للمقارنة - تُعطى الحضانة للأم بشكل فعلي، حتى وإن كانت الولاية القانونية للأب. أما نحن؟ محرومات من الحضانة والولاية معاً في أغلب الحالات.

من أصدر تعميم القرار لا يعيش في الواقع!

سميرة البهو، الباحثة والأخصائية الاجتماعية وعضو شبكة المرأة السورية، تقولها بصراحة: "هذا القرار مجحف وكأن من أصدره لا يعيش في الواقع".

تضيف: "نحن من نربي أطفالنا ونرعاهم وننفق عليهم. بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، تغيّرت المعادلة السكانية تماماً. عددنا الآن أكبر بكثير من عدد الرجال. نحن القائمات على العمل والإنفاق، خاصة في بلاد الاغتراب حيث تبادلت الأدوار تماماً".

بعد أن فقدنا الأزواج والمعيلين، أصبحنا نحن المشرفات والقيمات على الأطفال وتربيتهم. لكن القانون ما زال يعاملنا كقاصرات بحاجة لوصاية رجل، حتى لو كان هذا الرجل غريباً عنا تماماً!

الزواج شراكة؟ على الورق فقط

تعيدنا البهو إلى جذر المشكلة: "عقد الزواج يُفترض أن يكون شراكة، وأن لنا ما للرجل في الأولاد من رعاية ووصاية. لكن هذه الشراكة تبقى على الورق فقط، بينما الواقع مختلف تماماً".

ناضلنا طويلاً قبل التسعينيات لتعديل قانون الأحوال الشخصية. ما حققناه كان محدوداً جداً: رفع سن الحضانة قليلاً. أما النقاط الأساسية المتعلقة بالوصاية؟ بقيت بلا تغيير.

بصوت يمتلئ بالمرارة، تقول البهو: "الثورة كان من المفترض أن تُغيّر كل ما هو متخلف ومجحف. كان من المفترض أن تراعي الدور العظيم الذي قمنا به خلال عقود".

وتضيف: "كنا دائماً في الصفوف الأولى. قدّمنا تضحيات تفوق أحياناً ما قدمه الرجال. فقدنا أبناءنا وإخوتنا وآباءنا. كنا المتضررات الأوليات والأخيرات. ومع ذلك، تأتي هذه القرارات المجحفة لتكافئنا بالحرمان والإقصاء".

متى ينتهي هذا التخبط؟

تتساءل البهو: "متى سينتهي هذا التخبط في إصدار القرارات؟ القرار يجب أن يكون مبنياً على دراسة معمقة، على بحث ميداني، على مراجعة لما كان بهدف تحسينه، لا إعادة صياغته بشكل أسوأ".

محاولات "الترقيع" بتوضيحات لاحقة من القاضي الشرعي لا تلغي جوهر المشكلة. "لا يمكن أن نقبل بهذه التوضيحات إلا إذا كانت مُقرة ومعترف بها وتُطبق فعلياً على الأرض"، تقول البهو.

البهو تلفت إلى واقع مؤلم آخر: "هذه القرارات لا تراعي واقعنا نحن اللواتي تزوجنا في بلاد الاغتراب ولا نعرف أقرباء أزواجنا. ومع ذلك تُفرض علينا وصاية من رجال غرباء لا علاقة لهم بحياتنا أو حياة أطفالنا".

هذا يعكس حجم الانفصال الصارخ بين هذه القرارات وواقعنا الاجتماعي الفعلي.

لن نقبل بالعودة إلى الوراء

التعميم 17 ليس مجرد قرار إداري. إنه جزء من منظومة أبوية متجذرة تحاول إعادتنا إلى الهامش بعد عقود من النضال. تحاول أن تقول لنا: مهما عملتِ، مهما ضحيتِ، مهما ناضلتِ، أنتِ لستِ كافية. تحتاجين إلى رجل.

"لكننا نرفض. بأصواتنا الجماعية، بعريضتنا، بغضبنا المشروع، نقول: لا,"

نحن لسنا "آنية للحمل" فقط. نحن أمهات، عاملات، معيلات، ناشطات، ثائرات. نحن من نربي الجيل القادم. ونستحق أن يعترف القانون - أخيراً - بأننا شريكات كاملات في هذه الحياة، لا قاصرات تحت الوصاية الأبدية.

المعركة ليست ضد تعميم واحد. إنها ضد منظومة كاملة من القوانين تحتاج إلى إعادة بناء من الأساس. ونحن مستمرات في هذه المعركة، مهما طال الطريق.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض