تقارير وتحقيقات | 10 12 2025
روزنة
بعد عام على سقوط النظام السابق، يقف السوريون أمام محاولات إنعاش أولية للقطاعات الحيوية وسط واقع مرير فرضته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.
لكن، ورغم ضخ ملايين الدولارات في قطاعات الصحة والطاقة والتعليم، ما تزال البلاد تواجه فجوات في الخدمات الأساسية، وسط بنى تحتية مدمرة، وهجرة واسعة للكوادر، ونقص حاد في التمويل.
يرصد تقريرنا حصيلة عام من أبرز التحولات في قطاعات تمس حياة السوريين اليومية، وهي: الصحة، الكهرباء، والتعليم.
الصحة: محاولات إنعاش قطاع متهالك
حاولت وزارة الصحة والمنظمات المحلية والدولية، بدء أولى خطوات ترميم القطاع الصحي والطبي المنهار في سوريا.
صرح وزير الصحة مصعب العلي منتصف الشهر الماضي، أنهم استطاعوا تحقيق تقدم في مجال توفير أجهزة الكلى، لكن لا يزال هناك نقص في أجهزة الرنين المغناطيسي والطبقي والمحوري، إضافة للأدوية المناعية وأدوية السرطان.
وأكد الوزير وجود نقص في الكوادر على المستويين الفني والإداري.
وشهد العام الفائت، نقطة تحول أثارت نقاشاً اختصاصياً، متمثلة بتوقيع وزارتي الصحة والمالية "الميثاق الوطني للصحة" لوضع استراتيجية بناء النظام الصحي وتحقيق التغطية الصحية الشاملة لكل السوريين بحلول 2023.
ولم تنشر حتى الآن أي تفاصيل حول الميثاق.
ووقعت العديد من الاتفاقيات بين وزارة الصحة ومنظمات خيرية وإنسانية عالمية ومحلية، كما تميزت الأشهر التي تلت سقوط النظام السابق، بعودة عشرات الأطباء المغتربين إلى سوريا لتقديم خدمات طبية وعلاجية مجانية، إضافة لتدريبات في الجامعات والمشافي في مختلف الاختصاصات.
وانعكس قرارات تسريح موظفين بداية العام الحالي على الواقع المعيشي لعدد من العاملين في القطاع الصحي، في قضية أثارت جدلاً وحالة استياء لدى شريحة واسعة، كما غطت روزنة في تقاريرها على مدار السنة.
وبقيت مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" خارج إطار الدعم الواصل إلى سوريا، كما أطلقت المشافي في السويداء نداءات استغاثة بعد أحداث تموز/يوليو الماضي.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن القطاع الصح في سوريا يواجه تحديات جسيمة، ولا يزال انقطاع إمدادات الأدوية والمعدات الطبية حرجاً، حيث تعاني الأدوية الأساسية للأمراض المزمنة، والأمراض غير المعدية، والأمراض المعدية، والصحة النفسية، ورعاية الأم والطفل من نقص حاد.
وقالت في تقرير لها، إن الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية والضرورية، وفعاليتها، يواجه تحديات خطيرة في القطاع الصحي السوري، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى الأضرار الواسعة النطاق وتعطل العديد من المرافق الصحية.
وكشف تحليل حتى أيار/مايو الماضي أن 57% فقط من المستشفيات و37% من مراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع أنحاء البلاد تعمل بكامل طاقتها.
وتأثرت أكثر من 452 منشأة صحية كانت تتلقى دعمًا رسميًا سابقًا بتخفيضات التمويل وتواجه خطر الإغلاق الوشيك، مما يعرض أكثر من 5 ملايين شخص لخطر فقدان الرعاية الطبية الحيوية والخدمات المنقذة للحياة.
الوزير "العلي" أكد في تصريح سابق أن:
- 40% من المراكز الصحية مدمرة بالكامل
-تعاني 60% من المشافي من التهالك
-نقص في توفير الأدوية الأساسية
-هجرة أكثر من 35% من الكوادر الصحية ذات الكفاءة العالية
-17 مشفى جديداً وضع في الخدمة، مع إضافة 53 قسماً في المشافي القديمة
-إعادة افتتاح 300 مركز صحي كانوا خارج الخدمة
-مبادرات الأطباء السوريين المغتربين، قدمت أكثر من 6000 عمل جراحي و22 ألف استشارة طبية
-وجود أربعة أجهزة رنين مغناطيسي فقط تعمل في مشافي الوزارة
اقرأ أيضاً.. بالأرقام: أجهزة غسيل الكلية في سوريا بين الحاجة والمتوفر

الكهرباء: تجربة وصل دائم وتعرفة جنونية
بعد سنوات من تعايش السوريين مع الانقطاع الطويل وشبه الدائم في بعض المناطق للتيار الكهربائي، عاشت مدن عدة تجربة لأيام قليلة مع ساعات وصل دائمة أو لنحو 20 ساعة يومياً، لكنها سرعان ما تراجعت إلى حدود، يصفها البعض بالمعقولة، لكنها ترافقت مع رفع وصف بـ"الجنوني" للتعرفة.
وفي حزيران/يونيو الماضي، حصلت سوريا على منحة تمويلية بقيمة 146 مليون دولار أمريكي من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) للمساعدة في استعادة الكهرباء الموثوقة وبأسعار معقولة.
سبق ذلك بشهر، توقيع "مذكرة تفاهم استراتيجية" بين وزارة الطاقة ومجموعة شركات دولية، لتعزيز مجالات الاستثمار بقطاع الطاقة في سوريا، بقيمة وصلت إلى سبعة مليارات دولار أمريكي.
لاحقاً، جرى توقيع الاتفاق الأخير ودخل المشروع حيز التنفيذ.
ورغم التفاؤل الحذر بتحسن واقع التيار الكهربائي والوعود الحكومية، لا زالت النسبة الأكبر تتخوف من انعكاس ذلك على التكاليف التي لا تتناسب مع متوسط الدخل في بلد يقع تسعين بالمئة من سكانه تحت خط الفقر.
وفي مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" لم يشهد واقع الكهرباء أي تبدل، فيما تعاني السويداء في الأشهر الماضية من تضرر الخطوط عالية التوتر ما أدى لانقطاع كامل لأيام عدة، بشكل متكرر.
التعليم: الطلاب يدفعون الثمن
يواجه قطاع التعليم في سوريا تحديات كبيرة وواقع صعب خلال العام الفائت، في ظل استمرار بقاء 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، وتعرّض 1.6 مليون آخرين لخطر التسرب في أي لحظة، وفق تقارير أممية حديثة.
ولا زال الدمار الذي لحق في المدارس يمنع عدداً كبيراً من النازحين داخلياً العودة إلى قراهم وبلداتهم، فيما تحولت مدارس إلى مراكز إيواء بعد أحداث السويداء.
وتفاقمت معاناة طلاب السويداء جنوبي سوريا بسبب تدهور الوضع التعليمي، وتضرر المدارس ونقص الكوادر والتمويل، ما نتج عنه تأخير في إجراء امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا).
ويستمر تسجيل نحو 4.2 ملايين طفل في المدارس الحكومية، فيما يواجه الأطفال في مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" مصاعب في ظل فرضها مناهج وسط معارضة واسعة من الأهالي.
وتوجد قرابة 8,000 مدرسة في يوريا خارج الخدمة بين دمار جزئي وكامل، ما زاد الضغط على المدارس العاملة، بينما تكشف الأرقام الأممية عن تراجع موازنة التعليم بنسبة 78% مقارنة بعام 2011.
وكشفت الأمم المتحدة قبل أيام أن نداءها "لعام 2025 بشأن الوضع في سوريا - والذي تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار - ممول بنسبة 33% فقط، مما يترك ملايين الأشخاص بدون مأوى مناسب وخدمات أساسية ودعم لمواجهة فصل الشتاء القادم".
ومع محدودية التمويل الدولي والوعود الحكومية والانتقادات من المواطنين وتفاؤل آخرين، يبقى مصير هذه القطاعات مرتبطاً بقدرة السوريين على بناء مؤسسات فاعلة، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، تسمح بإعادة الإعمار الحقيقي، لا الشكلي، في مجرد بداية بالعام الأول بعد سقوط الأسد، في درب طويل.


