عنف الولادة في سوريا .. جريمة صامتة تمتهن كرامة المرأة

عنف الولادة في سوريا .. جريمة صامتة تمتهن كرامة المرأة

وراء أبواب غرف الولادة في المشافي العامة السورية، لا تقتصر معاناة كثير من النساء على آلام المخاض، بل تمتد إلى ممارسات تخلّف ندوباً جسدية ونفسية طويلة الأمد - صورة من: Sonia Al-Ali

تقارير وتحقيقات | 6 07 2026

تنشر هذه المادة في إطار شراكة إعلامية بين مؤسسة روزنة للإعلام وDW.

لا تقتصر معاناة النساء الحوامل في سوريا، كما في غيرها من بلدن العالم العربي والعالم الثالث، على آلام الحمل والولادة، بل تمتد لتشمل ما يُعرف بـ"عنف التوليد".

"كانت ساعات عصيبة حولت فرحتي بقدوم مولودي الأول إلى كابوس، ولم أتمكن حتى بعد مرور أشهر من نسيان الألم والإساءة التي تعرضت لها أثناء الولادة في أحد مشافي مدينة إدلب بسبب الإهانات والصراخ في وجهي من قبل القابلات في غرفة المخاض" تقول ولاء حاج لطوف (33 عاماً) من مدينة إدلب متحدثة عن ولادتها بطفلها الثالث.

وتضيف لـDW عربية: "حان موعد ولادتي فقصدت مشفى التوليد في مدينة إدلب، وأثناء الولادة تعرضت للضرب، وكانت القابلة تصرخ في وجهي وتردد على مسمعي "كل النساء يلدن فلماذا كل هذا الصراخ" كما عملت على خياطة الجرح الناتج عن الولادة دون تخدير، فشعرت بألم لا يوصف، كل ذلك حول ولادتي إلى كابوس مؤلم امتد تأثيره إلى ما بعد غرفة الولادة".

معاناة صحية ونفسية طويلة الأمد

حالة ولاء ليست استثناء، حيث لا تقتصر معاناة النساء الحوامل في الشمال السوري على آلام الحمل والولادة فحسب، بل تمتد لتشمل ما يُعرف بـ"عنف التوليد".

ذلك العنف الخفي الذي يلاحق النساء في أكثر لحظاتهن هشاشة، فيسلبهن شعور الأمان والكرامة في أثناء الولادة، ويترك وراءه آثاراً عميقة لا تقتصر على الجسد فقط، بل تمتد إلى النفس والذاكرة. فهذه التجارب المؤلمة لا تنتهي بانتهاء الولادة، بل تتحول إلى معاناة صحية ونفسية طويلة الأمد، تغير حياة النساء ومسار أمومتهن إلى الأسوأ.

اعتقدت هبة الرسلان (38 عاماً)، وهي نازحة من مدينة حلب إلى مدينة اعزاز شمالي حلب، بأن معاناتها سوف تنتهي بخروج طفلها إلى الحياة، لكنها بدأت مرحلة جديدة من الألم رافقتها لسنوات بعد الولادة. فبحسب روايتها، تعرضت للطلق الصناعي لاختصار وقت الولادة، وضغط متكرر وعنيف على منطقة البطن والرحم من قبل الممرضات والقابلات اللواتي أشرفن على ولادتها، في محاولة لتسريع خروج الجنين. وتقول لـDW عربية: "إن هذا الإجراءات الذي تمت دون شرح أو استئذان، تسببت لها بمضاعفات صحية خطيرة ظهرت تباعاً بعد الولادة".

وتضيف هبة: "في البداية كنت أعتقد أن الآلام التي أشعر بها طبيعية وستزول مع الوقت، لكن حالتي كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم".

وبعد مراجعات طبية متكررة، تبين أنني أعاني من فتق في منطقة السرة وهبوط في الرحم، وهما مشكلتان صحيتان أثرتا بشكل مباشر في قدرتي على ممارسة حياتي اليومية بشكل طبيعي".

لم تقتصر معاناة هبة على الألم الجسدي فقط، إذ اضطرت إلى الخضوع لعدة عمليات جراحية لمحاولة معالجة الأضرار الناتجة عن الولادة، ما حمّلها أعباء مالية إضافية وأدخلها في رحلة طويلة من العلاج والمتابعة الطبية.

كما واجهت صعوبة في العناية بأطفالها وأداء واجباتها المنزلية خلال فترات التعافي المتكررة، الأمر الذي انعكس على استقرارها النفسي وشعورها بالأمان.

وتؤكد هبة أن التجربة تركت آثاراً نفسية عميقة لديها، إذ ما زالت تستعيد تفاصيل الولادة بكل ما رافقها من خوف وألم وشعور بالعجز.

وتقول إن ما تعرضت له جعلها تنظر إلى الولادة باعتبارها تجربة قاسية بدلاً من أن تكون لحظة فرح واستقبال لمولود جديد، مضيفة أن كثيراً من النساء اللواتي التقت بهن لاحقاً تحدثن عن تجارب مشابهة تعرضن خلالها لإجراءات مؤلمة أو غير مبررة أثناء الولادة.

"اضطررت لاستئصال الرحم"

أما رنا الداني "اسم مستعار" (24 عاماً) من مدينة جسر الشغور بريف إدلب، فقد اضطر الأطباء لاستئصال الرحم بسبب الإهمال وعن ذلك تقول لـDW عربية: "فقدت حقي في الإنجاب مجدداً بعد ولادة طفلي الثاني، وذلك لأن القابلة في المشفى رفضت توليدي". وتضيف بحزن: "قصدت مشفى التوليد بعد منتصف الليل، وأخبرتني القابلة المناوبة بأنني ما زلت في بداية المخاض، وعلي الرجوع للمنزل والمجيء إلى المشفى في الصباح".

وتبين أن الألم ازداد بعد عودتها للمنزل، وولدت بمفردها دون مساعدة، وعند نقلها إلى المشفى أصيبت بنزف حاد، الأمر الذي استدعى استئصال الرحم لاحقاً لإنقاذ حياتها، كما روت لنا.

وتؤكد الداني أنها طلبت من زوجها تقديم شكوى ضد القابلة التي رفضت مساعدتها، لكنه رفض ذلك لأنه لا يريد افتعال المشاكل، معللاً ذلك بأنه قضاء وقدر.

"انتهاك لحقوق المرأة"

الطبيبة المختصة بالتوليد والأمراض النسائية روعة المطر (36 عاماً) من مدينة حلب تقول: "عنف الولادة أو عنف التوليد هو التعرض في أثناء الحمل أو المخاض والولادة أو بعدها إلى سوء المعاملة، أو الإجبار على الخضوع لإجراءات على غير إرادة المرأة بأيدي الكوادر الطبية. وهو مشكلة فيها انتهاك لحقوق المرأة، ومن الممكن أن تُعرّض حياتها، وصحتها النفسية أو الجسدية للخطر" .

وتبين روعة المطر لـDW عربية أن الإهمال في أثناء الولادة يؤدي إلى عواقب وخيمة تصل في معظم الأحيان إلى تهديد الحياة وتحتاج لتدخل طبي.

لذا تنصح السيدات بعدم السكوت عن هذه الممارسات لأن صمت النساء عن تجاربهن يعطي فرصة للمعنفين بالتمادي والاستمرار بجرائمهم في تعنيف النساء، وعن ذلك تضيف: "السكوت الذي تتخذه السيدات السوريات سواء عن جهل طبي أو قانوني، أو بحكم غياب الدعم المجتمعي والمعلومات المغلوطة المنتشرة، يدع هذه الظاهرة المهددة للحياة خارج الضوء".

وتلفت أن هذه الظاهرة تستدعي وضع حلول سريعة وتحذيرات حقوقية وصحية وتوعية للأمهات بشكل عاجل.

قابلة قانونية تشرح الظاهرة من وجهة نظرها

القابلة القانونية عائشة العويد(41 عاماً) تتحدث عن العنف التوليدي بالقول: "في بعض الحالات الاستثنائية أثناء عملية الولادة الطبيعية، ولا سيما في مرحلة اتساع عنق الرحم الكامل ونزول رأس الجنين، وهي من أكثر مراحل المخاض صعوبة وإرهاقاً للأم، قد تضطر القابلة أو الطبيبة المولدة إلى استخدام نبرة صوت حازمة وقوية، بهدف توجيه السيدة وتشجيعها على التعاون الفعّال مع عملية الدفع." مبينة أن هذه المرحلة تعد دقيقة للغاية، إذ تتطلب من الأم بذل جهد كبير ومتواصل لمساعدة الجنين على العبور الآمن عبر قناة الولادة.

وتضيف لـDW عربية: "قد تواجه القابلة أحياناً صعوبات ناتجة عن شدة الألم الذي تعاني منه السيدة أو بسبب حداثة سنها وقلة خبرتها، مما قد يؤدي إلى ضعف الاستجابة للتعليمات الطبية أو التردد في الدفع بالشكل المطلوب. وفي مثل هذه الظروف، قد يترتب على عدم التعاون أو التأخر في إخراج الجنين زيادة احتمالية تعرضه لبعض المخاطر الناتجة عن إطالة مدة الولادة أو تعسرها."

وتلفت العويد أن تفادي هذه المخاطر والمحافظة على سلامة الأم وطفلها، يتطلب من القابلة أو الطبيبة اتخاذ بعض الإجراءات الطبية المساعدة، منها الضغط على قاع الرحم وفق ما تقتضيه الحالة السريرية وتقدير الفريق الطبي، وهو إجراء مؤلم للأم، كما قد يحدث في بعض الأحيان، نتيجة الألم الشديد أو الخوف أو الانفعال، أن تقوم السيدة بشكل لا إرادي بضم ساقيها أو إغلاقهما أثناء خروج رأس الجنين، الأمر الذي قد يعيق استكمال الولادة بصورة طبيعية.

وتبين العويد أنه في هذه اللحظات الحرجة، قد تبدي القابلة قدراً من الانفعال أو الحزم الشديد، وتطلب مساعدة الموجودين من أفراد الطاقم الطبي، لتثبيت السيدة أو المساعدة في إبقاء ساقيها في الوضعية المناسبة إلى حين إتمام الولادة بسلام. ويكون الدافع وراء هذه التصرفات هو الحرص على تسريع إنجاز الولادة وتجنب أي مضاعفات محتملة قد تهدد سلامة الجنين أو الأم، وليس بقصد الإساءة أو الإيذاء، وإنما استجابةً لظروف طبية طارئة تتطلب سرعة التدخل وحسن إدارة الموقف.

أشكال عدة للعنف التوليدي

توضح المرشدة النفسية وفاء نجار (25 عاماً) أنها قابلت العديد من النساء اللواتي يتعرضن خلال فترة الحمل والولادة لأشكال متعددة من العنف داخل غرف المخاض، وهي ممارسات غالباً ما تبقى بعيدة عن الأنظار رغم آثارها العميقة على صحة المرأة النفسية والجسدية. وتشير إلى أن هذه الانتهاكات تحدث بشكل متكرر في المشافي العامة على يد أفراد من الكوادر الطبية، بما في ذلك الطبيبات والممرضات والقابلات.

وتضيف نجار لـDW عربية: "عنف التوليد لا يقتصر على الإهمال الطبي فحسب، بل يشمل أيضاً أشكالاً مختلفة من الإيذاء الجسدي والنفسي، مثل الصراخ في وجه المرأة أثناء المخاض، وتوجيه الإهانات والعبارات الجارحة لها، والاستخفاف بآلامها ومعاناتها، فضلاً عن انتهاك خصوصيتها وعدم مراعاة حالتها الإنسانية الحساسة" . كما تتعرض بعض النساء بحسب نجار للضرب أو الدفع أو التعامل القاسي أثناء الولادة، إلى جانب إهمال تقديم الرعاية الطبية اللازمة للأم أو الجنين في الوقت المناسب، الأمر الذي يضاعف من معاناتهن ويزيد من المخاطر الصحية المرتبطة بالولادة .

وتؤكد نجار أن آثار هذه التجارب لا تنتهي بخروج المرأة من غرفة الولادة، بل تمتد لتترك تداعيات نفسية طويلة الأمد، فالنساء اللواتي يتعرضن لعنف التوليد يكنّ أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب الحاد واضطراب ما بعد الصدمة، حيث تظل تفاصيل التجربة المؤلمة عالقة في الذاكرة، وتعود إليهن على شكل مشاعر خوف وقلق واسترجاع مستمر للأحداث، كما تؤثر هذه التجارب سلباً في العلاقة بين الأم وطفلها، وفي قدرتها على الاستمتاع بمرحلة الأمومة، فضلاً عن أنها تدفع بعض النساء إلى الخوف من الحمل أو الولادة مستقبلاً، نتيجة ارتباط هذه التجربة في أذهانهن بالألم والإهانة وانعدام الشعور بالأمان.

وراء أبواب غرف الولادة في المشافي العامة السورية، لا تقتصر معاناة كثير من النساء على آلام المخاض، بل تمتد إلى ممارسات تخلّف ندوباً جسدية ونفسية طويلة الأمد.

وفي ظل محدودية الرقابة وضعف آليات الشكوى والمحاسبة، يبقى العنف التوليدي قضية صامتة تعيشها نساء كثيرات، بانتظار اعتراف أوسع بها، لضمان ولادة آمنة تحفظ الكرامة والحقوق.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon