تقارير | 23 06 2023
بقلم لجينة حاج يوسف وميس قات تحرير وفاء البدري
قرب حديقة الباسل في مدينة طرطوس، ينتظر محمد وعبدالله ونور الدين وهاشم وآخرون، طيلة اليوم، عسى أن يحالفهم الحظ بالعثور على عمل في ورشة بناء، أو دهان، أو في الأراضي الزراعية أو أي عمل "حر" آخر، للحصول على أجر لا يكفي حتى لقوت اليوم.
لا يعرف محمد (52 عاماً) شيئاً عن حقوقه، فقط ما يهتم به هو الظفر بفرصة للعمل بأجر لا يزيد عن 20 ألف ليرة (نحو 2 دولار أمريكي)، فيخبرنا أنه غالباً قد يمضي أسبوع كامل دون الحصول على أي فرصة.
مصطلح "العمال العرضيين" أو "عمال المياومة" أو ما يعرف محلياً لدى البعض "عمال المهن الصعبة"، يطلق على العمال الذين يتجمعون عند ساحات محددة في مراكز المدن والبلدات، بانتظار أصحاب الورش وأرباب العمل الباحثين عن عمال بأجر أقل، ودون التزام، ولفترة محددة، غالباً ما تكون قصيرة.
ويشبه بعض العمّال، ممن التقتهم روزنة في طرطوس، بأن ما يحصل معهم بشكل يومي بـ"المزاد"، على حد وصفهم.
"سطوة الديوك"
اعتاد الكثير من الشبان الوقوف قرب حديقة الباسل في طرطوس، قبل عام 2011، بحثاً عن فرصة للعمل، وكانوا من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة، منهم نسبة جيدة ليسوا من سكان المحافظة، بل الباحثين عن العمل فيها.
أما في السنوات الماضية، فأغلب الباحثين عن عمل "عرضي" عند حديقة الباسل، هم من رجال مدينة طرطوس، يبلغ أصغرهم من العمر 40 سنة، في ظل خدمة الشباب ضمن قوات النظام السوري أو الهاربين منها، الذي يفضلون التواري عن الدوريات، عبر البقاء في منازلهم.
وعن ظروف العمل القاسية، يشرح عبد الله (48 عاماً) لروزنة: "وكأنه ديك. يأتي صاحب العمل بسيارة كبيرة صباحاً،ثم ينادي على العمال الذين يتهافتون إليه، ويعرضون خدماتهم بأقل الأجور الممكنة. يقف الديك، ويختار أقوياء البنية الجسدية والأقل عمراً وأجراً".
ويحاول الرجل الأربعيني، القبول بأي فرصة "لإطعام عائلته"، حيث لا تزيد أجرته اليومية عن 15 ألف ليرة سورية (أقل من 2 دولار).
ويضيف عبدالله في حديثه معنا، بحسرة: "أصبت العام الفائت بكسور في قدمي، ألزمتني الفراش لمدة 4 أشهر. حينها حضر صاحب العمل وأعطاني مبلغ 100 ألف ليرة، وأخبرني أنه هبة منه، وليس خوفاً من تقديمي لشكوى ضده، وقال لي حرفياً: لأن ما راح يطلع بايدك شي؟!".
لن تأكل عائلتي اليوم
خلال إعدادنا للتقرير الميداني، التقينا قبل مدة بنور الدين (52 عاماً) وعلامات التعب والقهر بادية على وجهه المنهك، حيث انقضى اليوم دون أن يتمكن من الحصول على أي عمل، ليؤمن بها مستلزمات الغداء لعائلته، ويشتكي: "لن تأكل عائلتي اليوم".
يشير نور الدين، أن ألم ظهره الذي يلازمه منذ عمله في ورشة بناء قبل شهرين، منعه من الركض بخفة إلى السيارات التي توقفت بالقرب منه، بينما رفض أصحاب العمل تشغيله، كون المرض بادياً عليه.
ونور الدين، والد لشابتين (28 و25 عام)، إضافة لشاب يبلغ من العمر 30 سنة، لا يستطيع الخروج لمسافات بعيدة عن المنزل "كونه مطلوب للخدمة العسكرية، ولا يريد الالتحاق بها"، يقول الأب.
ولا يحظى العمال العرضيون في أعمال البناء، والمواسم الزراعية، بأي حقوق أو تأمين اجتماعي أو طبي، إضافة لعدم التزام رب العمل بأي شيء اتجاههم قانونياً، باستثناء الأجر الزهيد الذي يساومهم عليه، حسب ما تحدث عمال لروزنة.
اقرأ أيضا: المهمة الصعبة في الرقة.. من يستطيع التصدي لها؟
حقوق معدومة!
"لا حقوق للعمال، وحتى من ينتمي من عمال المياومة لنقابة عمال البناء والإسمنت، لا يحصل على أي شيء"، يقول لنا مصدر من النقابة، فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، مؤكداً أن العدد القليل من العمال المنتسبين، لا يملكون طبابة أو ضماناً اجتماعياً أو راتباً تقاعدياً.
ويتابع: “ فقط ما نقدمه، هو مبلغ 10 آلاف ليرة سورية، سنوياً، لكل عامل من المسجلين لدينا".
وضجت الصفحات المحلية في مواقع التواصل الاجتماعي، خلال كانون الأول الفائت، بعد وفاة عامل البناء سمير الإبراهيم، إثر وقوعه عن سقالة من الطابق الخامس في "مول جبلة الجديد"، في ظل غياب تام لعوامل السلامة والأمان للعاملين.
مرّت وفاة “الإبراهيم”، دون الإعلان عن أي مسائلة قانونية بحق صاحب العمل، أو إلزامه بدفع أي مبالغ تعويضية لعائلته، المؤلفة من طفلين وزوجة.
لا تأمين.. "نحن كالسلعة"!
فكّر هاشم (43 عاماً) من مدينة طرطوس أيضاً، أن يسجل بالتأمينات، ليضمن راتباً تقاعدياً، لكنه تفاجأ بأن عليه دفع مبلغ 12 ألف ليرة شهرياً، لمديرية التأمينات الاجتماعية والعمل، وهو مبلغ على بساطته، لا يمكن ادخاره في ظل الظروف الصعبة، وندرة فرص العمل حالياً، حسب قوله.
يتحدث بنبرة غاضبة: "نحن مثل السلعة، نخضع لقانون العرض والطلب، دون وجود أي قانون أو جهة تحمينا"، مضيفاً أن صاحب العمل يمكن أن يشترط على ثلاثة منهم أحياناً، العمل مقابل أجرة عامل واحد "بذريعة أننا كبار في السن، ولا نستطيع إتمام العمل بشكل جيد".
ويرى العامل الأربعيني أن قانون العاملين الأساسي وقانون العمل، لا ينظمان عمل "العرضيين" ولا يضمن حقوقهم، وغالباً ما يبقى هؤلاء تحت سطوة أرباب العمل.
وجاء في قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2012، بالمادة السادسة منه، أنه لا يشمل العاملين في أعمال عرضية، وتشير الفقرة (ب) من المادة ذاتها، أن من يعمل في أعمال عرضية يخضع للأحكام الواردة في عقود عمله المبرمة مع صاحب العمل.
اقرأ أيضا: عمال سوريا يعيشون تحت خط الفقر.. والبرلمان يبارك عيده
وحول ذلك، يرى الناشط الحقوق أسعد (اسم مستعار)، أن هذه الفئة من العمال ربما تكون الأكثر ظلماً، حيث أن أصحاب العمل يلجؤون لتغيير العمال بشكل يومي تقريباً أو أسبوعي على أبعد تقدير، حتى لا يُلزموا ببنود قانون العمل ومنح العمال حقوقهم كاملة.
ويضيف الناشط، أن أي عامل يتعرض لأي نوع من الإصابات في مكان العمل، بإمكانه رفع دعوى قضائية أمام المحكمة العمالية، لكنها تأخذ غالباً سنوات للبت بها.
ويلفت: "يلجأ أحياناً صاحب العمل لإسكات العامل المتضرر، عبر تقديم مبالغ مالية أقل بكثير مما يمكن أن يحصل العامل عليه من خلال الدعوى (...) صاحب العمل يستغل بساطة وحاجة العامل للنقود في مثل هذه الحالات".
ويؤكد الناشط الحقوقي أن على اتحاد العمال والمنظمات الحقوقية، المطالبة بمنح تلك الفئة من العمال حقوقها الكاملة، وعدم تركها بتلك الطريقة اللاإنسانية، وفق تعبيره.
ويختم حديثه معنا: "لا يمكن للنقابات في سوريا، أن تمارس دورها الفعلي، فهي تتبع لحزب البعث الحاكم، وتعمل تحت ظله وبأوامر منه، وبالتأكيد فإن القائمين عليها ينتمون للبعث، وهو ما يمنعهم من العمل الجاد، ليكونوا مجرد واجهة شكلية، ينتفع منها القائمون عليها".
يذكر أن أكثر من 90 بالمئة من السوريين، يعيشون تحت خط الفقر، وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الاجتماعية، وهو ما يدفعهم للبحث عن أي فرصة عمل، ولو بأدنى الأجور، ويقولون حسب ما رصدنا، أن حاجة السوريين، أمر يدركه جيداً أصحاب العمل، فيستغلون العمال، ويزداد الأمر سوءاً بظل عدم وجود قوانين تحمي "العمال العرضيين".