ملفات | 23 05 2026
داليا محمد
في هذا السياق، ترى الناشطة المدنية عبير حاج إبراهيم أن العدالة الانتقالية في سوريا لا تبدأ من استدعاء النساء إلى مسار صمم مسبقاً، بل من الاعتراف بما فعلنَه خلال سنوات الحرب من وساطة، دعم للعائلات، حفظ للذاكرة، وعمل يومي على ترميم الثقة.
لا تحب مؤسسة مبادرون لتعزيز التعايش السلمي المستدام، أن تُعرف بوصفها "صانعة سلام"، بحسب رأي عبير هذا الوصف يمنح ما قامت به نساء سوريات كثيرات طابعاً احتفالياً لا يشبه حقيقته اليومية.
ما جرى، كما تقول، لم يكن لقباً ولا موقعاً بروتوكولياً، بل "مسؤولية مجتمعية وطبيعية" فرضها واقع طويل من الحرب، والنزوح، والخوف، وتفكك العلاقات بين الناس.
من تلك المسؤولية، تتحدث حاج ابراهيم عن وساطات محلية، ودعم عائلات، وفتح مساحات للحوار، ومحاولات متكررة لحماية ما تبقى من التماسك المجتمعي. بالنسبة إليها، لا تبدأ مشاركة النساء بالعدالة الانتقالية من اليوم، ولا من دعوة رسمية إلى اجتماع، بل من خبرات تراكمت خلال سنوات الثورة والحرب، حين وجدت نساء أنفسهن أمام ملفات المعتقلين والمفقودين، وخلافات داخل المجتمعات، وذاكرة ثقيلة لا يمكن تجاوزها بالصمت.
حضور رمزي
لكن هذه الخبرات، برأي عبير، لا تجد مكانها الحقيقي بعد في مسار العدالة الانتقالية. تقول لروزنة إن حضور النساء في كثير من المساحات ما يزال "رمزياً أكثر من كونه مشاركة حقيقية في صنع القرار وتصميم المسار نفسه"، رغم أنهن لعبن أدواراً مهمة في الوساطات المجتمعية، وخصوصاً في قضايا المعتقلين والمفقودين.
يأتي هذا النقاش في ظل مسار رسمي بدأ يتشكل بعد سقوط نظام بشار الأسد، ففي 17 أيار 2025، أعلنت السلطات السورية تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم 20، كما شُكّلت الهيئة الوطنية للمفقودين بموجب المرسوم رقم 19 بالتاريخ نفسه.
وتقول البيانات الرسمية إن هيئة العدالة الانتقالية تُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي قام بها النظام السابق، والمساءلة، وجبر الضرر، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية، بينما تعمل هيئة المفقودين على جمع المعلومات والتحقق منها وبناء مسار مؤسسي لمعرفة مصير المفقودين.
انطلاقاً من كلام عبير، يمكن قراءة سؤال المشاركة بوصفه أبعد من مجرد الحضور داخل الهيئات أو اللقاءات. فهي تشدد على أن النساء يجب أن يشاركن في صنع القرار وتصميم المسار نفسه، لا أن يبقى حضورهن رمزياً في مساحات تُرسم ملامحها مسبقاً.
العدالة ليست محكمة فقط
بالنسبة إليها، المشكلة أن العدالة الانتقالية ما تزال تُطرح أحياناً ضمن مسار قانوني ضيق، يركز على المحاكم والمحاسبة فقط. لا تقلل عبير من أهمية المحاسبة، لكنها ترى أن العدالة الانتقالية "ليست أبيض وأسود"، بل "مروحة كاملة من ألوان وأطياف"، تشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحماية الذاكرة، ومنع الانتقام، وإعادة بناء الثقة والسلم الأهلي.
هذا الفهم الواسع لا يبتعد عن الأدبيات الحقوقية. فالشبكة السورية لحقوق الإنسان تعرّف العدالة الانتقالية بوصفها منظومة عمليات وآليات للتعامل مع إرث الانتهاكات، تشمل الملاحقات القضائية، ولجان تقصي الحقائق، وبرامج التعويضات، والإصلاحات المؤسسية، والمبادرات المعنية بتخليد الذكرى. كما تربط مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العدالة الانتقالية بالاعتراف بالضحايا وجبر الضرر وتعزيز سيادة القانون.
في سوريا، يبدو ملف المفقودين أحد أكثر الملفات قدرة على كشف معنى كلام عبير. فالأمر لا يتعلق بأرقام فقط، بل بعائلات عاشت سنوات من الانتظار، ونساء تحملن في حالات كثيرة عبء السؤال والبحث والوثائق والذاكرة.
ووفق التقرير السنوي الرابع عشر للشبكة السورية لحقوق الإنسان، بلغ عدد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار 2011 حتى آب 2025 ما لا يقل عن 177,057 شخصاً، بينهم 8,984 امرأة بالغة. كما تشير الشبكة إلى أن الاختفاء القسري يترك ضرراً جماعياً على الأسرة والمجتمع، بأبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية.
لا توافق عبير تأطير النساء كضحايا فقط. تقول إن هذه النظرة "ليست دقيقة تماماً". نعم، هناك نساء كثيرات ضحايا، لكنها تشدد على أن جزءاً كبيراً منهن أيضاً قادرات وفاعلات، و"شريكات أساسيات" في أي عملية انتقالية. لا تريد أن تختصر النساء في موقع الألم، ولا أن يُستدعين لاحقاً لتزيين صورة المسار.
حتى مصطلح "الجندرة"، تتحفظ عبير على طريقة تداوله لا على جوهره. تقول إن استخدامه بالشكل الشائع يخلق أحياناً حساسية وشعوراً بأن المفهوم مستورد وبعيد عن الناس والسياق المحلي السوري. ما تؤمن به أكثر، كما تشرح، هو "العدالة الشاملة" التي ترى تجارب النساء والرجال معاً، وتأخذ بالاعتبار أن الحرب أثرت في كل فئة بطريقة مختلفة.
بهذا المعنى، لا ترفض عبير المقاربة التي ترى الأثر المختلف للحرب على النساء. بل ترفض أن تتحول اللغة إلى حاجز بين المفهوم والناس. "القضية ليست جندرة كشعار"، تقول، بل ضمان مشاركة حقيقية وعادلة للنساء، وفهم الأثر المختلف لما جرى عليهن، والاستفادة من دورهن في إعادة بناء الثقة.
تصل عبير هنا إلى الجملة التي تختصر رؤيتها كلها: "ما في شي اسمه مين من النساء على الطاولة، لازم يكون مين من النساء يلي وضعوا أساس لهالطاولة". وتقصد هنا طاولة الحوار التي يفترض أن تؤسس لمسار العدالة الانتقالية. فالمشاركة بالنسبة لها لا تعني أن تُحجز مقاعد للنساء بعد الانتهاء من ترتيب كل شيء، بل أن يكنّ جزءاً من تصميم الإجراء نفسه، ومن لجان كشف الحقيقة والانتهاكات، ومن العمل على ملفات المفقودين والمعتقلين، ومن إدارة الحوارات المجتمعية والوساطة المحلية.
هذا المعنى تؤكده أيضاً نقاشات أوسع حول الوساطة النسائية السورية. فشبكة النساء الوسيطات في حوض المتوسط كتبت، في شباط 2025، أن الوسيطات السوريات موجودات تاريخياً، لكن مساهماتهن بقيت غالباً غير موثقة أو غير مرئية، بسبب معايير ضيقة تعرّف الوساطة عبر الشهادات الجامعية، واللغة الدولية، والمشاركة في المنتديات، بينما تتجاهل وسيطات حقيقيات على الأرض. كما شددت على أن الإدماج لا يعني تمثيلاً رمزياً، بل تأثيراً فعلياً في القرار.
النساء أفعال لا أصوات
تقول عبير إنها تنزعج من عبارتين تتكرران كثيراً في النقاشات المتعلقة بمشاركة النساء: "من هن النساء على الطاولة؟" و"أصوات النساء". وتعلّق على العبارة الثانية بقولها: "نحن مو أصوات، نحن أفعال".
بالنسبة لها، لا يقتصر دور النساء على التعبير عن آرائهن، بل يمتد إلى أدوار اضطلعن بها خلال سنوات النزاع، من تسهيل الحوارات المحلية، وحفظ الروايات والذاكرة، ومرافقة العائلات المتضررة، والعمل على الحد من خطاب الكراهية وتعزيز التماسك المجتمعي، في فترات كانت فيها مؤسسات عديدة غائبة أو محدودة القدرة على الاستجابة.
وفي حديثها عن المرحلة الحالية، تعرب عبير عن خشيتها من التركيز على تحقيق الاستقرار قبل بلورة مسار واضح للعدالة الانتقالية. وتقول: "نحن عم نركض نحو الاستقرار من دون ما نعالج ونصمم مسار العدالة الانتقالية بحد ذاتها".
وترى أن معالجة آثار الانتهاكات والاعتراف بالألم والذاكرة الجماعية تمثل عناصر أساسية في أي عملية انتقالية، محذرة من أن تجاهلها قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الاستقرار المستقبلي.
في دراسات السلام، يميز الباحثون بين سلام سلبي يقوم على غياب العنف المباشر، وسلام إيجابي يرتبط ببناء مؤسسات وعلاقات وبنى اجتماعية قادرة على إنتاج الاستقرار فعلاً. ويعرّف معهد الاقتصاد والسلام، السلام الإيجابي بأنه المواقف والمؤسسات والهياكل التي تخلق المجتمعات السلمية وتحافظ عليها، بينما يوضح أن السلام السلبي يكتفي غالباً بغياب الحرب أو العنف.
هذا ما تحاول عبير قوله بلغة محلية لا يكفي أن تهدأ البلاد فوق جراح غير معالجة. ولا يكفي أن يُختصر الانتقال بالنمو الاقتصادي أو انتظام المؤسسات. هناك مسارات أخرى، كما تقول، يجب أن تمشي بالتوازي مثل العدالة، بناء الثقة، الحوار بين مكونات المجتمع السوري عمودياً وأفقياً، ومنع الانتقام.
وسبق أن ربطت هيومن رايتس ووتش نجاح هيئتي العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا بالشفافية، والإطار الحقوقي، والمشاركة الحقيقية للضحايا، محذرة من أن أي مسار غير شامل قد يعمّق الانقسامات. كما حذّرت "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" من خطر حصر ولاية العدالة الانتقالية بانتهاكات النظام السابق فقط، معتبرة أن ذلك يقوّض شمولية العملية ويثير أسئلة حول شرعيتها.
هكذا يصبح حديث عبير عن "النماذج المستوردة" أكثر من اعتراض لغوي. هي لا ترفض الخبرات الدولية، لكنها تخشى أن تتحول إلى وصفات جاهزة لا ترى تعقيدات المجتمع السوري، ولا تسمع تجارب السوريات أنفسهن. تقول إن مشاركة النساء يجب أن تنبع من احتياجات المجتمع وتجارب النساء المحلية، لا من مقاربات جاهزة "لا تشبه السياق المحلي".
ما تريده عبير، في النهاية، ليس أن تُضاف النساء إلى مسار العدالة كبند منفصل، ولا أن يُنظر إليهن بوصفهن فئة تحتاج تمثيلاً شكلياً. تريد مساحات "شجاعة وحقيقية" تشارك فيها نساء من مناطق مختلفة في التأثير وصنع القرار، وأن يُستمع إلى خبراتهن المحلية بوصفها جزءاً من معرفة البلاد بنفسها بعد الحرب.
"إذا غاب صوت نصف المجتمع"، تقول، قبل أن تستدرك بخفة: "إذا اعتقدنا أننا النصف، وأعتقد أننا أكثر من النصف بشوي"، فلن تكون العدالة كاملة. لكن رسالتها الأعمق أن النساء لسن صوتاً فقط. هن ذاكرة، ووساطة، وفعل، وشبكات ثقة. وإذا كان لسوريا أن تصمم مسار عدالة انتقالية لا يتحول إلى واجهة، فعليها ألا تسأل فقط من النساء اللواتي سنجلسهن على الطاولة؟ بل من النساء اللواتي بدأن أصلاً ببناء هذه الطاولة قبل أن يعترف أحد بوجودها؟



