ملفات | 23 06 2026
داليا محمد
تقول ناصر لروزنة إن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يحتاج اليوم إلى أن "يقيم مرة أخرى، لتعريف شو هو الضرر"، بالنسبة لها، لا يكفي أن تُستدعى النساء ليحكين ما وقع عليهن، ثم يُطلب منهن مغادرة النقاش حين يبدأ الحديث عن الحلول، فالنساء، كما ترى، لا يحملن ذاكرة الانتهاكات فقط، بل يعرفن أيضاً كيف يبقين العائلات، وكيف حافظن على حدّ أدنى من العلاقات داخل مجتمعات كادت تتمزق.
مسار لا يعرف الناس أين وصل
لا تفصل ناصر واقع النساء عن واقع العدالة الانتقالية في سوريا عموماً. قبل الحديث عن النساء، تشير إلى المسار نفسه وتصفه بأنه بطيء، مرتبك، ولا يعرف كثير من الناس أين وصل.
تقول: "المسار جداً بطيء، فيه تعقيدات كتير، وبشوف في تخبط كتير، ولحد الآن المجتمعات بشكل كامل، وليس فقط النساء، ما عم يكونوا شركاء بهالمسار أو حتى بيعرفوا وين صار هالملف كامل على المستوى الوطني أو الدولي".
في أيار/مايو 2025، أُعلن في سوريا عن تشكيل هيئتين هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين. حيث أوكلت إلى هيئة العدالة مهمة كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في عهد النظام السابق ومساءلة المسؤولين عنها، بينما كُلّفت هيئة المفقودين بكشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وتوثيق الحالات، وبناء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم دعم إنساني وقانوني للعائلات.
لكن الإعلان لم يوضح إن كانت ولاية هيئة العدالة ستشمل انتهاكات أطراف أخرى في الحرب، مثل تنظيم داعش على سبيل المثال.
هذا الغموض يهم ناصر لأنه لا يبقى في مستوى المؤسسات. حين لا يعرف المجتمع أين يمضي الملف، يبقى الناس في موقع الانتظار، بالنسبة للناشطة المدنية لا تبدو مشكلة العدالة الانتقالية في بطء المسار فقط، بل في ابتعاده عن المجتمعات التي يفترض أن تكون شريكة فيه، ومن بينها النساء اللواتي لا تريد لهن أن يبقين في موقع رواية الضرر وحده، بل في موقع تعريفه واقتراح سبل جبره.
لسنَ ضحايا ينتظرن الكلام
تعترف ناصر بأن هناك حديثاً متكرراً عن أهمية النساء في العدالة الانتقالية، لكنها ترى أن هذا الاعتراف لم يتحول بعد إلى آليات جدية. المشكلة ليست في القول إن النساء مهمات، بل في الطريقة التي يُفهم بها هذا الدور.
تقول: "في اعتراف بأهمية دورن، وهذا الاعتراف ما عم يكون كامل وجدي، أيضاً الآليات والخطوات حتى تكون النساء شريكات فاعلات بهذا المسار حتى الآن محدودة".
النساء ما زلن يستدعين، في كثير من اللقاءات والجلسات، بوصفهن ضحايا، يسمع الآخرون روايتهن عن الفقد أو النزوح أو الانتهاك، لكنهم لا يسألون بما يكفي عما فعلن بعد ذلك، كيف حافظن على العائلات؟ كيف رممن شيئاً من علاقة الجوار؟ كيف تعلمن، ببداهة قاسية، أن يمنعن الانهيار الكامل إلى أن تأتي المحاسبة؟، تقول.
وتضيف: "دور النساء لا يقتصر على رواية ماحدث لهنّ، ولا بمجرد كون بعضهن ضحايا، هنّ فاعلات بالصمود المجتمعي".
الضرر الذي لا يدخل الملفات
حين تتحدث ناصر عن إعادة تعريف الضرر، لا تقلل من مركزية القتل والاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري. لكنها تقول إن الاقتصار على هذه الأشكال يترك جزءاً واسعاً من التجربة السورية خارج العدالة.
تضيف: "حتى الآن نتعامل مع الأضرار وكأنها مرتبطة فقط بعدد الضحايا يلي انقتلوا أو عدد المفقودين أو التعذيب الجسدي، بينما في أضرار كتير غير قادرة تكون ملموسة".
تقصد بذلك ما تتركه الحرب داخل الأسرة مثل غياب الشباب بسبب الاعتقال أو الهجرة أو الخوف من الحركة، تغيّر الأدوار داخل البيت، حمل النساء أعباء الحياة اليومية، وتبدل العلاقة بين الأب والأم والأطفال. هذه ليست تفاصيل جانبية في نظرها، بل مواد أساسية لفهم ما يجب أن تجبره العدالة لاحقاً.
وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في حديثها عن عائلات المفقودين، إلى أن آثار اختفاء الشخص لا تطال المفقود وحده، بل تمتد إلى أقاربه عبر العزلة والإفقار واليأس، وقد تتجاوز الأسرة إلى المجتمع.
وتذكر اللجنة أن عائلات المفقودين تحتاج إلى دعم اقتصادي ونفسي ونفسي اجتماعي وقانوني، وأن غياب الوضع القانوني الواضح للمفقود قد يؤثر على قضايا الملكية والإرث والوصاية على الأطفال وإعادة الزواج. كما قد تنفق العائلات موارد كبيرة في البحث عن أحبائها، أو تبيع ممتلكات، أو تستدين، أو تترك العمل لتتمكن من مواصلة البحث.
لكن ناصر لا تريد الاكتفاء بتوصيف الأثر، بل تريد أن تكون النساء، بما عشنه من هذه التحولات، جزءاً من تعريف الضرر نفسه. لأن من عرفت أين انكسر البيت تستطيع أن تقول أين يجب أن يبدأ الجبر.
الجندرة ليست مقعداً إضافياً
تذهب ناصر أبعد من مطلب زيادة عدد النساء في اللجان. لا تنفي أهمية العدد، لكنها ترفض أن يُختزل معنى الجندرة بعدد المقاعد.
تقول: "جندرة العدالة الانتقالية مانها حق للنساء، بل حق لموضوع العدالة الانتقالية بحد ذاته".
تشرح فكرتها ببساطة، فجندرة العدالة لا تعني أن نضع نساء في الصورة ثم نعلن أن المسار صار شاملاً، بالنسبة لها جندرة العدالة تعني أن تدخل خبرات النساء في تصميم المسار، في صياغة السياسات، في صنع القرار، في جبر الضرر، في إصلاح المؤسسات، وفي سؤال المحاسبة نفسه.
وبحسب تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن قياس مشاركة النساء في مسارات العدالة الانتقالية لا يعتمد على التمثيل العددي فقط، بل يشمل أيضاً مدى تأثيرهن في عمليات صنع القرار، وقدرتهن على طرح أولوياتهن والمساهمة في صياغة الأجندات والتأثير في النتائج.
بهذا المعنى، لا تطالب ناصر بعدالة "أكثر لطفاً" لأن النساء فيها. بل تطالب بعدالة أدق، تعرف ما لا تقوله الملفات وحدها، ولا تترك الضرر اليومي خارج الحساب.
لسْنَ حارسات الماضي فقط
تحضر الذاكرة بقوة في كلام ناصر. تستحضر نساء عشن مجازر سابقة منذ الستينيات والثمانينيات، وتقول إن كثيرات يحملن تفاصيل الانتهاكات والمجازر، لكنهن يحملن أيضاً ما هو أبعد من الذاكرة.
تقول إن النساء يعرفن "كيف قدروا يحافظوا على المجتمع، وكيف قدروا يحافظوا على علاقاتن مع الجوار، إن كان الجوار بنفس المدينة أو المدن التانية".
هنا لا تظهر المرأة بوصفها "خزان ذاكرة" فقط. هذا التعبير، على أهميته، قد يتحول إلى قيد جديد إذا حصر النساء في رواية الماضي. ناصر تنتبه إلى هذه النقطة بوضوح. تقول إن النساء "لسن حاميات لسردية الماضي فقط"، وإن دورهن لا يجب أن يبقى محصوراً في حفظ الحكاية.
تضيف: "النساء عندهن الماضي، لكنهنّ يملكن المستقبل أيضاً".
وتشير إلى أن وجود النساء في الملفات التي تبني المستقبل اعتماداً على الذاكرة والماضي "سيحسن من جودة الحياة وسيأتي السلام الذي تقتنع فيه النساء، وتتبناه وتمنحه لأولادها وأحفادها، وتمارسه بحياتها اليومية مع الجيران وفي العمل".
فاعلات لا عاملات رعاية
تخشى ناصر من فخ آخر أن يُعاد تكليف النساء في العدالة الانتقالية بالدور نفسه الذي فُرض عليهن اجتماعياً؛ الرعاية، التهدئة، الدعم النفسي، وتضميد الجراح، من دون السماح لهن بالدخول إلى مواقع المساءلة وصنع القرار.
تقول: "أكبر غلط نرجع ننمط الدور الخدمي والرعائي فقط للنساء حتى بقضية العدالة الانتقالية".
بالنسبة لها، تستطيع النساء العمل في كل مراحل العدالة المساءلة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، تصميم السياسات، وصناعة القرار. لا لأنهن نساء فقط، بل لأن بينهن ضحايا وناجيات وحقوقيات وفاعلات مجتمعيات ونساء راكمن معرفة ميدانية وسياسية وقانونية خلال سنوات طويلة.
وهذا ما تقوله الشبكة السورية لحقوق الإنسان أيضاً في بيانها الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، الذي تؤكد فيه أن النساء في سوريا بقين في مقدمة الجهود المدنية والحقوقية والإنسانية، عبر التوثيق ودعم الضحايا وقيادة مبادرات مجتمعية، بالتوازي مع تحمّل أعباء النزوح وفقدان المعيل والمسؤوليات العائلية. كما ترى الشبكة أن ضعف مشاركة النساء في مواقع القرار والمؤسسات القيادية يمثل تحدياً أساسياً أمام ضمان حقوقهن والمساواة خلال الانتقال السياسي وبناء الدولة.
صمامات أمان لا ديكور
في بلد تأخر فيه المسار، وتراكمت فيه الجرائم، ولم تعد المسؤوليات واضحة لكثيرين، ترى ناصر أن النساء قد يكنّ أحد مفاتيح النجاة. لا تقول ذلك بلغة تمجيدية، ولا بوصف النساء كائنات أكثر نقاءً من الرجال، بل انطلاقاً من خبرة يومية من بقي في البيوت؟ من تفاوض مع الخوف؟ من حفظ العلاقة مع الجوار؟ من راقب آثار العنف على الأطفال؟ من اضطر إلى العيش وسط ذاكرة مفتوحة؟
تقول: "وجود النساء قد يكون مفتاح النجاة الأساسي ليضل المجتمع بشكل مستقر ولو نسبياً، لبين ما يصير عنا مسار واضح للعدالة الانتقالية".
ثو توصي ألا يكون حضور النساء شكلياً، وألا تقبل النساء أنفسهن بهذا الشكل من الحضور، وألا تتعامل الجهات الحكومية أو الدولية أو منظمات المجتمع المدني مع وجودهن كوسيلة لإثبات أن هناك نساء في الصورة.
تقول: "وجود النساء البنيوي بمسار العدالة الانتقالية هو حاجة وليس رفاهية".
العدالة التي تتخيلها ناصر أن تُرى الجريمة، ويرى أثرها. أن تعدّ القتلى والمفقودين، لكن أن تسمع أيضاً ما حدث للعائلات بعدهم. أن تعترف بالذاكرة، لكن ألا تسجن النساء داخلها. وأن تفهم أن النساء في سوريا لا يطلبن مكاناً في العدالة لأنهن تأذين فقط، بل لأنهن يعرفن، ربما أكثر من غيرهن، ما الذي يجب ألا ينكسر مرة أخرى.



