نساء | 26 07 2026
داليا محمد
كل مقطع جديد قد يعيد العائلة إلى لحظة الغياب الأولى، حين تأتي الحقيقة بلا مسار واضح، فتفتح الألم بدل أن تغلقه.
منذ سقوط النظام، لم تعد فلك تبحث عن شقيقها في مكان واحد. تبحث عنه في كل مقطع مسرّب، وكل صورة متداولة، وكل خبر عن مقبرة جديدة.
كان شقيقها في الثامنة عشرة من عمره حين اعتقلته قوات النظام السابق عام 2012 من أحد حواجز دمشق. منذ ذلك اليوم، لا تملك العائلة جواباً واضحاً عن مصيره. لا جثة، ولا وثيقة، ولا خبر مؤكدى يقول إن الانتظار انتهى.
فلك، البالغة من العمر 32 عاماً، تقول لروزنة إنها وعائلتها يحاولون منذ سقوط النظام العثور على جثته، أو على أي دليل يشير إلى ما حدث له. ومع كل تسريب جديد يتحول إلى ترند، تعود العائلة إلى البحث من البداية. تلاحق المقاطع، تدقق في الوجوه، وتتوقف عند أخبار العثور على مقابر جديدة، هل يمكن أن يكون شقيقها هناك؟، "بخاف نلاقيه وبخاف ما نلاقيه"، تقول فلك.
لا تأتي هذه الأخبار، بالنسبة إلى عائلات كثيرة من ذوي المفقودين، كمعلومات فقط. في أحيان كثيرة، تصل الحقيقة مجتزأة، عبر السوشيال ميديا أو التسريبات أو أخبار غير مكتملة، فتمنح العائلة احتمالاً جديداً لا جواباً نهائياً. وبدل أن تنهي الألم، قد تعيده إلى بدايته.
وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال ما لا يقل عن 181,312 شخصاً في عداد المعتقلين تعسفياً أو المختفين قسراً في سوريا منذ عام 2011.
انتظار لا ينتهي
تقول المختصة النفسية هناء الخضر في برنامج أنتِ قدها على روزنة إن النساء هنّ الأكثر تضرراً في ملف المفقودين خلال السنوات السابقة، لأن النسبة الأكبر من المفقودين كانوا رجالاً، ما جعل الزوجات والأمهات والأخوات في مواجهة غياب طويل لأحبائهن. وترى أن غياب العدالة الانتقالية أو ضعف مسارها يترك النساء في "فترة رمادية أو معلّقة"، لا يملكن فيها حزناً كاملاً ولا معرفة كاملة.
هذا الوصف يفتح زاوية قاسية في حياة النساء. فالغائب لا يعود، لكنه لا يغادر أيضاً. الزوجة، كما تقول الخضر، لا تزال تنتظر أملاً أو حقيقة. والعائلة تبقى معلّقة بين أسئلة لا تنتهي: هل ما زال حياً؟ أين دُفن؟ ماذا حدث له؟ ما آخر ما قاله؟
حين تعمل الصدمة كل يوم
مع كل خبر جديد أو تسريب، لا يبدأ البحث فقط، بل تبدأ الصدمة أيضاً. تقول هناء الخضر إن فقدان الثقة بأي مسار عدالة يخلق تأرجحاً يومياً لدى الأهالي بين الأمل واليأس. يصحون على احتمال ظهور خبر أو معلومة، ثم ينامون من دون جواب، ليعودوا في اليوم التالي إلى الدوامة نفسها.
وتضيف أن الصدمة لا تذهب إلى مسار واضح يمكن العمل عليه. ويبقى الجرح مفتوحاً، وتبقى الصدمة "شغّالة طوال الوقت". ومع انتشار المعلومات المتضاربة على السوشيال ميديا، تتوسع الدوامة اسم يُذكر، صورة تظهر، فيديو يُتداول، خبر عن توقيف شخص أو عدم محاسبة آخر.
تشرح الخضر أن بعض العائلات قد تجلس لمتابعة مقطع كامل في تسريبات المشفى العسكري أو صيدنايا مثلاً، وتحاول التركيز على صورة أو وجه قد يشبه الابن أو الزوج أو الأخ. لا يكون الأمر بحثاً عادياً عن معلومة، بل لحظة مؤلمة قد تفتح الخيال على أسئلة جديدة كيف عاش؟ هل مرّ بما يظهر في الفيديو؟ هل انتهى هناك؟
وتشير إلى أن التسريبات قد تساعد على المعرفة حين تكون جزءاً من مسار واضح، لكنها بهذه الطريقة قد تخلق "صدمات ثانوية" تزيد الألم والخيال. خلال أسبوع واحد، تقول الخضر إنها أجرت جلسات طارئة لعائلات وناجين بعد انتشار مقاطع أعادت إليهم ما عاشوه أو ما قد يكون عاشه أحباؤهم في المعتقل.
ترند على جرح مفتوح
في حديثها عن الحالات التي تابعتها، تقول الخضر إن بعض العائلات والناجين يشعرون اليوم بأن آلامهم تُستثمر على السوشيال ميديا كـ"ترند"، أكثر مما تُعامل كقضية تحتاج استجابة. وتضيف أن عائلة قد تبقى سنوات من دون حداد كامل لأنها تنتظر أي معلومة أو اسم أو دليل يؤكد الوفاة. "ما زال هناك أمل، وهذا الأمل مؤلم جداً عند العائلات"، بحسب وصفها.
هذا الأثر لا يبقى نفسياً فقط. الخضر تتحدث عن نوبات هلع، أرق، اضطرابات نوم، خوف، غضب، وإنهاك صامت لدى بعض الأهالي والناجين. وتقول إن بعض الحالات وصلت إلى أعراض جسدية واضحة، مثل مشكلات الضغط والقلب وحالات إسعافية استدعت الذهاب إلى المشفى.
كلما حاول بعض الأهالي العودة إلى الحياة أو التأقلم، يظهر "مثير خارجي" جديد، كما تصفه الخضر، فيعيد الصدمة إلى السطح. قد يكون هذا المثير مقطعاً، أو تسريباً، أو خبراً عن مقبرة، أو إعادة تداول ملف لم يصل بعد إلى إجابة.
من الألم الفردي إلى القلق العام
لا يتوقف أثر الحقيقة المجتزأة عند حدود العائلة. الباحث والأكاديمي أحمد قربي يرى أن الصدمة في سوريا لم تعد فردية فقط، بل تحولت إلى صدمة مجتمعية، بسبب حجم الانتهاكات وطول مدتها وكمّ التوثيق المتراكم حولها.
وهكذا تنتقل المعاناة من الحيز الفردي إلى الحيز العام. الضحية لا تروي ما حدث لها وحدها، بل تدخل معها العائلة والمدينة والمجتمع. ومع ذلك، يقول قربي إن التوازن بين كشف الحقيقة وتهيئة المجتمع وجبر الضرر ليس سهلاً، وإن الخطر يكمن في أن تتحول المطالبة بالحقيقة والاعتراف إلى إعادة إنتاج للعنف إذا لم تُفتح مسارات مساءلة واضحة.
ويضيف أن الخطوة الأولى المطلوبة هي إشعار الضحايا بأن حقهم لن يموت، وأن هناك خطوات عملية باتجاه الإنصاف. لكنه يشير إلى أن الناس ما زالوا يشعرون بتأخر كبير في مسار المساءلة، وهذا قد يضعف الثقة بالمؤسسات، وقد يدفع بعض الضحايا إلى التفكير بأخذ الحق باليد.
"قنبلة داخل المجتمع"
يرى قربي أن كشف الحقيقة من دون إطلاق مسار عدالة قد يضع "قنبلة داخل المجتمع"، لأن الناس ستسمع الروايات وترى حجم الظلم، من دون أن ترى مساءلة. لذلك يدعو إلى توازي كشف الحقيقة مع خطوات العدالة، وخاصة المساءلة والمحاسبة.
ويقترح البدء بالملفات التي لا يوجد خلاف على إنسانيتها، مثل قضية المغيبين قسراً وكشف مصيرهم ورفض التعذيب، مع الانتباه إلى أن بعض الملفات الأكثر حساسية تحتاج استعداداً أكبر حتى لا تفتح جروحاً جديدة من دون حماية.
أين تذهب العائلات؟
تقول الخضر إن الجانب النفسي بالغ الأهمية في ملف المفقودين والناجين. وتوضح أن النساء اللواتي تلقين دعماً نفسياً سابقاً كنّ أكثر قدرة على الاستمرارية والتكيف والصمود، وأكثر قدرة على تحويل الألم إلى فعل ومناصرة لقضيتهن. أما حين يغيب الدعم، فتظهر دوامة من الإنهاك والتعب وفقدان الأمل.
لا تضع الخضر وصفة واحدة للدعم. فبعض الأشخاص يحتاجون إلى دعم فردي، وآخرون إلى دعم نفسي اجتماعي، أو دعم اجتماعي يفتح مساحة للكلام ويكسر العزلة.
لكن سؤال الأهالي لا يزال قائماً إلى أين نذهب؟ أين نبلغ؟ من أين نحصل على دعم نفسي أو قانوني؟ تجيب الخضر بأن منظمات المجتمع المدني والروابط تغطي جزءاً مهماً من هذه الخدمات، وأن الهيئات قد تُحيل بعض الحالات إليها، لكنها ترى أن هذه المنظمات يجب أن تكون أكثر فاعلية في المستقبل، وأن تسير كجهة رديفة مع الحكومة والهيئات، لأنها أكثر وصولاً وثقة لدى الناس.
مسؤولية لا يحملها الأهالي وحدهم
في الجانب الاجتماعي الأوسع، يربط قربي بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي. فهو يرى أن العدالة الانتقالية، بمساراتها المختلفة، من كشف الحقيقة إلى المساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، هي أداة أساسية لتعزيز السلم الأهلي.
ويتحدث أيضاً عن الحاجة إلى توعية عامة تمنع التعميم وخطاب الكراهية، وتفصل بين محاسبة من ارتكبوا الجرائم وبين تحميل جماعات كاملة مسؤولية ما جرى. بالنسبة إليه، لا يمكن استعادة الثقة بين المجتمع والدولة من دون مسار عدالة واضح، ولا يمكن حماية السلم الأهلي إذا بقيت الضحايا تشعر أن حقها مؤجل بلا نهاية.
لا تنتهي هذه الدوامة عند عائلة فلك، ولا عند النساء اللواتي ينتظرن خبراً أو اسماً أو دليلاً.
ومع كل مقطع جديد أو صورة أو خبر عن مقبرة، تبدأ لدى آلاف العائلات رحلة بحث جديدة، فيما تبقى الحقيقة، من دون مسار واضح لكشف المصير والعدالة، أقرب إلى صدمة متجددة منها إلى نهاية للانتظار.



