حزن لا يتسع لخندق واحد.. كيف تحاول سوريات حماية العدالة من الكراهية؟

حزن لا يتسع لخندق واحد.. كيف تحاول سوريات حماية العدالة من الكراهية؟

ملفات | 16 07 2026

داليا محمد

حين انتقدت فاتورة الكهرباء، لم تسمع قريبتها الشكوى كما هي. قالت لها: "مو هي الدولة يلي عاجبتك؟"

بالنسبة إلى هند (اسم مستعار)، وهي ناشطة مدنية من ريف بانياس تبلغ من العمر 44 عاماً، لم تكن الجملة عن الكهرباء، بل عن المكان الذي وجدت نفسها فيه بعد مجازر الساحل. امرأة من الطائفة العلوية، عارضت النظام السابق، وعملت سنوات في فضاءات المجتمع المدني، وتحاول اليوم الدفاع عن فكرة تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى: أن الاعتراف بضحايا جماعة لا يستدعي إنكار ضحايا جماعة أخرى.

تقول هند لروزنة إنها شعرت، منذ الأيام الأولى التي أعقبت مجازر الساحل، بأنها أصبحت "بالنص". ففي محيطها، يُقرأ أي حديث عن التقارب بين السوريين باعتباره انحيازاً إلى السلطة الجديدة التي يتهمها كثيرون بارتكاب المجازر. وفي المقابل، إذا اعترضت على خطاب تحريضي يصدر عن مؤيدي السلطة، تُدفع سريعاً إلى خانة "الفلول" أو تُتهم بالطائفية.

بالنسبة إليها، لا يهدد خطاب الكراهية صورتها فقط، بل يهدد سلامتها وحقها في الكلام، لمجرد انتمائها إلى طائفة بعينها.

تحاول هند مقاومة ذلك بطرق صغيرة. ذات يوم، شغّلت لجارتها تسجيلاً صوتياً لناجية من مجزرة البيضا في ريف بانياس عام 2013، من دون أن تخبرها بهوية صاحبة الصوت. ساعد تشابه اللهجة في أن تعتقد الجارة أنها تستمع إلى ناجية من مجازر الساحل الأخيرة.

بكت الجارة بحرقة.

وحين أخبرتها هند أن المتحدثة ليست ناجية من مجازر الساحل، بل امرأة نجت من مجزرة البيضا، صمتت للحظات، ثم شتمت بشار الأسد، وأكملت البكاء.

لم تكن هند تحاول المقارنة بين مجزرتين، ولا المفاضلة بين وجعين. كانت تحاول فتح نافذة صغيرة في ذاكرة أغلقتها سنوات من الروايات المتقابلة. أرادت أن تقول إن الاعتراف بمجازر الساحل لا يكتمل بإنكار البيضا، كما أن الاعتراف بجرائم النظام السابق لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل الخوف الذي تعيشه عائلات الساحل اليوم.

تحاول هند، في النهاية، أن تمنع الحزن من أن يتحول إلى خندق. فلا تسمح لمجزرة الساحل أن تحبسها داخل مظلومية واحدة، ولا تسمح لمظلومية السوريين الآخرين أن تُستخدم لإنكار خوفها.

سامية... ذاكرة لا تنقسم إلى ضحايا وأعداء

لا تبدو عبارة "السلم الأهلي" سهلة بالنسبة إلى سامية، وهو اسم مستعار لسيدة من إدلب فقدت زوجها وابنها، البالغ من العمر خمس سنوات، في قصف لقوات النظام عام 2015.

بالنسبة إليها، لا يبدأ السلم بطلب النسيان، بل بالعدالة.

لكن حكاية سامية أكثر تعقيداً من قصة فقد واحدة. ففي العام نفسه خسرت أيضاً شقيقها، الذي كان يقاتل في صفوف قوات النظام.

تقول إنها حين تذكر زوجها وابنها أمام الجيران، يسمعان الدعاء لهما بالرحمة. أما حين تذكر شقيقها، فيسود الصمت، لأنه "كان مع النظام".

بعد أحد عشر عاماً، عادت إلى أهلها وهي، كما تصف نفسها، "بين فرحانة وزعلانة". فرحة لأنها استطاعت أخيراً أن تراهم، وحزينة لأنهم لم يعودوا قادرين على العودة إلى إدلب، بعدما ارتبط اسم العائلة، في نظر كثيرين، بابن قاتل في صفوف النظام السابق.

وقفت أمام قبر شقيقها وسألته:

"رحت كرمال مين؟ هيك دمك راح ببلاش؟"

ثم زارت قبر زوجها وابنها، وخاطبتهما كما لو أنهما ما زالا يسمعانها:

"صار يلي كنتوا تتمنوه، وراح النظام، وإنتو ما حسيتوا."

تتنقل سامية بين ثلاثة قبور، لكنها لا تتنقل بين حقيقتين. فهي لا تساوي بين الضحايا والجلادين، ولا تطلب محو المسؤولية. بالنسبة إليها، تعني العدالة محاسبة من ارتكب الجريمة، لا معاقبة عائلته أو طائفته.

ولهذا تنزعج حين تسمع اتهامات جماعية ضد العلويين.

تقول إن لديها أصدقاء علويين لم يتركوها خلال سنوات الحرب، وبقيت على تواصل معهم حتى اليوم.

"هدول مو قتلة ولا مجرمين... هدول عشرة عمر. وما بيصير حدا يتحمل ذنب حدا تاني."

بين هند، التي تتهم لأنها تحاول رؤية مظلوميات السوريين خارج جماعتها، وسامية، التي تحمل داخل عائلتها ضحايا النظام ومقاتلاً في صفوفه، لا يبدو السلم الأهلي شعاراً سياسياً أو دعوة أخلاقية مجردة، بل محاولة يومية لمنع الذاكرة من أن تتحول إلى محكمة جماعية، ولمنع العدالة من أن تختزل في كراهية جماعات بأكملها.

السلم الأهلي... حين يصبح السماع عملاً شاقاً

تتجاوز قصتا هند وسامية تجربتين شخصيتين، لتلتقيا مع سؤال أوسع يفرض نفسه على السوريين اليوم: كيف يمكن لمجتمع خرج من سنوات طويلة من الحرب والانقسام أن يعيد بناء الثقة من دون أن يطلب من ضحاياه نسيان ما حدث؟

هذا السؤال كان محور حلقة من برنامج "إنتِ قدها" على راديو روزنة، استضافت مديرة مشروع "سيوان"، إيمان ناصر، والمدافعة عن حقوق المرأة والميسّرة في المشروع، إلهام عاشور.

بالنسبة إلى ناصر، لا يبدو السلم الأهلي هدفاً مؤجلاً يمكن انتظار ظروف أفضل لتحقيقه، بل ضرورة لا تحتمل التأجيل.

تقول:

"السلم الأهلي حاجة... وحاجة ملحّة، وما عنا رفاهية نأجلها، لأننا إذا ما مشينا لقدام، عم نرجع لورا."

لكنها ترى أن هذا المسار لا يبدأ باتفاق سياسي كبير، ولا بمصافحات رسمية، بل بشيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يسمع السوريون بعضهم بعضاً.

وتضيف أن الوقوف داخل المظلومية الخاصة، من دون محاولة رؤية مظلوميات الآخرين، يترك المجتمعات عالقة في المكان نفسه.

"أول خطوة ممكن تكون مجرد إني أستمع... أو أتقبل."

في بلد لم تتح لمجتمعاته فرصة حقيقية للقاء خارج الحرب، يبدو هذا "الاستماع" أصعب مما توحي به الكلمة.

تقول ناصر:

"المجتمعات السورية انفتحت على بعضها، لكن ما صار عندها أبداً فرصة لحتى يكون في لقاء حقيقي وواضح، بعيداً عن الأحداث الدامية."

وربما لهذا السبب، لم تكن تجربة هند مع جارتها مجرد حوار بين امرأتين، بل محاولة لاختبار ما إذا كان ممكناً أن يهتز تصور شخص عن الآخر، ولو للحظات، حين يسمع وجعاً لم يكن يعترف به.

من "شريكة مشروع"... إلى "شريكة وطن"

في هذا السياق، جاء مشروع SWAN (تحالف نساء سوريات مفاوضات)، ومبادرة "مكحلة ووطن"، كمحاولة لخلق مساحات آمنة تجمع نساء من خلفيات ومناطق وتجارب مختلفة.

لم يكن الهدف إنتاج رواية واحدة للحرب، ولا مطالبة النساء بالتخلي عن ذاكرتهم الشخصية، بل إتاحة مساحة تسمح بتبادل السرديات، وفهمها، والنظر إليها من زاوية الحقوق والعدالة، لا من زاوية الانتماءات الضيقة.

وتصف إيمان ناصر هذا التحول بأنه انتقال من فكرة "شريكة مشروع" إلى "شريكة وطن".

فالمعيار، بالنسبة إليها، لم يعد نجاح النشاط أو اكتمال التقرير، بل قدرة المشاركات على رؤية أنفسهن جزءاً من مستقبل البلد، لا مجرد مستفيدات من مشروع مؤقت.

ولا يتعلق الأمر، كما تقول، بكون النساء أكثر ميلاً إلى التسامح أو أقل ميلاً إلى العنف، بل لأنهن يشغلن مواقع أساسية داخل الحياة اليومية، حيث تبدأ الانقسامات غالباً، أو يمكن أن تبدأ المصالحات.

ففي العائلة، وبين الجيران، وفي المدرسة، وأماكن العمل، تتحمل النساء جزءاً كبيراً من إدارة العلاقات اليومية، بما فيها التوترات التي تخلفها الحرب.

لا يمكن بناء السلم مع من يشبهوننا فقط

ترى إلهام عاشور أن العمل على السلم الأهلي يبدأ من الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع المحلي، لكنه لا يمكن أن يقتصر على طرف واحد.

وتقول:

"ما عنا رفاهية نختار طرف واحد ونشتغل معه لنبلش سلم أهلي... لازم نبلش مع الكل."

وتبدو هذه الفكرة قريبة من تجربة سامية.

فمطالبتها بالعدالة لزوجها وابنها لا تلغي حزنها على شقيقها، كما أن رفضها تحميل العلويين مسؤولية جرائم النظام لا يعني تبرئة النظام نفسه.

في قصتها، كما في قصة هند، لا يمكن بناء السلم الأهلي مع من يشبهوننا فقط، ولا مع من نرتاح لسماعهم فقط، بل أيضاً مع أولئك الذين تجعلنا الحرب نتردد في النظر إليهم باعتبارهم بشراً يحملون وجعاً مختلفاً.

لكن عاشور تحذر أيضاً من أن خطاب الكراهية لا يظهر دائماً في الشعارات أو الخطابات السياسية، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، حتى يصبح جزءاً من السلوك من دون وعي.

وتقول:

"نحن بشكل أو بآخر... أحياناً عم نعزز، باللاشعور، خطاب كراهية تعودنا عليه سنين طويلة."

في سوريا اليوم، قد يبدأ هذا الخطاب من تعليق على لهجة شخص، أو من اتهام جماعي لطائفة، أو حتى من جملة عابرة مثل تلك التي سمعتها هند عندما انتقدت فاتورة الكهرباء:

"مو هي الدولة يلي عاجبتك؟"

ولأن النساء يحملن، في كثير من الأحيان، أكثر من هوية في الوقت نفسه ــ امرأة، ومنتمية إلى منطقة أو طائفة، وناشطة، أو أم فقدت أفراداً من عائلتها ــ فإن كلفة هذا الخطاب تصبح مضاعفة.

فالتحريض لا يستهدف مواقفهن فقط، بل يمتد إلى سمعتهن، وشعورهن بالأمان، وحقهن في التعبير عن آرائهن.

لا سلم بلا عدالة

بالنسبة إلى إيمان ناصر، لا يمكن للسلم الأهلي أن يقوم على تجاوز الماضي أو القفز فوق مطالب الضحايا، بل يحتاج إلى إطار قانوني يضمن المحاسبة ويعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وتقول:

"المصالحة ما بتنبنى من فوق."

وترى أن أي مسار للمصالحة يفقد معناه إذا لم يستند إلى قوانين واضحة تضمن محاسبة من ارتكب الانتهاكات، لأن غياب العدالة يدفع الناس إلى الاحتماء مجدداً بهوياتهم الضيقة، ويجعل الطائفة أو المنطقة بديلاً عن الدولة.

هنا تلتقي رؤيتها مع تجربة سامية.

فسامية لا ترفض السلم الأهلي، لكنها ترفض أن يتحول إلى دعوة للنسيان أو إلى مساواة بين الضحية والجاني. بالنسبة إليها، تبدأ العدالة من محاسبة المجرم، لا من معاقبة عائلته أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية ما ارتكبه أفراد منها.

وفي المقابل، ترفض أن يصبح انتماء شقيقها السابق إلى قوات النظام سبباً لإدانة عائلتها كلها، تماماً كما ترفض تحميل أصدقائها العلويين مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النظام.

هذا التمييز بين المسؤولية الفردية والعقاب الجماعي يبدو، بالنسبة إلى كثير من النساء اللواتي يعملن في مسارات السلم الأهلي، شرطاً أساسياً لبناء أي ثقة مستقبلية بين السوريين.

لكن المفارقة أن النساء اللواتي يتحملن هذا الجهد اليومي داخل أسرهن ومجتمعاتهن، لا يحضرن بالقدر نفسه في مواقع صنع القرار.

وتشير إلهام عاشور إلى أن النساء، رغم دورهن في فتح مساحات الحوار والعمل المجتمعي، ما زلن يواجهن تهميشاً حين يتعلق الأمر بالمناصب والتمثيل الرسمي.

وتقول:

"النساء حرفياً عم يحفروا بالحجر، لكن لما يوصل الموضوع للمناصب والظهور الرسمي، بتكون الأولوية للرجال."

وتنعكس هذه المفارقة في الأرقام أيضاً. فالحكومة الانتقالية التي أُعلن عنها في آذار/مارس 2025 ضمت 23 وزيراً، بينهم امرأة واحدة فقط، كما لم يتجاوز تمثيل النساء في مجلس الشعب 22 امرأة من أصل 207 أعضاء.

وبينما يُطلب من النساء أن يكنّ جسوراً للحوار داخل المجتمع، يبقى حضورهن محدوداً في المؤسسات التي تضع القوانين والسياسات، وتقرر شكل العدالة التي يطالبن بها.

ما الذي تحاول النساء حمايته؟

لا تحاول هند إقناع جارتها بأن تنسى مجازر الساحل. ولا تحاول سامية أن تطلب الصفح عمن قتل زوجها وابنها. كلتاهما تحاولان شيئاً أكثر تعقيداً. أن يبقى للعدالة معناها. أن يُحاسب من ارتكب الجريمة، لا من يشبهه. أن يبقى الحزن حقاً شخصياً، لا هويةً جماعية. أن يستطيع السوري أن يعترف بوجع لا يشبه وجعه، من دون أن يشعر بأنه يخون ذاكرته.

تقول إلهام عاشور إن تجربة العمل مع النساء في مشروع "سيوان" و"مكحلة ووطن" كانت صعبة، لأن الحوار كان يبدأ غالباً بالاتهامات والشكوك، قبل أن ينتهي بشيء مختلف.

"كان يبدأ باتهام... وينتهي بالدموع، وبإنه نحنا واحد، والسوريات والسوريين، وأوجاعنا وحدة."

وربما تختصر هذه العبارة ما حاولت قصتا هند وسامية قوله.

فالسلم الأهلي لا يبدأ حين ينسى الناس ما حدث، ولا حين تتساوى الضحايا والجلادون، بل حين يصبح ممكناً الاعتراف بأن الألم لا ينتمي إلى طائفة، وأن العدالة لا يمكن أن تُبنى على الكراهية.

ففي سوريا اليوم، قد تكون أصعب خطوة ليست أن نتفق على رواية واحدة، بل أن نعترف بأن هذا البلد يتسع لذاكرات متعددة، وأن حماية هذه الذاكرات من التحول إلى وقود لكراهية جديدة، هي الخطوة الأولى نحو سلام لا يقوم على الصمت، بل على الحقيقة والعدالة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

مباراة الأرجنتين وإنكلترا.. من يتأهل لمواجهة إسبانيا في نهائي المونديال؟

الأرجنتين
إنكلترا
غير مهتم
close icon