وثّقن الانتهاكات وغبن عن القرار: أي مكان للنساء في عدالة سوريا الانتقالية؟

وثّقن الانتهاكات وغبن عن القرار: أي مكان للنساء في عدالة سوريا الانتقالية؟

الناشطة المدنية نجوى الطويل

ملفات | 4 07 2026

داليا محمد

وثّقت نساء سوريات شهادات ناجيات، ورافقن ضحايا، وحفظن أجزاء من ذاكرة الانتهاكات. لكن حين بدأ الحديث عن هيئات العدالة الانتقالية وصنع القرار، ظلّ حضورهن أقل من الدور الذي أدّينه طوال سنوات الثورة.

هذه المفارقة هي ما تتحدث عنه الناشطة المدنية والنسوية نجوى الطويل. فالنساء كما تقول لروزنة، لم يكنّ على هامش ما جرى، لا كمتضررات ولا كفاعلات. ومع ذلك، ما تزال مشاركتهن في مواقع القرار محدودة.

تقول الطويل إن "مشاركة النساء اليوم بمواقع صنع القرار والهيئات المعنية بالعدالة الانتقالية لا يزال محدودا مقارنة بحجم دورهم خلال الثورة وخلال سنوات النزاع السابقة والحالية"، مضيفة أن المشاركة الفاعلة "ما زالت خجولة"، رغم الدعوات المتكررة من منظمات نسوية وحقوقية ومجتمع مدني لإشراك النساء في المسار.

من التسمية الرسمية إلى المشاركة الواسعة

في أيار/مايو 2025، أعلنت الرئاسة السورية تشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين، في خطوة وُضعت ضمن مسار كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والكشف عن مصير المفقودين. لكن سؤال تمثيل النساء داخل هذا المسار بقي حاضراً في النقاش الحقوقي والنسوي.

وفي آب/أغسطس 2025، أصدر رئيس سوريا بالمرحلة الانتقالية أحمد الشرع مرسوماً بتسمية أعضاء لجنة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وضمت اللجنة المؤلفة من 13 عضواً خمس نساء، بينهن نائبة الرئيس.

وترى الطويل أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتعامل مع النساء بوصفهن ملفاً جانبياً. تقول: "ما فينا نحقق عدالة انتقالية بالمعنى الحقيقي والشامل دون مشاركة النساء الفعلية"، معتبرة أن المطلوب هو حضور النساء "بكافة مراحل برامج العدالة الانتقالية". 

وبحسب تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن المشاركة الهادفة لا تعني الوجود فقط، بل قدرة النساء على الدخول إلى المسار، والحضور داخله، واستخدام وكالتهن، والتأثير في عملياته.

من التوثيق إلى صناعة القرار

لا تتحدث الطويل عن النساء كضحايا فقط. الجزء الأهم في حديثها يتعلق بالدور الذي لعبنه في التوثيق وجمع الشهادات ومرافقة الناجيات.

تقول: "النساء كانت أكثر قدرة على توثيق الانتهاكات... النساء جمعت الشهادات وثقت حالات العنف القائمة على النوع الاجتماعي، التقت الناجيات وتعاملت معهن".

هذا الدور وضع نساء كثيرات في تماس مباشر مع الضحايا والناجيات والعائلات. لم يكن التوثيق عملاً تقنياً فقط، بل مساحة ثقة، خصوصاً في الانتهاكات المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث قد يصعب على ناجيات الحديث خارج دوائر آمنة.

وتتقاطع هذه الفكرة مع ما ذكرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن بقاء النساء في مقدمة الجهود المدنية والحقوقية والإنسانية في سوريا، من خلال التوثيق ودعم الضحايا وقيادة مبادرات مجتمعية، مقابل ضعف حضورهن في مواقع صنع القرار والمؤسسات القيادية.

هنا تظهر الفجوة التي تشير إليها الطويل نساء شاركن في جمع الذاكرة وحماية الشهادات، لكن مشاركتهن في صياغة السياسات والآليات التي ستتعامل مع هذه الذاكرة ما تزال محدودة.

صاحبات القضية لا شاهدات عليها فقط

تربط الناشطة النسوية مشاركة النساء بكل مراحل العدالة الانتقالية من التصميم، إلى التنفيذ، وصياغة السياسات، كذلك جبر الضرر، ولجان تقصي الحقائق، وإصلاح المؤسسات، والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي للضحايا.

تقول: "لازم تكون موجودة بكل مراحل برامج العدالة الانتقالية، لازم تكون مشاركة بصنع القرار من خلال تمثيلها بهيئات العدالة الانتقالية كلها، باللجان ذات الصلة مثل لجان تقصي الحقائق، لجان جبر الضرر".

ولا تحصر الطويل هذا الحضور في لجان شكلية أو مواقع رمزية. فهي تشير أيضاً إلى أهمية دور النساء في الرقابة على تنفيذ آليات العدالة الانتقالية، وفي المناصرة لضمانات تحمي حقوق النساء والفتيات، خصوصاً في مسارات جبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

ويأتي هذا النقاش في سياق حضور سياسي محدود للنساء في المرحلة الانتقالية. ففي الحكومة التي شُكّلت في آذار/مارس 2025، عُيّنت هند قبوات وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، لتكون المرأة الوحيدة بين 23 وزيراً، لا يرتبط هذا الرقم مباشرة بهيئات العدالة الانتقالية، لكنه يعكس المشهد السياسي العام الذي تتحرك داخله مطالب إشراك النساء في مواقع القرار.

أكثر من ضحايا

تكرر الطويل أن جندرة العدالة الانتقالية لا تعني التعامل مع النساء كمتضررات فقط، بل قراءة الانتهاكات وآليات جبر الضرر من زاوية أثرها المختلف عليهن، ومن موقعهن كفاعلات أيضاً.

تقول: "ما فينا نحقق عدالة انتقالية بالمعنى الحقيقي والشامل دون مشاركة النساء الفعلية"

تختصر هذه الجملة جوهر المسألة. فالنساء اللواتي دفعن أثمان النزاع لا يُفترض، وفق حديث الطويل، أن يُستدعين لاحقاً كشاهدات على الضرر فقط، بل يجب أن يكنّ جزءاً من تحديد معنى الضرر، وآليات جبره، وضمان عدم تكراره.

ومن دون هذا الحضور، تبقى قضايا مثل العنف الجنسي، وحماية الناجيات أثناء الإدلاء بالشهادة، وسرية التوثيقات، والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، عرضة لأن تُعالج من خارج تجربة النساء أنفسهن.

تقول الطويل: "ما في حدا ممكن يكون عم يمثل صوت النساء مثل المرأة نفسها"، مضيفة أن النساء هنّ الأقدر على الحديث عن قضاياهن.

بين الذاكرة والقرار

في نهاية حديثها، تعود الطويل إلى الفكرة نفسها: "لا عدالة انتقالية شاملة من دون مشاركة فعلية للنساء في كل مراحلها، لا بوصفهن متضررات فقط، بل بوصفهن شريكات في صنع القرار".

وتقول إن هذا الدمج هو "الحجر الأساس لبناء سلام مستدام".

بين التوثيق والقرار، تقف مسافة لا تزال النساء السوريات يحاولن عبورها. بعضهن جمعن الشهادات، ورافقن الناجيات، ودافعن عن الضحايا، وحفظن أجزاء من الذاكرة. لكن السؤال الذي يرافق مسار العدالة الانتقالية اليوم هو هل ستبقى النساء شاهِدات على ما جرى، أم شريكات في تحديد ما ينبغي أن يحدث بعده؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon