تقارير | 17 08 2026
روزنة
دخل محمد حسام الدين غميرة مخفر الحفة موقوفاً على خلفية ادعاء مالي. خرج منه بحالة صحية خطرة، ثم توفي بعد أيام في المستشفى.
في القنيطرة، أوقفت وزارة الداخلية تسعة أشخاص للاشتباه بصلتهم بخلية لتنظيم "داعش"، قبل أن تفرج عن ستة منهم وتعتذر لهم ولعائلاتهم بعدما قالت إن التحقيق لم يثبت تورطهم.
وفي منبج، قُتل الشاب عبد يحيى قبلان برصاص دورية أمن داخلي، بعدما قالت وزارة الداخلية إن عناصرها اشتبهوا بوجود شخص مطلوب داخل السيارة التي كان يستقلها، قبل أن يتبين أنه ليس الشخص المطلوب.
تختلف الوقائع ومساراتها القضائية، ولا تثبت جميعها نوعاً واحداً من المسؤولية. لكنها تلتقي عند سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يتحول الاشتباه الأمني إلى ضرر؟
هل يكفي فتح تحقيق أو تقديم اعتذار؟ أم أن المسؤولية تبدأ بعدها: بكشف ما حدث، وتحديد المسؤولين، وجبر الضرر، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار الواقعة؟
محمد غميرة: ماذا حدث خلال ثلاثة أيام؟
احتُجز محمد حسام الدين غميرة، من مدينة الحفة بريف اللاذقية، في 11 آب/أغسطس لنحو ثلاثة أيام في مخفر المدينة، على خلفية ادعاء بسرقة مبلغ مالي.
وبحسب ما نقله موقع عنب بلدي عن شقيقه مصطفى غميرة، أبلغت العائلة عناصر المخفر بأن محمد مصاب بالناعور، وهو اضطراب يؤثر في قدرة الدم على التخثر، وطلبت مراعاة وضعه الصحي. واتهمت العائلة عناصر في المخفر بتعريضه للضرب خلال فترة احتجازه.
خرج غميرة بعد قرار قضائي بالإفراج عنه وهو يعاني من نزيف داخلي ونزيف دماغي، قبل نقله إلى مستشفى اللاذقية الجامعي، حيث خضع للإنعاش ودخل العناية المشددة. وتوفي مساء الأحد 16 آب/أغسطس.
وقالت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في بيانها إن الوفاة جاءت نتيجة مضاعفات النزيف الدماغي والهضمي الناتج عن التعرض للضرب بعد التوقيف، مع إصابته بمرض الناعور.
وكانت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية قد أعلنت فتح تحقيق في ظروف توقيفه والإجراءات المتخذة بحقه، ومدى توافقها مع الأصول القانونية، مع مراعاة حالته الصحية وضمان الرعاية المناسبة له، وقالت إن أي تجاوز يثبت وقوعه سيُتخذ بحقه الإجراء القانوني المناسب.
وعقب وفاة غميرة، قدّم وزير الداخلية أنس خطاب تعازيه إلى عائلته، وقال إن أي مخالفة أو تجاوز يثبت ارتكابه من عناصر الوزارة سيُتعامل معه بحزم وفق القوانين والإجراءات المتبعة، وإن من تثبت مسؤوليته سينال جزاءه بعد استكمال التحقيقات.
وكلّف خطاب لجنة للتحقيق في ملابسات الوفاة وكشف أسبابها والظروف المحيطة بها. وتضم اللجنة اللواء أحمد محمد لطوف، معاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية، والعميد سامر محمود الحسين، مستشار الوزير للشؤون القانونية وحقوق الإنسان، والعميد معاذ خالد الجمال، مدير إدارة القضايا والملاحقات المسلكية، والعميد حسين علاوي الحمادي، مدير إدارة المباحث الجنائية.
وحدد قرار التكليف مهلة 72 ساعة من تاريخ تشكيل اللجنة لتقديم نتائج أعمالها، مع منحها صلاحية الاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهمتها.
لكن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان التحقيق قد فُتح، بل بما إذا كان قادراً على الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤولية.
تقرير أصدرته مؤسسة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة الذي راجع حالات وفاة وإساءة معاملة أثناء الاحتجاز في سوريا خلال الفترة بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026 يميز بين مجرد الإعلان عن التحقيق وبين إجراء تحقيق فعّال ومستقل.
ويشير إلى أن التحقيق الإداري قد يحدد مخالفات مسلكية، لكنه لا يغني عن التحقيق الجنائي عندما توجد أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب أو جريمة، وأن الجهة التي تتولى التحقيق ينبغي أن تكون مستقلة عملياً ومؤسسياً عن الجهة المحتمل تورطها.
تحقيقات أُعلنت.. ونتائج يصعب تتبعها
ولا يأتي السؤال حول مآل التحقيق في قضية غميرة من فراغ.
ففي شباط/فبراير 2025، أعلنت إدارة الأمن العام في حمص أن الموقوف لؤي طلال طيارة توفي أثناء احتجازه نتيجة "تجاوزات" من عناصر مكلفين بنقله، وأنها أوقفتهم وأحالتهم إلى القضاء العسكري.
وبعد أكثر من عام ونصف، لا يظهر في المصادر المفتوحة إعلان رسمي بنتائج التحقيق، بما يطرح سؤالاً عن حق العائلات في معرفة ما انتهت إليه التحقيقات والوعود المعلنة بالمحاسبة.
ويشير التقرير المرفق إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بفتح التحقيقات، إذ لا تتوافر في كثير من الحالات معلومات علنية كافية تتيح تتبع مسار التحقيق، والإحالات القضائية، والأحكام، أو الإجراءات المتخذة لمنع تكرار الانتهاكات.
ويقول المحامي غزوان قرنفل لروزنة إن التحقيق في حالات الوفاة أو التدهور الصحي أثناء الاحتجاز يجب ألا تتولاه الجهة المنسوب إليها الفعل أو مؤسسة تابعة لها، بل جهة مستقلة قادرة على فحص الوقائع والأدلة وتحديد المسؤوليات.
ويضيف أن ضمانات التوقيف تشمل، وفق رؤيته، تمكين الشخص الموقوف من الاتصال بعائلته ومحاميه وإبلاغهما بمكان احتجازه، وألا يُستجوب إلا بحضور محاميه، مع ضمان حقه في الصمت.
ويرى قرنفل أن التوقيف الذي لا يضمن هذه الإجراءات يثير مسؤولية الجهة التي نفذته، ويستوجب معالجة ما يترتب عليه من آثار.
وتتفق هذه المطالب في جوهرها مع ما يورده التقرير من ضمانات أساسية للاحتجاز، بينها التسجيل الفوري، وإبلاغ الأسرة، والوصول إلى المحامي، والعرض السريع أمام القضاء، والفحص الطبي المستقل، وإخضاع أماكن الاحتجاز للرقابة.
عام في السجن: ماذا بقي من التهمة؟
وفي سجن حماة المركزي، أفادت مصادر محلية يوم السبت 15 آب/أغسطس بالإفراج عن الشاب عبد السلام عبد الحكيم عكو، من مواليد عام 2002، بعد نحو عام من الاحتجاز على خلفية مداهمة محل تجاري والاشتباه بتورطه في الاتجار بالمخدرات.
وتقول المصادر إن عائلته تسلمته بحالة جسدية وصحية صدمت ذويه، وإن تقريراً طبياً أُجري له بعد الإفراج لم يُظهر وجود آثار لتعاطي مواد مخدرة في جسمه.
ولا تحسم هذه المعطيات وحدها أساس التهمة؛ فغياب آثار التعاطي لا ينفي، بحد ذاته، شبهة الاتجار. لكن الإفراج عنه بعد نحو عام من الاحتجاز، والحالة الصحية التي خرج بها، يطرحان أسئلة مستقلة عن مسار احتجازه والرعاية الطبية التي تلقاها.
ما الأدلة التي استند إليها الاحتجاز طوال هذه المدة؟ وهل خضع لفحوص طبية دورية خلال وجوده في السجن؟ وما الذي يفسر حالته الصحية عند الإفراج؟
حين يسبق الاتهام التحقق
في واقعة أخرى، أوقفت وزارة الداخلية تسعة أشخاص في خان أرنبة بالقنيطرة للاشتباه بصلتهم بخلية تابعة لتنظيم "داعش".
وأثار نشر صور بعضهم ضمن المجموعة المعلَن عنها جدلاً على مواقع التواصل، ولا سيما بعدما قال أقاربهم إن عدداً منهم قدم من خارج سوريا لزيارة والدتهم المريضة.
وبعد استكمال التحقيقات، أعلنت الوزارة إطلاق سراح ستة منهم، وقالت في بيان يوم 13 آب/أغسطس إنه لم يثبت تورطهم في أي نشاط لصالح التنظيم، وإن صلتهم بأحد المشتبه بهم اقتصرت على روابط عائلية.
كما قدمت اعتذاراً لهم ولعائلاتهم عن فترة التوقيف والإجراءات الاحترازية.
لكن الاعتذار يفتح سؤالاً آخر: ماذا عن الضرر الذي وقع خلال الفترة التي سبقت ثبوت عدم تورطهم؟
يرى المحامي غزوان قرنفل أن الاعتذار العلني لا يكفي لمعالجة آثار التوقيف والاتهام، ويطالب بمساءلة من اتخذ قرار التوقيف، وتحمل الجهة المعنية مسؤولية التعويض المادي والمعنوي للمتضررين.
كما يرى أن تصوير الموقوفين بلباس السجون ونشر صورهم للجمهور قبل صدور حكم قضائي نهائي يمكن أن يشكل تشهيراً بهم، لما قد يتركه من آثار اجتماعية حتى بعد الإفراج عنهم.
وتبرز هنا مسألة لا تتعلق بالعقوبة وحدها، بل بإزالة آثار الضرر بعد ثبوت عدم التورط: هل يكفي الاعتذار؟ وهل تُتخذ إجراءات لتصحيح الصورة التي وصلت إلى الجمهور؟ وهل يحصل المتضررون على تعويض عن الأضرار التي لحقت بهم؟
في منبج: اشتباه انتهى بمقتل
وفي منبج بريف حلب، أعلنت وزارة الداخلية يوم 15 آب/أغسطس فتح تحقيق بعد مقتل الشاب عبد يحيى قبلان إثر إطلاق النار على السيارة التي كان يستقلها من قبل دورية أمن داخلي.
وقالت الوزارة، في تصريحات نقلتها الإخبارية السورية إن الدورية كانت تلاحق شخصاً مطلوباً في قضايا عدة، وإن عناصرها اعتقدوا أنه داخل السيارة بعد عدم امتثالها لأوامر التوقف، قبل أن يتبين لاحقاً أن قبلان ليس الشخص المطلوب.
وأعلنت الوزارة توقيف العنصرين اللذين أطلقا النار وإحالتهما إلى التحقيق.
تختلف هذه الواقعة عن قضية غميرة وعن توقيف أفراد من عائلة خان أرنبة، لكنها تلتقي معها عند لحظة اتخاذ القرار الأمني: ما المعلومات التي كانت متاحة قبل استخدام القوة؟ وما الإجراءات التي اتُبعت للتحقق من هوية الشخص المطلوب؟ ومن يراجع القرار عندما يؤدي الاشتباه إلى وفاة شخص آخر؟
ولا يتعلق التحقيق هنا فقط بالعنصر الذي أطلق النار، بل أيضاً بالظروف التي سبقت إطلاق النار، وبسلسلة القرارات التي قادت إليه.
فالمساءلة الفعالة، بحسب التقرير، لا ينبغي أن تتوقف عند المنفذ المباشر، بل تبحث أيضاً فيمن أصدر الأوامر، وأشرف على العملية، أو كان يعلم بممارسات قد تؤدي إلى الانتهاك ولم يتخذ إجراءات لمنعها.
ما الذي يعنيه التحقيق؟
في الحالات الثلاث، أعلنت الجهات الرسمية فتح تحقيقات أو اتخاذ إجراءات بحق عناصر.
لكن فتح التحقيق ليس نتيجة التحقيق.
فالتحقيق الفعّال في حالات الوفاة أو سوء المعاملة أثناء الاحتجاز يحتاج إلى الاستقلال والقدرة على الوصول إلى الأدلة والشهود والسجلات، كما ينبغي أن يوضح لاحقاً الوقائع التي ثبتت، وسبب الوفاة عند وجودها، وما إذا وقع تعذيب أو إهمال، ومن أُحيل إلى القضاء، وما الإجراءات التي اتُخذت لمنع تكرار الواقعة.
وفي حالات الوفاة أثناء الاحتجاز تحديداً، لا يكفي تحديد السبب الطبي المباشر للوفاة؛ إذ يجب أن يبحث التحقيق أيضاً في القرارات والإغفالات التي سبقتها، بما في ذلك الرعاية الطبية، وسجلات الاحتجاز والنقل، ووقت طلب العلاج، ومن كان مسؤولاً عن المحتجز في كل مرحلة.
أرقام لا تحسم الوقائع لكنها تشرح الحاجة إلى الضمانات
في أحدث حصيلة نصف سنوية، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 246 حالة اعتقال تعسفي واحتجاز في سوريا خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 141 حالة نُسبت إلى قوات الحكومة السورية.
وتؤكد الشبكة أن الأرقام تمثل الحد الأدنى من الحالات التي تمكنت من توثيقها، وتدعو إلى إبلاغ المحتجز بسبب توقيفه، وتمكينه من التواصل مع محامٍ وعائلته، وإخضاع مرافق الاحتجاز لرقابة قضائية مستقلة.
ولا تعني هذه الأرقام أن الوقائع الواردة في هذه المادة تثبت نمطاً واحداً من الانتهاكات، لكنها تضع أهمية الضمانات في سياق أوسع: كلما بدأ القرار الأمني من الاشتباه، تصبح إجراءات التحقق والرقابة والتوثيق أكثر أهمية في منع تحول الخطأ إلى ضرر لا يمكن تداركه.
بعد الضرر: ماذا يبقى للعائلات والمتضررين؟
بعد وفاة محمد غميرة، لا ينتهي السؤال عند معرفة سبب الوفاة أو تحديد العنصر المسؤول عنها.
فالعائلة تحتاج إلى معرفة ما حدث، والاطلاع على المعلومات الطبية والشرعية المتعلقة بوفاته، ومعرفة نتيجة التحقيق ومسار أي ملاحقة قضائية.
وفي حالات التوقيف الذي ينتهي بإطلاق السراح، لا ينتهي الضرر بالاعتذار إذا بقيت آثاره الاجتماعية والمادية قائمة.
أما في حالات استخدام القوة، فلا تقتصر المساءلة على معرفة من أطلق النار، بل تمتد إلى فحص القرار الذي سبق استخدام القوة، ومدى كفاية المعلومات المتاحة، والإجراءات التي اتُبعت للتحقق.
ويؤكد التقرير أن الإنصاف لا يتوقف عند معاقبة المسؤول، بل يشمل معرفة الحقيقة، والاعتراف بما وقع، والتعويض، والعلاج وإعادة التأهيل، واتخاذ تدابير تمنع التكرار، وأن حق الإنصاف في حالات الوفاة يمتد إلى الأسرة.
لذلك، لا يقتصر السؤال على إعلان فتح التحقيق، بل يمتد إلى ما ستكشفه نتائجه: ماذا خلص إليه التحقيق؟ ومن حُددت مسؤوليته، إن ثبتت مخالفات؟ وهل أُعلنت النتائج للعائلة والرأي العام؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت، إن وجدت، لمنع تكرار مثل هذه الوقائع؟



