تقارير | 1 10 2026
داليا محمد
قبل مقتل جنات العفيس، ذات السنوات الثلاث، كان أفراد من عائلتها قد تقدموا بشكوى ضد والدها على خلفية تعنيفها، وفق مصادر مقربة من الأسرة تحدثت إلى روزنة.
وتقول المصادر إن الأب أوقف لنحو عشرين يوماً قبل أن يُفرج عنه، ثم عادت جنات وشقيقتها إلى المنزل الذي كانتا تعيشان فيه معه، في قرية الحسينية بريف دير الزور.
وفي 27 أيلول/سبتمبر، أعلنت قوى الأمن الداخلي توقيف والد جنات، وقالت إن المعطيات الأولية تشير إلى تعرض الطفلة للضرب، وإن والدها كان تحت تأثير مواد مخدرة وقت الواقعة، فيما تستمر التحقيقات لتحديد ملابسات القضية.
لكن قصة جنات لا تبدأ يوم وفاتها. فالشكوى السابقة، وما جرى بعدها، تطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل الجريمة نفسها: ماذا يحدث بعد الإبلاغ عن تعرض طفل للعنف؟ ومن يتولى التأكد من أن الطفل أصبح فعلاً في مكان آمن؟
عنف ترويه العائلة
كانت جنات تعيش مع شقيقتها، البالغة خمس سنوات، ووالدها، بعد وفاة والدتها قبل أشهر، بحسب مصادر مقربة من الأسرة.
وتقول المصادر إن الأم كانت تتعرض لتعنيف مستمر من زوجها، وإنها توفيت بعدما أضرمت النار في جسدها. ولم تتمكن روزنة من التحقق بصورة مستقلة من ملابسات وفاتها أو أسبابها.
وبحسب رواية أفراد من العائلة، كان الأب يعنّف جنات، وكان أفراد من الأسرة قد تقدموا سابقاً بشكوى على خلفية تعنيفها. ونقل تلفزيون سوريا عن عم الطفلة قوله إن والدها كان يعنفها، وإن أفراداً من العائلة تقدموا بشكوى ضده، قبل أن يخرج من التوقيف. ولم يتسنَّ لروزنة الاطلاع على وثيقة تثبت تفاصيل الشكوى أو مدة التوقيف أو الجهة التي قررت الإفراج عنه وأسباب القرار.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن تقرير الطب الشرعي، توفيت جنات نتيجة إصابات ناجمة عن الضرب، فيما أعلنت قوى الأمن الداخلي توقيف والدها واستمرار التحقيق في القضية.
وأضاف أن أفراداً من العائلة سبق أن تقدّموا بشكوى ضده بسبب تعنيفه ابنته. وقال إن والدها أُفرج عنه بعد نحو عشرين يوماً من توقيفه. ولم تتوافر لروزنة وثائق الشكوى أو قرار الإفراج وأسبابه.
ما الذي جرى بعد الشكوى؟
تشير المصادر إلى أنه بعد خروج الأب من التوقيف، عادت جنات وشقيقتها إلى المنزل، بعدما كانتا تقيمان لدى عمة لهما خلال فترة توقيفه.
وهنا تبرز الفجوة بين الإبلاغ عن الخطر وبين الحماية من الخطر.
في حديثها لروزنة عن حماية الأطفال، تقول المحامية لميس الجمل إن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول عن الطفل، لكنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن حمايته. فالأمن، والمدرسة، والجهات المختصة بحماية الطفل، والمجتمع، جميعهم شركاء في الحماية من خلال الإبلاغ وعدم التستر.
وتوضح أن البيئة الآمنة لا تعني وجود منزل فحسب، بل تعني حماية الطفل من العنف والإهمال والاستغلال، وقدرة الجهات المختصة على التحرك عندما تظهر مؤشرات الخطر.
وتقول الجمل:
"المشكلة ليست في غياب مبدأ الحماية، بل في ضعف تطبيقه."
ولا يقتصر التدخل لحماية الطفل على معاقبة المعتدي بعد وقوع الجريمة، بل يمكن أن يشمل إبعاده عن الطفل، وتقييد تواصله معه، أو توفير رعاية آمنة للطفل خارج المنزل عندما يتعذر ضمان سلامته داخله.
وتقدم التشريعات التركية مثالاً على تعدد تدابير الحماية الممكنة. إذ تتيح إجراءات الحماية للقاضي منع الشخص المعنّف من تعاطي الكحول أو المخدرات في الأماكن التي يوجد فيها الأشخاص المشمولون بالحماية، وإخضاعه للفحص أو العلاج عند وجود إدمان. كما يمكن تقييد الزيارات المقررة للأطفال أو اشتراط حضور مرافق خلالها أو منعها، ومنع المعتدي من الاقتراب من الطفل أو منزله أو مدرسته.
وتتيح خدمة "ألو 183" في تركيا الإبلاغ عن حالات العنف والتنسيق مع الشرطة والجهات المختصة لتقييمها، فيما يمكن أن تشمل إجراءات حماية الأطفال توفير الرعاية والإيواء عندما يتعذر بقاؤهم بأمان في بيئتهم الأسرية.
المثال التركي هنا لا يعني نقل هذه الإجراءات إلى السياق السوري كما هي، لكنه يوضح أن الاستجابة لبلاغات العنف يمكن أن تتضمن تقييماً للخطر ومتابعة لاحقة وتدابير حماية متعددة، وليس فقط توقيف المعتدي لفترة ثم إعادة الطفل إلى البيئة نفسها.
نور ولجين.. الخطر في مكان الرعاية
قضية جنات ليست الحالة الوحيدة التي أعادت إلى الواجهة سؤال حماية الأطفال عندما يكون الخطر داخل دائرة الأسرة أو في مكان الرعاية.
في تموز/يوليو 2026، قُتلت الطفلة نور الدوس، البالغة 12 عاماً، في بلدة نمر بريف درعا، بعد أن كانت تعيش في منزل جدها من جهة الأب عقب انتقال حضانتها إلى والدها بقرار قضائي.
وبحسب رواية أفراد من عائلتها نقلتها درعا 24، سبقت الجريمة مؤشرات على تعرضها للعنف وشكاوى ومحاولات لحمايتها. لكن الروايات حول ما إذا كانت الجهات القضائية قد تلقت شكوى سابقة وتفاصيل التعامل معها لم تكن متطابقة. وفي المقابل، أعلنت وزارة العدل تشكيل لجنة تفتيش للتحقق من الإجراءات والقرارات القضائية والتنفيذية المرتبطة بالقضية.
وأعلنت الجهات الأمنية والقضائية لاحقاً أن التحقيقات أظهرت أن نور توفيت نتيجة الضرب المبرح، وأن عمها أوقف باعتباره مرتكب الجريمة، فيما أوقف والدها وعمها الآخر على خلفية التستر، بحسب البيانات الرسمية.
وفي حديث سابق لروزنة عن قضية نور، قالت الحقوقية والناشطة النسوية نور جزائرلي إن إثبات تعرض الطفل للعنف قد يكون صعباً، وإن الإجراءات القضائية المعتادة قد لا تكون كافية في الحالات التي تتطلب حماية عاجلة.
وترى جزائرلي أن آليات التعامل مع شكاوى تعنيف الأطفال تحتاج إلى سرعة في الاستجابة، وأن مصلحة الطفل قد تقتضي، بحسب مستوى الخطر، إبعاده عن أحد والديه أو كليهما وتوفير بيئة آمنة له.
أما لجين أنور القنطار، البالغة 13 عاماً، فتوفيت في تموز/يوليو 2026 متأثرة بحروق أصيبت بها داخل منزل جدها من جهة الأب في السويداء، حيث كانت تقيم عقب انفصال والديها. ونقل مركز السويداء للتوثيق والإعلام أن الطفلة اتهمت عمها في إفادة قبل وفاتها بإحراقها، وأن جدها سلّم ابنه إلى الأمن الجنائي.
ولا تتوافر في المعلومات المنشورة حول قضية لجين معطيات عن بلاغ سابق يتعلق بتعرضها للعنف.
وتختلف تفاصيل هذه القضايا وملابساتها، لكن اجتماعها حول أطفال كانوا في كنف الأسرة أو الأقارب يطرح سؤالاً مشتركاً: كيف تتحول معرفة الخطر إلى إجراء يحمي الطفل قبل أن يتحول العنف إلى جريمة؟
حماية من بقوا على قيد الحياة
تأتي قضية جنات ضمن سياق أوسع من الجرائم التي طالت أطفالاً في مناطق سورية مختلفة.
وبحسب حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان نُشرت في 27 أيلول/سبتمبر 2026، وثّق المرصد مقتل 35 طفلاً منذ مطلع العام، ضمن 425 ضحية في 388 جريمة جنائية وجريمة قتل. وهذه الحصيلة تشمل جرائم متعددة الظروف، ولا تمثل إحصاءً للعنف الأسري وحده أو لجميع الأطفال الذين قتلوا في سوريا.
لكن حماية الأطفال لا ترتبط فقط بمنع وقوع الجريمة، بحسب المحامية لميس الجمل، بل تشمل أيضاً الاستجابة لها ومحاسبة مرتكبيها، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين وأسرهم.
وتشدد الجمل على ضرورة احترام خصوصية الطفل، والاستماع إليه في مكان آمن بعيداً عن الضغط أو اللوم، وتجنب تعريضه لإعادة الصدمة من خلال تكرار الاستجواب أو إجباره على سرد التجربة مرات متعددة.
وفي حالة جنات، بقيت شقيقتها على قيد الحياة.
وهذا يعني أن سؤال الحماية لم ينتهِ بوفاة جنات، بل أصبح أكثر إلحاحاً: هل أصبحت شقيقتها في مكان آمن؟ ومن يتابع سلامتها؟ ومن يتأكد من عدم تعرضها للعنف مجدداً؟
في قضية جنات، لا تتوقف أسئلة الحماية عند لحظة تقديم الشكوى. السؤال الأهم هو ما حدث بعدها: هل جرى تقييم مستوى الخطر؟ هل اتُّخذ إجراء لحماية الطفلة؟ ومن تابع سلامتها بعد عودتها إلى المنزل؟
فالحماية لا تبدأ فقط بعد وقوع الجريمة، ولا تنتهي بمجرد تسجيل الشكوى. إنها عملية مستمرة، تبدأ بالإبلاغ عن الخطر، وتمر بتقييمه والاستجابة له، ولا تنتهي إلا عندما يصبح الطفل فعلاً في مكان آمن.

