الخلاف بين النساء لا يلغي التضامن: أين تنتهي السياسة ويبدأ التشهير؟

الخلاف بين النساء لا يلغي التضامن: أين تنتهي السياسة ويبدأ التشهير؟

السياسيتان رولا الركبي وفداء حوراني

نساء | 9 09 2026

داليا محمد

وقّعت الطبيبة والناشطة السياسية فداء الحوراني بياناً ينتقد مضمون كلمة السياسية رولا الركبي أمام مجلس الأمن، بعد نحو أسبوع من تعرض الحوراني نفسها لحملة على وسائل التواصل الاجتماعي ربطت موقفها السياسي بإرث والدها.

في بيان الفعاليات المدنية والأهلية في حماة، الذي كانت الحوراني بين الموقعين عليه، انصبّ النقد على مضمون كلمة الركبي وتقييمها للمرحلة الانتقالية، ولم يتطرق إلى حياتها الشخصية أو عائلتها.

لكن ردوداً أخرى على كلمة الركبي ذهبت أبعد من نقد مضمون المداخلة، واستدعت اسم والدها وتاريخه السياسي، إلى جانب الحديث عن عملها ودوافعها المفترضة.

هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لنساء تعرضن أنفسهن لخطابات تستدعي العائلة أو الحياة الشخصية في النقاش السياسي، أن يختلفن مع نساء أخريات من دون أن يعيد بعض هذا الخطاب إنتاج نفسه؟

لا يبحث التقرير في أي الموقفين السياسيين أصح، ولا يفترض أن التعرض للتشهير يلزم المرأة بموقف سياسي معين. بل يحاول التمييز بين الخلاف السياسي المشروع، وبين أن تتحول المرأة نفسها إلى موضوع للهجوم بسبب عائلتها أو حياتها الخاصة.

اعتراض على كلمة رولا

في 27 آب/أغسطس، تحدثت رولا الركبي التي شاركت بصفتها المديرةَ القُطريّة لمنظّمة "النساء الآن من أجل التنمية" أمام مجلس الأمن عن مخاوف من المركزية المفرطة للسلطة، وغياب الفصل الفعلي بين السلطات، وعدم الوضوح في الحوكمة والشفافية والمساءلة.

وتناولت مشاركة النساء في صنع القرار، وحقوق النساء والحريات الشخصية والمدنية، والعدالة لضحايا الانتهاكات، بما فيها تلك التي وقعت بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، كذلك تحدثت عن ظاهرة "الخطف" وضحاياها من النساء.

وقالت في كلمتها إن الخطر في المرحلة الانتقالية هو "أن نغيّر الأشخاص الذين يمسكون بالسلطة، من دون أن نغيّر طريقة ممارسة السلطة".

في 31 آب/أغسطس، صدر بيان عن "الفعاليات المدنية والأهلية في مدينة حماة" انتقد مداخلة الركبي.

قال البيان إن المطالبة بدولة القانون واحترام حقوق الإنسان ومشاركة السوريين في بناء مستقبل بلدهم هي مطالب لا خلاف عليها، لكنه اعتبر أن الركبي قدمت، بحسب نصه، صورة "انتقائية ومختزلة" للواقع السوري.

ورأى الموقعون أن تقييم الانتقال السياسي يجب أن يأخذ في الحسبان ما خلفه الاستبداد والحرب والدمار، وما تواجهه الدولة من تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية.

كما قال البيان إن خطابها لم يتناول بما يكفي، وفق رؤيته، وحدة سوريا وسيادتها والتدخلات العسكرية الأجنبية ووجود مناطق خارج سيطرة الدولة.

كانت فداء الحوراني بين الموقعين على البيان.

النص المنشور ينتقد مضمون كلمة الركبي وتقييمها للمرحلة الانتقالية. لا يورد اسم والدها، ولا يتناول حياتها الخاصة أو سمعتها.

حين دخل الأب إلى الرد

قبل أيام من توقيعها على البيان، كانت فداء الحوراني قد واجهت بدورها حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، ربطت موقفها السياسي بإرث والدها أكرم الحوراني.

جاء ذلك بعد مشاركتها في جلسة حوارية بمدينة سلمية، دعت خلالها إلى الاستماع إلى صوت المواطنين، والوضوح في إدارة الشأن العام، ودولة تقوم على المواطنة والقانون والمساواة في الحقوق والواجبات.

لاحقاً، اتهمتها منشورات بالسعي إلى "إعادة تدوير البعث"، وربطت مشاركتها بالإرث السياسي لوالدها أكرم الحوراني.

وفي حالة رولا، استُدعي اسم والدها فيصل الركبي وتاريخه السياسي في منشورات تناولت كلمتها أمام مجلس الأمن، بينما ربطت منشورات سابقة موقف فداء السياسي بإرث والدها.

ولا يعني ذلك أن الحملتين متطابقتان في مضمون الخطاب أو في حجم الاستهداف، ولا يجعل تعرض الحوراني سابقاً لحملة من هذا النوع توقيعها على بيان ينتقد الركبي تناقضاً بحد ذاته. فالاختلاف السياسي لا يتطلب تطابق المواقف أو التجارب.

لكن التزامن بين الحالتين يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما ينتقل النقاش من مضمون موقف المرأة إلى عائلتها وصلاتها الشخصية؟

وليست إحالة النساء إلى صلتهن برجل جديدة في السجال السوري. يورد تحقيق للمركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن سوسن زكزك وزميلاتها في المجلس الاستشاري النسوي تعرضن عام 2016 لتسميتي "نسوان دي ميستورا" ثم "أرامل دي ميستورا"، في ما وصفه التحقيق بمحاولة لتقليل قيمة عملهن النسوي المستقل.

هل تعيد النساء إنتاج الخطاب نفسه؟

تقول الناشطة النسوية نورا سالم لروزنة إن استدعاء الأب أو الزوج في حملات التشهير يرتبط بالنظام الأبوي، لأنه يربط رأي المرأة برجل من عائلتها، ويجردها، بحسب رأيها، من استقلاليتها وحقها في التعبير عن رأيها.

وبحسب سالم، لا يطال هذا الأسلوب الناشطة وحدها، بل قد يطال عائلتها أيضاً، ما يفتح الباب أمام ضغط عليها للتراجع عن كلامها بحجة حماية الأسرة أو تجنب التشهير بذكور العائلة عبرها.

وترى أن المرأة تُقدَّم في هذه الحملات كأنها لا تملك رأياً مستقلاً، بل تتحدث بسبب عائلتها أو تاريخها أو الجهة التي تعمل معها.

وتضيف أن التهديد السياسي للنشاط المدني والنسوي في سوريا لم يختفِ، لكنه صار يحمل طبقات أخرى حين تكون المتحدثة امرأة.

وبرأيها، يجري غالباً مناقشة الرأي المغاير عندما يصدر عن رجل، بينما تُستدعى عند المرأة حياتها الشخصية وعائلتها ومصدر تمويلها وعملها لتفسير ما تقوله.

وتقول إن أثر ذلك يظهر في تردد نساء عن المشاركة في النقاش العام أو السياسي، أو في اختيارهن كلاماً لا يعرّضهن لحملة تشهير.

كما تشير إلى أن ناشطات من الأقليات قد يواجهن ربط مواقفهن بهوياتهن الطائفية أو الدينية، لا بما يقدمنه من تحليل أو رأي.

لكن سؤالاً آخر يبقى مطروحاً: هل يمكن للنساء أنفسهن أن يعِدن، في سياقات معينة، إنتاج الخطابات التي تستهدف نساء أخريات؟

لا تعني المشاركة في نقد سياسي أو توقيع بيان انتقادي ممارسةً للعنف الجندري بحد ذاتها. لكن السؤال يصبح أكثر تعقيداً عندما يتجاوز النقد مضمون الموقف إلى استخدام الأدوات نفسها التي قد تنتقص من استقلالية المرأة، سواء عبر عائلتها أو حياتها الخاصة أو دوافعها المفترضة.

حين يصبح الاختلاف اختباراً للتضامن

في 4 أيلول/سبتمبر، أصدرت الحركة السياسية النسوية السورية بياناً أعلنت فيه تضامنها مع عضوتها المؤسسة رولا الركبي.

وقالت الحركة إن الركبي واجهت، بحسب البيان، حملة تشويه وتحريض بعد مشاركتها في جلسة مجلس الأمن وإلقائها كلمة باسم المجتمع المدني السوري.

وأضافت أن الركبي نقلت الوقائع والمخاوف والتصورات إلى صناع القرار، وطرحت أسئلة حول الانتقال السياسي وسيادة القانون والحريات العامة ومشاركة النساء والعدالة والمساءلة.

البيان لا يناقش موقف فداء الحوراني أو البيان الذي وقعت عليه، لكنه يدافع عن حق الركبي في الكلام من دون تخوين أو تشهير أو إسكات، وفق نصه.

وتقول الناشطة النسوية نورا سالم لروزنة إن التضامن النسوي "لا يعني بالضرورة التوافق السياسي"، وإن الاختلاف السياسي صحي في المجتمعات السليمة.

وتضيف أن التضامن يظهر في قدرة شبكة الدعم النسوية على أن تكون جسماً واحداً في مواجهة أي حملة تستهدف شخصية نسوية أو نسائية، وأن تعمل على منع تكرارها لاحقاً.

ولا يعني ذلك، وفق هذا التصور، أن تتوقف النساء عن نقد بعضهن بعضاً. فالنقد السياسي يمكن أن يطال مواقف النساء وخطاباتهن وأدوارهن العامة، كما يطال مواقف الرجال.

لكن السؤال يتعلق بحدود هذا النقد، وما إذا كان يبقى مرتبطاً بما تقوله المرأة وتفعله، أم ينتقل إلى حياتها الخاصة وعائلتها وصلاتها الشخصية.

العنف الرقمي واستهداف النساء في المجال العام

تصف دراسة لأكاديمية دويتشه فيله العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الإنترنت في سوريا بأنه ممارسة منهجية، لا مجرد حوادث فردية.

وتقول الدراسة إن التشهير والتحرش والابتزاز وكشف المعلومات الشخصية والترهيب النفسي من الأشكال التي قد يأخذها هذا العنف.

وبحسب الدراسة، تكون الصحفيات والناشطات والفاعلات في المجتمع المدني أكثر عرضة للاستهداف بسبب حضورهن في المجال العام.

ولا تربط الدراسة الحملة على رولا أو الحملة السابقة على فداء بجهة محددة، لكنها توفر سياقاً أوسع لفهم أشكال الاستهداف التي قد تواجهها النساء الناشطات والصحفيات والعاملات في المجال العام.

في الحالتين، بدأ النقاش من مواقف سياسية لامرأتين، ثم استدعت بعض الردود تاريخ الأب إلى جانب مناقشة تلك المواقف. وفي المقابل، بقي البيان الذي وقعت عليه الحوراني ضمن حدود النقد السياسي لمداخلة الركبي.

لا يعني التضامن النسوي بالضرورة الاتفاق على المواقف السياسية، ولا يعني التعرض لحملة تشهير أن المرأة تصبح بمنأى عن النقد. لكن الحالات التي تناولها التقرير تطرح سؤالاً حول حدود الاختلاف: هل يمكن أن يكون الخلاف مع النساء حول ما يقلنه ويفعلنه، من دون أن يتحول إلى نقاش حول الرجال الذين تربطهن بهم صلة عائلية؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

مع بداية العام الدراسي الجديد.. ما الأولوية لتطوير التعليم في سوريا؟

تحسين المناهج وأساليب التدريس
تأهيل المعلمين وبيئة الصفوف
لا أعلم
close icon