تقارير وتحقيقات | 29 07 2025
ادم علي
لم تنج الناشطة السورية فرح يوسف من العنف الرقمي، بالرغم من كونها مناصرة ومدافعة عن حقوق المرأة. إذ تعرضت لحملة استهداف وتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك عن رسائل التهديد الالكترونية التي وصلتها عبر حملات استهداف طاولت الناشطات المعارِضات للسلطة الجديدة بدمشق.
في حديثها لـ "روزنة" تقول يوسف: "هذه الحملات أصبحت ممنهجة منذ 8 ديسمبر لإسكات أصواتنا عبر سلاح التشهير والتبليغ والتحريض". موضحةً، أن تلك الحملات لن تدفعها إلى تعليق نشاطها، "لم أفكر يوماً في تعليق نشاطي"، فـ فرح ناشطة منذ عام 2011، وكانت تمارس نشاطها من داخل مناطق سيطرة النظام السابق في حلب، وتعرضت حينها لتهديدات مباشرة.
بعد خروجها من سوريا، وسّعت يوسف نشاطها في قضايا حقوق مجتمع الميم-عين، رغم ما واجهته من مضايقات وتهديدات – بعضها كان جديًا – لكنها لم تفكر بالتراجع، وهذا ما يُستخدم اليوم للتحريض ضدها.
تؤكد يوسف تلقيها تهديدات. لكنها لا تأخذ معظمها على محمل الجد بحكم إقامتها في فرنسا، وتحذر في الوقت ذاته من أن التحريض المتكرر قد يؤدي فعليًا إلى أذى جسدي، خصوصًا أن حادثة واحدة ناتجة عن تحريض مكثف قد تكون كافية، كما حصل مع أستاذ التاريخ الفرنسي سامويل باتي الذي قُتل بعد اتهامات كاذبة من طالبة غائبة عن الصف.
وتزامن ما تعرضت له اليوسف مع مواجهة سيدات من ناشطات المجتمع المدني لحملات مشابهة خلال الشهرين الماضيين كـ هبة عز الدين، وجود حمادة، وسط تصاعد مستويات العنف الرقمي على السوشل ميديا.
وكنتيجة لتزايد العنف الرقمي ضد النساء، دعت العديد من الصفحات السورية على وسائل التواصل الاجتماعي النساء إلى إخفاء صورهنّ الشخصية وإقفال بروفايلاتهنّ لدى التعليق على أمورٍ تخصّ الشأن العام، خصوصاً بعد تكرار استهداف النساء من خلال صور وتفاصيل موجودة على حساباتهن.
وأتى ذلك في سياق حديث بعض الناشطات عن حالات خطف للنساء في الساحل السوري عقب مجازر الساحل في آذار/مارس الفائت، إذ تحدثت الناشطة هبة عز الدين الحجي عن تجاوزات وحالات خطف للنساء في الساحل السوري ما ولّد موجات من العنف ضدها وضد المؤسسة التي تديرها.
تشهير منظم ووقف نشاطات
تروي الناشطة النسوية والرئيسة التنفيذية لمنظمة "عدل وتمكين" هبة عز الدين الحجي لـ "روزنة"، أنّ العنف الرقمي والتشهير التي تعرضت له هي ومنظمتها، انطلق في آذار/مارس الماضي، حين طرحت موضوع التجاوزات التي وقعت في الساحل السوري.
وتوضح أن البداية كانت عبر تعليقات مسيئة ومشاركات تتضمن عبارات سيئة، لكنها لم تكن ضمن حملة منظمة أو مركزة، بل كانت تعبيرات متناثرة وغير ممنهجة، لكن مع تطور موضوع الخطف تصاعدت الحملات ضدها بشكل يومي، وفق قولها.
هذا العنف الرقمي أجبر الحجي على وقف بعض أنشطتها، كما أثر سلباً على تمويل مؤسستها. تقول: "نعم، اضطررنا إلى تعليق أنشطتنا بسبب هذه الحملات، فالتهديدات وصلت إلى مراكزنا، ولم يعد من الآمان الاستمرار بالعمل، إذ تحول التهديد الرقمي إلى تهديد مباشر لمراكز عدل وتمكين ودعوات لقتل الفريق".
وكانت الناشطة الحجي قد تعرضت لحملة تشهير شرسة ضدها نتيجة نشر تسجيلات صوتية قديمة لها تظهرها بموقف تنتقص فيه من النساء المخمرات. وتوضح الحجي أن تلك التسجيلات تعود لها جزئياً لكنها معدلة ومجتزأة من سياقات مختلفة تعود لأربع سنوات مضت، واستُخدمت بطريقة توحي بمعانٍ لم تقصدها، "قلت منذ اليوم الأول إن التسجيلات جزئيًا صوتي، لكن أُخرجت من سياقها، وقُطّعت وأُعيد تركيبها لإيصال رسالة غير حقيقية"، قالت.
وبينت أنّ التسجيلات كانت جزءًا من نقاش خاص مع زميلة عن ثلاث سيدات مخمرات كنّ يتصرفن بطريقة متطرفة تجاه أخريات، وليس عن المخمّرات عمومًا".
واستغربت الحجي توقيت نشر هذه المقاطع بعد سنوات، متسائلة "لِمَ نُشرت الآن؟ ولماذا جرى قصّها وتوليفها بطريقة معيّنة؟ من الطبيعي أن يثير ذلك شكوك حول دوافع النشر، والشك بوجود عمل ممنهج".
ثمن التحريض
ينطبق ما حصل مع الناشطة الحجي مع ما توثقه دراسة أجرتها "الحركة النسوية السورية" حول العنف الرقمي بحق النساء عام 2023، إذ بينت النتائج أنّ 13 بالمائة فقط من التعليقات المتعلقة بالقضايا السياسية كانت تخص الموضوع المطروح، فيما الأغلبية الساحقة تركزت على مواضيع غير ذات صلة، جاء في مقدمتها المظهر الخارجي والانتماء الديني والحياة الشخصية والطعن بالسمعة والتشكيك بالقدرات العقلية والصلاحية السياسية للنساء الناشطات.
كما بينت الدراسة أنّ 29% انسحبنا من منظماتهن بسبب العنف الرقمي، و 33% نشطنا سراً، و44% قلصنا مشاركتهن السياسية الافتراضية، و40% فيزيائياً، بينما قررت 15% إلغاء حساباتهن بشكل كامل، و 71% بشكل مؤقت، و40% يخفين تفاصيل معلوماتهنّ الشخصية.
كذلك، فأنّ 41% من الناشطات أصبحن يمارسن الرقابة الذاتية بخصوص نشاطهن، ويلجأن لفلترة منشوراتهنّ لتجنب المضايقات والتهديدات.
وبينت دراسة لوحدة الاستخبارات الاقتصادية عام 2020 والتي غطّت 51 دولة، أن 38% من النساء تعرضن لعنف رقمي، وأن الشرق الأوسط كان الأعلى في النسبة، بأشكال متعددة مثل التشهير والتحرش وخطاب الكراهية وانتحال الهوية.
كما كشف استبيان لمكتب تمكين المرأة في ريف إدلب شمل 115 امرأة في 2024، أن أكثر من نصفهنّ تعرضن لعنف رقمي، مع عدم قدرة أغلبهن على تحديد هوية المعتدي، ما يعزز من شعور العجز والخوف.
من المسؤول؟
نوهت فرح يوسف في حديثها لـ "روزنة"، أن مجموعات على تلغرام وفيسبوك بدأت تنتشر وتعمل على نشر صور حسابات ناشطات معارضات، مع دعوات ممنهجة للإبلاغ عنها بدل التفاعل السابق بتعليق "أضحكني"، بحجة أن التفاعل يزيد من وصول المنشورات، بينما التبليغات تؤدي إلى إسكات الأصوات بشكل نهائي.
وتستطرد يوسف قائلة: بإنّ "المقلق أكثر أن بعض الحسابات التابعة لإعلاميين ومؤثرين التي تملك آلاف المتابعين تنشر صور ناشطات وتطلب من جمهورها أن "يشوفوا شغلهم"، وهو ما يتضمن موجات من التفاعلات الساخرة، رسائل جنسية، شتائم، تبليغات جماعية.
في السياق ذاته، اعتبرت ناشطة سورية (رفضت الإفصاح عن اسمها) أنّ الدولة يُعاد بناؤها بدون النساء، وترى أنّ العنف الرقمي غير المسبوق على وسائل التواصل الاجتماعي بحق الناشطات، هو انعكاس لطبيعة السلطة التي يجري بناؤها، واستشهدت على ذلك بالحملة التحريضية التي تعرضت لها غادة الشعراني لأنها رفعت صوتها في حضرة مسؤول/ رجل، متجاهلين اعتقالها وإهانتها دون مذكرة من قبل الأمن العام، وقولها أنها رأت خلال اعتقالها في إدلب نساء معتقلات مع أطفالهنّ.
تداعيات التحريض على عمل الناشطات
تخشى يوسف من امتداد تأثيرات التحريض لتطال مستقبلها المهني، وتؤدي إلى تخلّي المؤسسات عن التعاون معها، لكنها شددت على أن أي جهة لم تلمّح حتى الآن إلى مثل هذا الموقف، معبّرة عن احترامها وتقديرها لمواقف هذه المؤسسات.
كما نوّهت إلى موقف داعم من التحالف السوري الديمقراطي، الذي أصدر بيان تضامن معها واحتفظ بحق اتخاذ إجراءات قانونية ضد المحرّضين، ووصفت الخطوة بأنها "رائعة وتشعرني بالتقدير والانتماء لجهة تحترم نضال أفرادها".
أما الناشطة الحجي فانتقدت بعض الممولين الدوليين الذين يرفعون شعارات "التوطين localization والعمل المحلي"، لكنهم لا يدركون حساسية العمل مع المنظمات التي تقودها النساء، ينسحبون عند أول حملة رقمية، "في لحظة الحقيقة، لم يشاركونا الخطر كما قالوا في البداية، على العكس اعتبرونا جزءًا من المشكلة، وبدأوا يسألون عن أمور عمرها خمس سنوات، كانوا معنا حين كنا نقدم نتائج متميزة، لكنهم انسحبوا حين تعرضنا لأول هجمة"، وفق قولها.
في المقابل، هناك بعض الشركاء استمروا في دعمهم، كما قالت: "بعض الداعمين بقوا معنا، لأنهم يعرفون أن هذه التحديات جزء من الواقع الذي تواجهه المنظمات التي تقودها نساء، خاصة حين تكون المديرة مدافعة صريحة عن حقوق الإنسان".
كما تلقت الحجي دعم من منظمات حقوقية دولية كفرونت لاين ديفدنرز ومركز الخليج لحقوق الإنسان ومن شخصيات و تجمعات حقوقية ونسوية سورية مثل اللوبي النسوي، لكنها أيضاً أظهرت حزنها على عدم تبني التيار النسوي السوري موقف واضح تجاه الهجمات التي تواجهها النساء الناشطات.
ما الأثر النفسي للتحريض؟
أكدت يوسف أن حملات التشهير والتحريض التي تتعرض لها تركت أثرًا نفسيًا بالغًا، انعكس بشكل مباشر على حياتها المهنية والسياسية. وقالت إن هذه الحملات "تستنزف طاقتي في معارك جانبية، وتسرق من وقتي وجهدي ما كان يمكن أن أكرّسه لنشاطي الحقيقي".
أما الحجي، فتشير إلى أنّ العنف الرقمي أثّر عليها نفسيًا، "الإحساس الذي عايشته أشبه بشعور فتاة تقف عارية في الشارع، معرّضة للطعن من كل اتجاه "بتحسي حالك عارية، بدون أي سند أو دعم، والجميع يتفرج أو يخاف يدافع 'مشان ما تصيبه طرطوشة' شعور أنها متروكة والجميع تخلى عنها ويطعن بها".
وتوضح أن الأثر الأعمق كان على مستوى الثقة بالنفس والبيئة المحيطة: "أشعر أحيانًا أنني أُحَمَّل الذنب فقط لأنني امرأة كان حديثي عن قضية إنسانية، عن المختطفات، لكن التشهير والتلفيق شتّت الانتباه عن القضية الأساسية". وهذا ما تؤكده "دراسة لمنظمة سلامتك نشرت عام 2024، على أنّ 89% من الناشطات عانين من تبعات نفسية عميقة وصلت لدى بعضهن إلى التفكير بإيذاء النفس، وهذا الأثر التراكمي لهذه الممارسات لا يهدد النساء وحدهن، بل يطال الفضاء المدني، ويقوّض حق النساء في المشاركة العلنية والعمل العام.
ورغم كل هذا العنف الرقمي تعبر عن تمسكها بموقفها "أنا فخورة بأنني أثرت هذا الموضوع. لم أكن ضد الدولة، بل ضد العنف الواقع على النساء، وأنا أؤمن بإصلاح الأخطاء، لا بهدم المؤسسات".
وتشير دراسة لمنظمة "سلامتك" عام 2024 التي شملت 82 امرأة، إلى أن 60% من النساء السوريات المشاركات فيها تعرّضن لأكثر من نوع من الإساءة الرقمية، و 77% خفن من تحولها إلى عنف جسدي.
العنف يطال أقاربهنّ
لم يقتصر العنف والتشهير على الناشطات فقط، بل تعداه إلى أقاربهن. تقول الحجي: "أخواتي، أمي، زوجي، حتى أهل زوجي تأذوا، الناس بدأت تشير إليهم وكأنهم مسؤولون عني، وكأنهم موضع مساءلة".
وينسحب ما حدث للحجي، عما حصل ليوسف، التي لم يقتصر الأذى عليها لوحدها، بل طال أيضًا محيطها القريب، حيث تلقّى المقربون منها رسائل كراهية فقط لارتباطهم بها، واضطروا لمشاركتها لهذا العبء النفسي.
ما الحل؟
دعت يوسف المنظمات النسوية إلى اتخاذ خطوات قانونية فاعلة في مواجهة حملات التشهير والتحريض التي تتعرض لها ناشطات ونساء معارضات، مطالبة بـ"تشكيل فرق قانونية تتولى ملاحقة المحرّضين ورفع دعاوى ضدهم كلٌّ في بلد إقامته".
وأكدت يوسف أن الأعباء المادية لمثل هذه الملاحقات القانونية تشكّل عبئًا كبيرًا على الناشطات بشكل فردي، مشيرة إلى أن على المنظمات النسوية الكبرى أن "تضع هذا الملف ضمن أولوياتها، وتخصّص له تمويلًا وموارد بشرية مناسبة".
كما حمّلت السلطة الحالية جزءًا من المسؤولية، معتبرة أن صمتها تجاه حملات التحريض "يعني إما رضا، أو تواطؤ، أو تقصير" وقالت: إن جميع هذه الاحتمالات "مرفوضة أخلاقيًا وسياسيًا"، مطالبة بخطاب رسمي واضح يدين هذه الحملات ويضع حدًا لها.
فيما أكدت هبة عز الدين على أهمية شمول التوعية الجندرية للرجال أيضًا، معتبرة أن فهم وجهات نظرهم جزء أساسي من تحقيق المساواة. وتشير إلى أن منظمة "عدل وتمكين" لم ترتكب أي تجاوز، لكن بعض الانتقادات طالتها بشكل يحمّل النساء وحدهن مسؤولية الإشكالات، وهو ما يعمّق شعور النساء بالذنب.
وتقول المحامية سنابل سليمان، لـ "روزنة" من الناحية القانونية ما يمكن فعله هو تقديم شكوى للنيابة العامة للحساب الذي يقوم بالاساءة، عن طريق تصوير لقطات شاشة للتعليق أو المنشور المسيء وصورة لصفحة الحساب أو كتابة الاسم بالمعروض كما هو مكتوب على مواقع التواصل.
وتضيف، أن هذه الإساءة تعد جريمة الكترونية حسب قانون الجرائم الالكترونية لها عقوبات تتراوح بين الغرامة والسجن أو الاثنين معاً".

