نساء | 20 07 2026
داليا محمد
أنفقت منظمات سورية ودولية أكثر من عقد في تنفيذ برامج حملت عناوين مثل "التمكين السياسي"، و"بناء القدرات"، و"دعم القيادة النسائية"، بهدف توسيع مشاركة النساء في الحياة العامة وإعدادهن للوصول إلى مواقع صنع القرار. لكن مع اكتمال تشكيل أول مجلس شعب في المرحلة الانتقالية، بدا أن الفجوة بين الاستثمار في تأهيل النساء وتمثيلهن السياسي ما تزال واسعة.
فقد انتهى تشكيل المجلس إلى تمثيل نسائي لم يتجاوز 10.63 في المئة، بواقع 22 امرأة من أصل 207 أعضاء، بينهن 15 عُيّنّ ضمن "الثلث المكمل"، فيما وصلت سبع أخريات عبر الهيئات الناخبة.
ولا تعكس هذه النسبة بالضرورة حجم مشاركة النساء في العملية الانتخابية نفسها. فوفق دراسة أعدتها مساواة حول الانتخابات البرلمانية من منظور نسوي، بلغت نسبة النساء في الهيئات الناخبة 18.86 في المئة، أي ما يقارب ضعف نسبة تمثيلهن النهائية داخل البرلمان. وتشير هذه الفجوة إلى أن النساء لم يغبن عن المراحل الأولى من العملية، لكن حضورهن تقلص مع الانتقال إلى مرحلة تشكيل المجلس.
وهنا يبرز السؤال الذي يحاول هذا التحقيق الإجابة عنه: إذا كانت النساء قد شاركن في العملية الانتخابية، وسبق ذلك سنوات من التدريب وبناء القدرات، فأين تعثرت رحلة الوصول إلى البرلمان؟
تدريب كثير... وصول محدود
على مدى أكثر من عشر سنوات، استثمرت منظمات سورية ودولية في برامج هدفت إلى إعداد النساء لخوض العمل العام، من خلال التدريب على القيادة، وإدارة الحملات، والعمل البرلماني، والمشاركة السياسية. غير أن نتائج أول استحقاق برلماني بعد المرحلة الانتقالية أعادت طرح سؤال يتجاوز عدد الدورات التدريبية: هل كانت المشكلة في نقص التأهيل، أم في البيئة السياسية التي يفترض أن تستوعب هذه الكفاءات؟
ترى الناشطة النسوية والسياسية ثريا حجازي أن الخلل لا يكمن في غياب النساء عن العمل السياسي، ولا في نقص التدريب وحده، بل في غياب بنية سياسية تسمح لهن بالمنافسة والوصول إلى مواقع القرار.
وتقول، خلال مشاركتها في برنامج "أنتِ قدها" على روزنة: "واضح اليوم، في السياق السوري، وخصوصاً فيما يتعلق بالنساء، أن هناك ضعفاً في أدوات الضغط النسوية." وتضيف أن النقاش ظل لسنوات يدور حول "تمكين النساء"، بينما بقيت أدوات التأثير السياسي محدودة، ولم تتطور إلى قوة قادرة على التأثير في موازين القرار.
وتقدم عضو الحركة السياسية النسوية السورية، رلى الركبي، قراءة مختلفة، تربط محدودية النتائج بطبيعة البيئة السياسية نفسها. وتقول إن أثر برامج التمكين لا يمكن قياسه بمعزل عن السياق الذي جرت فيه الانتخابات، مضيفة: "لا يمكن توقع وجود أثر للتدريبات المنجزة سابقاً في سبيل تمكين النساء سياسياً في ظل حكم دولة عميقة ذات مرجعية سلفية. واستعارة مسارات ديمقراطية لتنفيذ أجندتها لا يعني تحقيق مسار ديمقراطي صحيح تتمكن النساء من خلاله من الوصول إلى البرلمان." كما ترى أن المشهد الانتخابي رافقته "حالة عامة من التجييش والانبطاح الاستباقي لمخرجات الانتخابات."
وبين هذين التقييمين، تبرز تجربة المديرة التنفيذية لمنظمة إكليل الجبل، معالم عبد الرزاق، التي أشرفت على مشروع لتأهيل نساء من حماة ودير الزور وحلب للقيادة والعمل البرلماني، شمل تدريبات مكثفة، ومحاكاة لجلسات البرلمان، ولقاءات مع نساء خضن تجارب انتخابية.
وتصف عبد الرزاق الترشح لعضوية مجلس الشعب بأنه "الاختبار العملي الحقيقي للوصول إلى مواقع القرار"، قبل أن تضيف: "للأسف، لم ننجح."
ولا تعني هذه النتيجة، بالنسبة للضيفات الثلاث، أن برامج بناء القدرات كانت عديمة الأثر، لكنها تشير إلى أن التدريب وحده لم يكن كافياً لترجمة الخبرة إلى تمثيل سياسي. فالمشاركة في الدورات، أو حتى في الهيئات الناخبة، لم تضمن الوصول إلى البرلمان، وهو ما يعيد النقاش إلى طبيعة النظام السياسي وآليات الاختيار أكثر مما يعيده إلى مستوى تأهيل النساء.
وتدعم الأرقام هذه القراءة. فإلى جانب انخفاض نسبة النساء في مجلس الشعب إلى 10.63 في المئة، بقيت هذه النسبة أقل من المتوسط العالمي لتمثيل النساء في البرلمانات، البالغ 27.5 في المئة، وأدنى أيضاً من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، البالغ 16.2 في المئة.
حين لا تكفي المشاريع
لا تنفي المديرة التنفيذية لمنظمة إكليل الجبل، معالم عبد الرزاق، وجود كفاءات نسائية قادرة على خوض العمل البرلماني. على العكس، تؤكد أن السنوات الماضية أفرزت نساء راكمن خبرات في العمل العام، والمناصرة، والمؤتمرات، والحوارات السياسية، وأن برامج التدريب أسهمت في إعداد كوادر تمتلك المعرفة والأدوات اللازمة للمشاركة.
لكن، بحسب رأيها، كشفت تجربة انتخابات مجلس الشعب أن الكفاءة وحدها لا تضمن الوصول إلى مواقع القرار.
وتقول إن المشروع الذي نفذته المنظمة في حماة ودير الزور وحلب لم يقتصر على التدريب النظري، بل شمل محاكاة لجلسات البرلمان، ولقاءات مع نساء خضن تجارب انتخابية، في محاولة لتقريب المشاركات من متطلبات العمل البرلماني. ومع ذلك، بقي الترشح للمجلس، كما تصفه، "الاختبار العملي الحقيقي للوصول إلى مواقع القرار"، وهو اختبار انتهى، بحسب تعبيرها، إلى نتيجة مخيبة: "للأسف، لم ننجح."
وترى عبد الرزاق أن هذه النتيجة لا يمكن ردّها إلى سبب واحد، بل هي حصيلة عوامل متداخلة، من بينها ضيق الفترة الزمنية التي سبقت الانتخابات، وآلية تشكيل الهيئات الناخبة، ووجود تحالفات وتكتلات سبقت فتح باب الترشح، إلى جانب عوامل تتعلق بالمرشحات أنفسهن، أبرزها تشتت الأصوات وعدم الالتفاف حول أسماء محددة.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما توصلت إليه دراسة "مساواة"، التي تشير إلى أن ارتفاع نسبة النساء في الهيئات الناخبة لم ينعكس على تركيبة البرلمان، وهو ما يوحي بأن المشكلة لم تكن في غياب المشاركة النسائية، بقدر ما كانت في قدرة هذه المشاركة على التأثير في المراحل اللاحقة من عملية الاختيار.
من المشاركة إلى التأثير
بالنسبة للناشطة النسوية والسياسية ثريا حجازي، تكمن المشكلة في أن جزءاً كبيراً من العمل النسوي خلال السنوات الماضية بقي محصوراً في بناء القدرات، من دون أن يتطور إلى قوة ضغط سياسية منظمة.
وتقول:
"المنظمات موجودة، لكن العمل النسوي بقي بمستوى التوعية وبناء القدرات... ولم يتحول إلى لوبي سياسي منظم يملك حراكاً على الأرض يعمل على فرض عملية التمثيل."
وبرأيها، فإن التدريب، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع وحده تغيير موازين القوة السياسية إذا لم يرافقه تنظيم قادر على بناء التحالفات، والتفاوض، والتأثير في دوائر صنع القرار.
وتضيف أن السنوات الماضية شهدت استثماراً كبيراً في إعداد النساء للمشاركة، لكن الاستثمار نفسه لم يُترجم إلى أدوات ضغط قادرة على الدفاع عن وجود النساء عندما بدأت عملية تشكيل البرلمان.
ويبدو أن هذه الفكرة تفسر جانباً من المفارقة التي تكشفها الأرقام. فالنساء شاركن في الهيئات الناخبة بنسبة قاربت 19 في المئة، إلا أن حضورهن في مجلس الشعب انخفض إلى 10.63 في المئة فقط، ما يعني أن فجوة التمثيل لم تبدأ عند المشاركة، بل عند القدرة على تحويل هذه المشاركة إلى نفوذ سياسي.
قنوات غامضة... ومسار غير مكتمل
وتبرز، إلى جانب ذلك، مشكلة أخرى تتعلق بغياب المسار المؤسسي الذي يمكن أن تنتقل عبره الكفاءات النسائية إلى مواقع القرار.
توضح معالم عبد الرزاق أن منظمتها أعدّت كتيباً يضم سيراً ذاتية لناشطات من حماة ودير الزور وحلب، بهدف تعريف الجهات المعنية بالكفاءات النسائية المؤهلة. غير أن المبادرة اصطدمت، بحسب قولها، بسؤال لم تجد له إجابة واضحة:
"أنا هذا الكتيب لمن أرسله؟ نبعثه للمديريات؟ نبعثه للهيئات السياسية؟ نبعثه للجهات الممكن تكون مهتمة؟"
وتضيف أن آلية استكمال تشكيل مجلس الشعب بقيت غامضة حتى اللحظات الأخيرة، قائلة:
"للأسف الشديد ما في عنا وضوح."
وترى عبد الرزاق أن مسؤولية هذه الفجوة موزعة بين الدولة والمجتمع المدني. فالحكومة، بحسب رأيها، مطالبة بتوضيح آليات الوصول إلى مواقع القرار، بينما يحتاج المجتمع المدني إلى استكمال ما بدأه، بحيث لا تنتهي برامج التدريب بإنتاج كوادر مؤهلة من دون مسارات فعلية تستطيع الانتقال عبرها إلى المجال العام.
أما ثريا حجازي، فترى أن غياب القنوات الرسمية ليس سوى جزء من المشكلة، إذ تعتبر أن الحركة النسوية نفسها ما تزال تعاني التشتت وغياب الأولويات المشتركة.
وتقول:
"الحركة النسوية السورية مشتتة، وليست موحدة المطالب."
وتضيف أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من منطق المشاريع المؤقتة إلى بناء تحالفات وشبكات ضغط قادرة على التأثير في القرار السياسي، مضيفة:
"نحن اليوم بحاجة لنغير من أدوات الضغط لدينا."
أربع محافظات... بلا صوت نسائي
لا يظهر ضعف تمثيل النساء في عدد المقاعد فقط، بل في الخريطة الجغرافية للبرلمان أيضاً.
فمن بين المحافظات السورية الأربع عشرة، حظيت عشر محافظات بتمثيل نسائي، بينما غابت النساء بالكامل عن ريف دمشق، والرقة، والسويداء، والقنيطرة.
ولا تبدو هذه المحافظات هامشية، سواء من حيث عدد السكان أو حجم الكتلة النسائية فيها.
فوفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، الواردة في تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، بلغ عدد سكان ريف دمشق في آذار/مارس 2025 نحو 5.12 ملايين نسمة، والرقة 843.6 ألف نسمة، والسويداء 483 ألفاً، والقنيطرة 111.7 ألفاً.
وبالاستناد إلى بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أن النساء شكّلن 49.98 في المئة من سكان سوريا عام 2024، يمكن تقدير عدد النساء في هذه المحافظات بنحو 2.56 مليون امرأة في ريف دمشق، و421 ألفاً في الرقة، و241 ألفاً في السويداء، و56 ألف امرأة في القنيطرة.
أي أن المحافظات الأربع تضم ما يقارب 3.3 ملايين امرأة، ومع ذلك لم تصل أي امرأة لتمثيلها في مجلس الشعب.
ولا يقتصر الأمر على غياب التمثيل النسائي، بل يطرح سؤالاً آخر يتعلق بعدالة التمثيل الجغرافي نفسه. فإذا كانت محافظات بهذا الثقل السكاني خرجت من البرلمان من دون أي صوت نسائي، فإن المشكلة تتجاوز عدد المقاعد إلى آليات الاختيار التي أفرزت هذا التوزيع.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية إضافية عند مقارنتها بالمراحل الأولى من العملية الانتخابية. فوفق دراسة "مساواة"، لم تكن النساء غائبات عن الهيئات الناخبة في تلك المحافظات أو غيرها، بل شاركن بنسب متفاوتة وصلت إلى 31 في المئة في دمشق و25.3 في المئة في طرطوس و21.74 في المئة في حمص، قبل أن يتراجع حضورهن في التمثيل النهائي إلى 10.63 في المئة فقط.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الفجوة لم تكن في المشاركة الأولية، وإنما في المرحلة التي انتقلت فيها العملية من اختيار الهيئات الناخبة إلى تشكيل البرلمان، وهو ما يعيد النقاش إلى طبيعة آليات الاختيار أكثر مما يعيده إلى مستوى مشاركة النساء نفسها.
الطريق بعد التمكين
تكشف الشهادات والأرقام التي جمعها هذا التحقيق مفارقة يصعب تجاهلها. فالنساء لم يغبن عن المجال العام خلال السنوات الماضية، بل حضرن في برامج التدريب، والعمل المدني، والمناصرة، والمبادرات المحلية، كما شاركن في الهيئات الناخبة بنسبة قاربت ضعف تمثيلهن النهائي في البرلمان.
لكن هذا الحضور لم يتحول إلى نفوذ سياسي قادر على عبور المراحل الأخيرة من عملية تشكيل مجلس الشعب.
وتلخص معالم عبد الرزاق هذه المفارقة بعبارة قصيرة:
"الحقيقة عنا نساء، لكن ما وصلوا."
وتختصر هذه الجملة، ربما أكثر من أي رقم، المسافة بين بناء القدرات وصنع القرار.
فالسنوات الماضية لم تنتج نقصاً في النساء المؤهلات، بقدر ما كشفت عن فجوة بين إعداد القيادات النسائية وبين البيئة السياسية التي يفترض أن تستوعبها. فالمشكلة، كما تعكسها شهادات الضيفات الثلاث، لا تبدو في غياب الكفاءة، بل في غياب منظومة متكاملة تبدأ بفرص متكافئة للمنافسة، وتمر بآليات اختيار شفافة، وتنتهي بقدرة النساء على التأثير داخل المجال السياسي.
وتضيف رلى الركبي بعداً آخر لهذا النقاش، إذ ترى أن تقييم برامج التمكين لا يمكن أن ينفصل عن السياق السياسي الذي نُفذت فيه، معتبرة أن الحديث عن بناء القدرات يفقد كثيراً من معناه إذا لم تتوافر بيئة ديمقراطية حقيقية تسمح بتحويل هذه القدرات إلى تمثيل فعلي.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما أظهرته الأرقام. فالنساء لم يكنّ غائبات عن المراحل الأولى من العملية الانتخابية؛ إذ بلغت نسبتهن في الهيئات الناخبة 18.86 في المئة، قبل أن ينخفض تمثيلهن في البرلمان إلى 10.63 في المئة فقط. كما غابت النساء بالكامل عن تمثيل أربع محافظات تضم ما يقدر بنحو 3.3 ملايين امرأة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد تشكيل أول مجلس شعب في المرحلة الانتقالية لم يعد يتعلق بعدد الدورات التدريبية أو حجم التمويل المخصص لبرامج التمكين، بل بما إذا كانت العملية السياسية نفسها قادرة على تحويل المشاركة إلى تمثيل، والكفاءة إلى حضور فعلي في مواقع صنع القرار.
وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة. فبعد سنوات ركزت على تدريب النساء، يبدو أن النقاش يتجه اليوم نحو سؤال مختلف: كيف يمكن بناء بيئة سياسية تتيح لهذه الكفاءات أن تنافس، وأن تصل، وأن تمثل؟


