ملفات | 23 06 2026
داليا محمد
في القابون خصوصاً، تتذكر يازجي أن معظم من كنّ يرافقن الأطفال إلى الجلسات كنّ أمهات. كان الرجال غائبين في كثير من الأحيان، بعضهم في المعارك، وبعضهم يحاول حماية ما تبقى من البيوت والممتلكات. أما النساء فكنّ الحضور الثابت يأتين بالأطفال، ينتظرنهم، يراقبن أثر الجلسات عليهم، ثم يصررن على عودتهم مرة بعد مرة.
لم يكن ذلك، بالنسبة إلى يازجي، تفصيلاً تنظيمياً في مبادرة ثقافية، كان شكلاً صغيراً من الإحساس بالعدل. أم ترى ابنها أو ابنتها يخرجان من جلسة أقل خوفاً، أكثر قدرة على اللعب أو التعبير، ثم تتمسك بحقهما في العودة. تقول لروزنة: "لما كانت الأم تشوف ابنها أو بنتها مبسوطين، كان عندها إصرار شديد إنهم يرجعوا".
من هنا، لا تتحدث يازجي عن العدالة بوصفها مفهوماً كبيراً فقط. في تجربتها، بدت العدالة أحياناً في أن يرى وجع موجود، وأن توجد استجابة له. لم تكن الأمهات يطلبن امتيازاً لأطفالهن، بل مساحة طبيعية حُرم منها الأطفال في الحرب مكان آمن، وقت للتعبير، وإصغاء لا يحاكمهم.
ألوان تنتقل إلى المخيمات
بعد انتقال يازجي مع عائلتها إلى لبنان عام 2012، انتقلت التجربة معها. هناك، داخل مدارس ومراكز لجوء ومخيمات السوريين، اتسعت المبادرة التي حملت لاحقاً اسم "ألوان"، واستمرت ست سنوات مع الأطفال اللاجئين. لكن شيئاً آخر بدأ يظهر مع الوقت. النساء اللواتي جئن بأطفالهن صرن يسألن عن أنفسهن أيضاً.
"إذا الولاد مبسوطين، نحن شو؟"، تتذكر يازجي سؤال الأمهات.
لم تكن جلسات النساء جزءاً من الخطة الأولى. ولم تأتِ الفكرة من جهة مانحة، ولا من تصور جاهز عن احتياجات اللاجئات. جاءت من النساء أنفسهن، من سؤال بسيط ومباشر إذا كان للأطفال مساحة للكلام والتعبير، فلماذا لا تجد الأمهات مساحة مشابهة؟
احتاج الفريق وقتاً قبل أن يستجيب لهذا الطلب، كما تقول يازجي، لكنه انتهى إلى تنظيم جلسات موازية للنساء بالتزامن مع جلسات الأطفال. هنا، تتسع فكرة العدالة قليلاً ليست فقط أن يحصل الطفل على مساحة آمنة، بل أن تُسمع المرأة التي جاءت به، وأن لا تختزل في دور المرافقة أو الأم التي تنتظر عند الباب.
في هذه التجربة، لم تكن النساء متلقيات للدعم فقط. كنّ من نبّهن الفريق إلى نقص في الرؤية، ومن دفعن المبادرة إلى أن ترى حاجة لم تكن في خطتها الأولى. بهذا المعنى، شاركن في تشكيل التجربة نفسها، لا في الاستفادة منها فقط.
تتحدث يازجي عن تلك المرحلة وتقول إن المبادرة بدأت بـ"نوايا حسنة وشجاعة وحماس شديد"، لكنها اكتشفت سريعاً أن العمل مع أطفال عاشوا الحرب لا يكفيه الحماس. كانت هناك حاجة إلى معرفة ومرافقة متخصصة ومحللين نفسيين يساعدون الفريق.
"حسن النية بيودي لمحل غلط إذا ما كان مؤطر"، تقول.
هذا الاعتراف مهم في مسار الحديث عن العدالة. فالمساعدة، إن لم تكن واعية، قد تتحول إلى عبء جديد على من يُفترض أنها تساعدهم. ولهذا يبدو درس "ألوان" مزدوجاً أن تُفتح المساحة، وأن تدار بمسؤولية أن يصغى للناس، لكن من دون ادعاء القدرة على إنقاذهم بمجرد النية الطيبة.
4 نساء واصلن العمل دون تمويل من أجل العدل
لاحقاً، ستظهر النساء في تجربة أخرى من حياة يازجي. ليست كأمهات هذه المرة، بل كحاملات للذاكرة.
في "ذاكرة إبداعية للثورة السورية"، لم يكن المشروع موجهاً إلى النساء تحديداً، كما تقول. لكنه قام، إلى حد كبير، على أكتافهن. غالبية فريق العمل كانت من النساء. وحين مر المشروع بمرحلة مالية صعبة وانقطع التمويل، بقيت أربع نساء، بينهن يازجي، يواصلن العمل.
تختصر يازجي ذلك بجملة واحدة: "كان في إحساس أنه مو عدل يوقف".
هنا تنتقل العدالة من المساحة الآمنة إلى الذاكرة. أن يتوقف مشروع يوثق التعبير الفني والفكري المرتبط بالثورة والحرب، كان بالنسبة إليهن شكلاً من الظلم. ليس لأن المشروع مؤسسة يجب أن تستمر فقط، بل لأن ما يحفظه لا يخص فريق العمل وحده. إنه جزء من ذاكرة السوريين والسوريات، ومن أثر سنوات لا يمكن تركها للضياع.
في الموقع نفسه، ترى يازجي حضور النساء واضحاً فنانات عبّرن عن الثورة والحرب، نساء ظهرن كموضوعات للأعمال لا كضحايا فقط، ومناضلات وناشطات دفعن أثماناً مختلفة خلال السنوات الماضية. تقول إن أرشيف "ذاكرة إبداعية" يضم أكثر من ألف وثيقة فيها حضور نسائي، سواء عبر النساء اللواتي صنعن العمل، أو النساء اللواتي حضرن في موضوعه.
بهذا المعنى، لا تكون الذاكرة مجرد حفظ لما حدث، بل طريقة لمقاومة اختزال النساء في صورة واحدة. فهن لسن فقط من فقدن أو انتظرن أو خفن، بل أيضاً من عملن، ونظمن، ووثقن، وأصررن على ألا تُمحى الحكاية.
تقول يازجي إن حضور النساء في المجال العام السوري خلال سنوات الثورة والحرب كان، بحسب تجربتها، لافتاً إذا ما قورن بالعقود السابقة. حيث ظهر عدد كبير من الفنانات، بعضهن دخلن المجال العام للمرة الأولى، وبعضهن كنّ معروفات قبل عام 2011 واتسع حضورهن لاحقاً. لكنها لا تقف عند الشهرة أو الاعتراف الفني. الأهم، في سياق حديثها، أن هذا الحضور صار جزءاً من المشهد السوري نفسه، في الثقافة والعمل المدني والمبادرات المحلية والإعلام.
ورغم أن النساء ما زلن أقل حضوراً في مواقع القرار والصورة الرسمية، ترى يازجي أن ما يحدث خلف الواجهة لا يمكن تجاهله أعداد كبيرة من النساء يعملن يومياً في مساحات مختلفة، ويحملن ملفات ومبادرات وذاكرات لا تظهر دائماً في الصورة العامة.
من جلسات الأطفال الأولى إلى أرشيف الثورة، يبدو الخيط واحداً، نساء يلتقطن الحاجة قبل أن تتحول إلى عنوان كبير. أم تصرّ على عودة طفلها إلى مساحة آمنة. امرأة تطلب جلسة إصغاء لنفسها. فريق نسائي يواصل العمل لأن توقف الذاكرة يبدو ظلماً آخر.
ليست هذه عدالة مكتملة، ولا بديلاً عن محاسبة أو حقوق أو مؤسسات. لكنها، كما تكشف تجربة يازجي، ذلك الجزء اليومي من العدالة الذي صنعته النساء عندما لم تكن العدالة نفسها متاحة، أن يحمين مساحة، أو يفتحن باباً للكلام، أو يرفضن أن تضيع الذاكرة.




