نساء في السياسة.. لماذا لا يتحول الحضور إلى نفوذ؟

نساء في السياسة.. لماذا لا يتحول الحضور إلى نفوذ؟

ملفات | 19 07 2026

داليا محمد

لم يكن ينقص لميس، 43 عاماً، التمويل لإطلاق موقع محلي أو صفحة إخبارية تهتم بأخبار الساحل السوري. كانت مستعدة للبدء بإمكانات بسيطة، بعدما لاحظت أن مناطق سورية كثيرة تمتلك منصات محلية تتابع شؤونها اليومية، بينما تفتقر منطقتها إلى مساحة مشابهة.

لكن المشروع لم يولد.

لا تخشى لميس نقص المال بقدر ما تخشى أن تجد نفسها وحدها إذا أثار خبرٌ نشرته غضب جهة نافذة، أو حتى غضب محيطها الاجتماعي. وتقول لروزنة إنها لو شعرت بوجود شبكة من الصحفيات أو الناشطات يمكن أن تساندها، أو شريك يتقاسم معها المسؤولية، لما ترددت في إطلاق المبادرة.

"لو كنت حاسة إنه في حدا رح يوقف معي إذا صار شي... كنت بلشت من بكرا."

قد تبدو قصة لميس حكاية عن موقع إلكتروني لم يرَ النور، لكنها في جوهرها تطرح سؤالاً أكبر: لماذا تتحول كثير من المبادرات النسائية إلى تجارب فردية تنتهي قبل أن تبدأ، أو تتوقف عند حدود المشاركة، من دون أن تتحول إلى نفوذ قادر على الاستمرار؟

فعلى امتداد السنوات الماضية، حضرت النساء في المبادرات المدنية، وورشات التدريب، والمنظمات المحلية والدولية، ووصلت بعضهن إلى مواقع قيادية أو منصات تفاوض وتمثيل. لكن هذا الحضور لم يتحول دائماً إلى قوة سياسية أو مجتمعية قادرة على حماية النساء، أو إنتاج قيادات جديدة، أو التأثير في القرارات العامة.

ربما لا تكمن المشكلة، كما ترى الناشطتان إيفا شيخ موسى وإيفا لاطي، في غياب النساء عن المجال العام، بل في أن كثيرات يصلن إليه فرادى، من دون قاعدة اجتماعية تحملهن، أو تحالفات تحميهن، أو شبكات تضمن استمرار أثرهن بعد الوصول.

امرأة واحدة... لا تمثل النساء

بالنسبة إلى الناشطة والمدافعة عن حقوق الإنسان إيفا شيخ موسى، يبدأ الخلل عندما يُختزل تمثيل النساء في وجود امرأة واحدة داخل مؤسسة أو حكومة، وكأن هذا الحضور الفردي يكفي للقول إن النساء أصبحن شريكات في صناعة القرار.

وتقول، خلال مشاركتها في برنامج "أنتِ قدها" على روزنة:

"وجود صبية واحدة ضمن تشكيلة وزارية كاملة أو حكومة كاملة لا يعني أن النساء ممثلات أبداً."

وتأتي هذه الملاحظة في وقت ضمت فيه الحكومة السورية الانتقالية، التي أُعلن عنها في آذار/مارس 2025، امرأة واحدة فقط بين 23 وزيراً، هي هند قبوات، فيما لم يتجاوز تمثيل النساء في مجلس الشعب 22 امرأة من أصل 207 أعضاء.

لكن، بالنسبة إلى إيفا شيخ موسى، لا تبدأ السياسة من عدد المقاعد، بل من قدرة النساء على بناء حضور مجتمعي يسبق الوصول إلى المنصب، ويستمر بعده.

وترى أن المبادرات الأكثر قدرة على الاستمرار ليست تلك التي تبدأ من المؤسسات، بل التي تنشأ من احتياجات الناس أنفسهم؛ من مجموعة نساء يجمعهن همّ مشترك، أو قضية محلية، أو لقاء بسيط حول طاولة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مساحة عمل عام.

وتضيف أن النساء المنخرطات في قضايا مجتمعاتهن يمتلكن، غالباً، قدرة أكبر على فهم احتياجاتها وتحويلها إلى مطالب عامة، لأنهن يعشن تفاصيلها اليومية، لا لأنهن يمثلن النساء جميعاً.

غير أن هذا الحضور، مهما كان واسعاً، لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ.

فالمشاركة، كما تشرح، قد تعني حضور اجتماع، أو إطلاق مبادرة، أو الحديث عن قضية. أما النفوذ، فيبدأ عندما تنجح هذه المشاركة في تغيير واقع، أو سد فجوة، أو دفع مؤسسة إلى تعديل قرار، أو خلق مساحة جديدة لنساء أخريات.

لهذا، ترى أن السنوات الماضية شهدت نماذج نسائية استطاعت إيصال أصوات السوريات إلى المحافل الدولية، كما شهدت مبادرات ناجحة في مجالات الإغاثة، والتمكين الاقتصادي، والعمل المجتمعي. لكنها بقيت، في كثير من الأحيان، تجارب متفرقة لم تتحول إلى حركة اجتماعية قادرة على إنتاج أثر مستدام داخل سوريا.

من المشاركة إلى النفوذ

تلتقي الناشطة المدنية إيفا لاطي مع إيفا شيخ موسى عند نقطة أساسية، لكنها تنظر إليها من زاوية مختلفة.

فبالنسبة إليها، لا يكفي أن تصل امرأة إلى موقع قيادي إذا بقي وصولها تجربة فردية لا تستند إلى قاعدة اجتماعية أو شبكة قادرة على حمايتها، ونقل خبرتها، وإنتاج قيادات جديدة.

وتقول إن القيادات النسائية تصبح "منقوصة" عندما تُبنى حول شخص واحد، لا حول مجتمع قادر على الاستمرار بعده.

وترى أن كثيراً من النقاشات حول مشاركة النساء تبدأ من السؤال الخطأ: كيف تصل المرأة إلى المنصب؟ بينما السؤال الأهم هو: ماذا يحملها إلى هذا المنصب، ومن يبقى معها بعد الوصول؟

وتضيف أن التحالفات لا تبدأ من مؤسسات كبيرة أو هياكل معقدة، بل من مشكلة حقيقية تواجه النساء في حياتهن اليومية. قد تكون قضية عنف، أو حاجة إلى دعم قانوني أو نفسي، أو مطلباً يتعلق بالحقوق الاقتصادية، أو حتى مبادرة صغيرة داخل حي أو بلدة.

ومن هذه القضايا، كما تقول، يمكن أن تنشأ مجموعات صغيرة، تطور رؤيتها تدريجياً، وتتحول إلى قوة قادرة على الدفاع عن مصالح النساء، وإنتاج قيادات جديدة.

ولهذا، ترى أن الخطأ لا يكمن في وصول امرأة إلى موقع قيادي، بل في التعامل معها باعتبارها حالة استثنائية تنتهي تجربتها بانتهاء موقعها، بدلاً من أن تصبح جزءاً من مسار يفتح الطريق أمام نساء أخريات.

التحالف... حماية قبل أن يكون طريقاً إلى السلطة

لا تنظر الناشطتان إلى التحالفات بوصفها وسيلة للوصول إلى المناصب فقط، بل باعتبارها شرطاً للاستمرار داخل المجال العام.

تقول إيفا شيخ موسى إن التحالف الحقيقي لا يمنح النساء صوتاً أعلى فحسب، بل يمنحهن أيضاً حماية عندما يتعرضن لحملات تشهير أو اغتيال معنوي أو ضغوط تدفعهن إلى الانسحاب.

وترى أن بناء شبكات تجمع السوريات في الداخل والخارج يمنح العمل النسوي قوة إضافية، بحيث تنقل النساء الموجودات خارج البلاد الأصوات إلى المنابر الدولية، بينما تستند النساء في الداخل إلى معرفة مباشرة باحتياجات مجتمعاتهن.

وتضيف أن هذا النوع من التضامن لا يحمي النساء الموجودات في المجال العام فقط، بل يشجع أخريات على دخوله، بعدما ظل الخوف سبباً يدفع كثيرات إلى البقاء في الظل.

أما إيفا لاطي، فترى أن نجاح أي تحالف يبدأ من وجود مساحة تشعر فيها النساء بالأمان الكافي للتعبير عن آرائهن، والاختلاف مع بعضهن، من دون خوف من الإقصاء أو التشهير.

وتقول إن المساحة الآمنة ليست مكاناً مغلقاً، بل بيئة يشعر فيها الجميع بأن أصواتهم مسموعة، وأن اختلافهم لا يهدد وجودهم داخل المجموعة.

عندما يصبح الخوف عائقاً سياسياً

ولا يبدو خوف لميس استثناءً.

فوفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تتعرض النساء العاملات في السياسة والحياة العامة لحملات تحرش وتشهير وتضليل رقمي تستهدف تقويض حضورهن أو دفعهن إلى الانسحاب من المجال العام.

كما تشير بيانات دولية إلى أن واحدة من كل أربع صحافيات تعرضت لتهديدات بالعنف الجسدي عبر الإنترنت، بينها تهديدات بالقتل.

وتعتقد إيفا شيخ موسى أن النساء في سوريا يواجهن، إلى جانب هذه المخاطر، تحديات إضافية ترتبط بالوصمة الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، والمخاوف الأمنية التي تجعل الانخراط في العمل العام أكثر كلفة.

وتضيف إيفا لاطي أن كثيراً من النقاشات حول النساء في السياسة تنحرف سريعاً عن الأفكار إلى المرأة نفسها؛ مظهرها، أو حياتها الشخصية، أو انتمائها، بدلاً من مناقشة ما تطرحه من قضايا.

في هذا السياق، تبدو قصة لميس أقل ارتباطاً بموقع إلكتروني لم يُطلق، وأكثر ارتباطاً بالشعور بالوحدة.

فهي، كما تقول، لا تحتاج إلى تمويل أو مقر أو معدات، بقدر ما تحتاج إلى يقين بأنها لن تُترك وحدها إذا تحولت مبادرتها إلى هدف لحملة تشهير أو ضغط سياسي أو اجتماعي.

وتؤكد إيفا لاطي أن النساء بحاجة إلى شبكات تضامن، وإلى دعم قانوني ومجتمعي، يجعل مواجهة هذه الضغوط مسؤولية جماعية، لا عبئاً تتحمله كل امرأة بمفردها.

حتى التحالفات ليست معصومة

ورغم دفاعهما عن أهمية العمل الجماعي، لا تنظر إيفا شيخ موسى وإيفا لاطي إلى التحالفات بوصفها حلاً سحرياً.

تحذر إيفا شيخ موسى من أن بعض التحالفات قد تعيد إنتاج الإقصاء نفسه عندما تهمش نساء أخريات، أو تحصر العمل في دائرة ضيقة من الناشطات. وترى أن قوة أي تحالف لا تقاس بعدد أعضائه، بل بقدرته على البقاء منفتحاً، ومنطلقاً من احتياجات المجتمع، وقادراً على استيعاب الاختلاف بدلاً من إلغائه.

وتلتقي إيفا لاطي مع هذا التقييم، معتبرة أن الخلافات داخل أي تحالف ليست مؤشراً على فشله، بل قد تكون مصدر قوة إذا بقي الهدف المشترك حاضراً، وشعر جميع المشاركين بأنهم شركاء في القرار، لا مجرد تابعين لقيادة فردية.

فالمشكلة، في رأيها، ليست في وجود الاختلاف، بل في غياب المساحات التي تسمح بإدارته.

حين لا تبقى المرأة وحدها

قد لا تبدو قصة لميس، في ظاهرها، أكثر من مشروع إعلامي لم يرَ النور.

لكنها، في جوهرها، تحكي شيئاً آخر.

لم تتراجع لأن الفكرة ضعيفة، ولا لأن التمويل غائب، بل لأنها لم تجد ما يكفي من الطمأنينة لتبدأ. كانت تعرف أن إطلاق الصفحة قد يكون سهلاً، لكن مواجهة تبعاتها وحدها هي ما أخافها.

ربما لهذا، لا يبدأ السؤال الحقيقي عند عدد النساء اللواتي يصلن إلى مواقع القرار، ولا عند عدد المبادرات التي تطلقها النساء، بل عند ما إذا كانت كل امرأة تجد من يقف إلى جانبها عندما تصبح مشاركتها مكلفة.

فالحضور وحده لا يصنع نفوذاً.

والمقعد، مهما ارتفع، لا يتحول إلى تأثير إذا بقي صاحبه معزولاً.

وتشير شهادات الناشطتين إلى أن النفوذ لا يُبنى بالوصول الفردي، بل بالشبكات التي تحمي هذا الوصول، وبالمجتمعات التي تمنحه الشرعية، وبالقيادات التي تفتح الطريق أمام غيرها، لا التي تنتهي بانتهاء تجربتها.

وربما لهذا، تبدو السياسة، بالنسبة إلى كثير من السوريات، أقل ارتباطاً بالمناصب، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على تحويل المبادرات الفردية إلى فعل جماعي، والخوف إلى تضامن، والحضور إلى قوة يصعب إقصاؤها.

بقي مشروع لميس مجرد فكرة.

لا لأن أحداً قال لها: "لا". بل لأنها لم تجد ما يكفي من الأصوات التي تقول لها: "لن تكوني وحدك إذا قلتِ نعم."

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض