نساء | 27 07 2026
داليا محمد
كانت ساعة يدها الشيء الوحيد الذي طلبت الاحتفاظ به عندما أدخلوها إلى فرع أمن الدولة في دمشق. نزلت قرابة اثنتي عشرة درجة، ثم وجدت نفسها في غرفة لا تتجاوز مترين بمترين، تتقاسم أرضها مع ست أو سبع نساء يفترشن بطانيات عسكرية.
بقيت بملابسها أياماً. ومن تحت الباب الحديدي كانت تتسرب روائح العرق والدم والمراحيض، وفي الليل، بعدما تخف أصوات السيارات في الخارج، كانت تسمع ضرباً في الممرات وامرأة تتوسل وتبكي حتى الصباح.
كانت فداء الحوراني طبيبة نسائية اعتادت سماع صرخات النساء في غرف الولادة، حيث ينتهي الألم غالباً بحياة جديدة. أما في الفرع، فلم تكن تعرف إلى أين تنتهي الصرخات.
وعندما نُقلت إلى مكان آخر، تركت ساعتها للسجينات. في مكان تتشابه فيه الأيام، لم يكن الوقت تفصيلاً صغيراً.
ابنة أكرم الحوراني.. ولكن من تكون فداء؟
ولدت فداء الحوراني في دمشق عام 1956، لعائلة تنحدر من حماة. والدها أكرم الحوراني، مؤسس الحزب العربي الاشتراكي وأحد أبرز وجوه الحياة السياسية السورية في القرن العشرين.
درست الطب في جامعة بغداد، وتخصصت في النسائية والتوليد عام 1982، ثم أسست مشفى الحوراني في حماة. ومن خلال عملها الطبي، بنت علاقة مع المدينة ونسائها وعائلاتها، فيما ارتبطت شعبية المشفى، بمراعاة المرضى الفقراء ومحدودي الدخل.
لم تكن السياسة بعيدة عنها. تروي أنها كتبت مع صديقاتها في المدرسة، تطبيقاً لدرس المنطق: "كل إنسان فانٍ، حافظ الأسد إنسان، حافظ الأسد فانٍ". فُتح تحقيق في المدرسة، لكن الفاعلات لم يُعرفن. وبعد عودتها إلى سوريا عام 1990، نشطت في المؤتمر القومي العربي وكتبت عن دستور 1950 وحالة الطوارئ والانتخابات، ودافعت عن ربط الفكرة القومية بالديمقراطية.
توقيع يفتح باب السجن
في الأول من كانون الأول 2007، انتُخبت الحوراني رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. وبعد نحو أسبوعين، في 16 كانون الأول، اعتقلها أمن الدولة آنذاك ضمن حملة طالت أعضاء في المجلس.
وفي 29 تشرين الأول 2008، حكمت محكمة الجنايات الأولى بدمشق عليها وعلى أحد عشر من قياديي إعلان دمشق بالسجن سنتين ونصف السنة، بتهم بينها "إضعاف الشعور القومي" و"نقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة". وصفت منظمة العفو الدولية المعتقلين الاثني عشر بأنهم سجناء رأي، فيما قالت هيومن رايتس ووتش إن المحاكمة افتقرت إلى شروط العدالة.
خلال التحقيق، طلب منها عناصر الأمن توقيع ورقة تتهم رياض الترك ورياض سيف بالتعامل مع الخارج. أخبروها أنها تستطيع العودة إلى حماة خلال ساعتين إذا وقّعت. رفضت:
"إذا بدي أطلع على حالي بالمراية، هذا الحكي مانه مضبوط. كيف بوقف قدام نفسي؟".
نساء خارج التاريخ والجغرافيا
في سجن دوما، التقت الحوراني نساء لا يستطعن القراءة والكتابة، وأخريات لا يعرفن مواقع المدن السورية. علقت لهن خريطة على الجدار، فقالت لها إحدى السجينات:
"دكتورة، نحن خارج التاريخ وخارج الجغرافيا".
لم ترَ داخل السجن معتقلات سياسيات فقط؛ بل نساء فقيرات وقاصرات وأمهات وصلن إلى الاعتقال من دون محامٍ أو حماية. وتقول إن قدرتها على دفع المال أو الوصول إلى مساعدة كانت تفصل بين سجينة وأخرى.
وخلال اعتقالها، رحّلت السلطات زوجها، الطبيب الفلسطيني غازي عليان، إلى الأردن، وأُغلق مشفى الحوراني بأمر أمني. أُفرج عنها في 16 حزيران 2010، بعد إتمام محكوميتها.
قبل إطلاق سراحها، توعدها عناصر الأمن بعقوبة أشد إذا عادت إلى النشاط. وعندما سألها أحدهم لماذا تصر على ما تفعله، أجابته:
"ماعندك أولاد بدهم يعيشوا بهالبلد؟"
الدم على مقابض الأبواب
بعد أشهر من خروجها، بدأت الثورة السورية في آذار 2011. لم تتصدر الحوراني المظاهرات، نزولاً عند رغبة عائلتها، لكن مشفاها استقبل مصابي الاحتجاجات من حماة ومحيطها.
تقول إنه خلال مظاهرة "أطفال الحرية" وصل عدد كبير من الجرحى، واضطر الأطباء، بسبب محدودية غرف العمليات، إلى اختيار من يملكون فرصاً أكبر للنجاة:
"ملأ الدم دهاليز المشفى ومقابض الأبواب".
جلب الأهالي الشاش والقطن والمناشف والأدوية، وأحاطوا بالمشفى لمنع اعتقال الجرحى. وعندما طالب عنصر أمني بتسليمهم، رفض العاملون، وقالوا إن واجبهم علاج المصابين لا تسليمهم.
بعد اقتحام قوات النظام السابق لحماة في 31 تموز 2011، استُهدف المشفى وتضررت واجهته والعناية المشددة. اختبأت الحوراني أياماً، ثم ارتدت حجاباً ومعطفاً أسود وعبرت الحواجز إلى دمشق. وبقيت هناك إلى أن غادرت مع عائلتها إلى عمّان عام 2013.
امرأة سياسية قابلة للنقد
عادت الحوراني أخيراً إلى الظهور في جلسة حوارية نظمها المنتدى الثقافي السياسي في سلمية بعنوان "الوضع السوري الراهن: الأولويات والإشكاليات". دعت خلالها السلطة الحالية إلى الاستماع إلى صوت المواطنين، واعتماد الوضوح والشفافية في إدارة الشأن العام، كما تحدثت عن دولة تقوم على المواطنة والقانون والمساواة في الحقوق والواجبات.
لكن الجلسة أعقبتها حملة على وسائل التواصل اتهمتها بالسعي إلى "إعادة تدوير البعث"، وربطت مشاركتها بالإرث السياسي لوالدها أكرم الحوراني، أحد مؤسسي الحزب العربي الاشتراكي الذي اندمج لاحقاً مع حزب البعث، رغم أن فداء نفسها بنت مساراً سياسياً مستقلاً قادها إلى رئاسة المجلس الوطني لإعلان دمشق ثم إلى السجن.
لا تقدم الحوراني نفسها بوصفها نسوية تنظيمية. فهي ترى أن مشاركة النساء في العمل الوطني تفتح الطريق أمام حقوقهن، لكنها تنتقد ابتعاد بعض الخطابات النسوية عن لغة المجتمع، وتدعو إلى التدرج. وهو موقف يمكن مناقشته، ولا سيما أن تأجيل قضايا النساء قد يعني إبقاء حقوقهن معلقة إلى أجل غير محدد.
فداء الحوراني ليست شخصية فوق النقد، لكنها أيضاً ليست مجرد ابنة أكرم الحوراني. هي التي خرجت من السجن من دون ساعتها، كذلك من دون أن تضع اسمها على الورقة التي كانت ستعيدها إلى حماة خلال ساعتين. وبين ساعتين كانتا كافيتين لشراء حريتها، وعامين ونصف قضتهما في الاعتقال، اختارت ألا تقول ما لا تستطيع مواجهة نفسها به لاحقاً.
المصادر:



