تقارير | 25 05 2020
في الفرع 215 (فرع الموت)وبإحدى جلسات التحقيق.. أطفأ المحقق الضوء وجاء إليَّ من الخلف ووضع يديه على كتفي وهمس في أذني قائلاً "فيني أعمل فيكي اللي بدي ياه".. الناجية دلال الجادر.
الاستقبال.. شتيمة إهانة وتعرية
"حفلة الاستقبال".. هي أول نصف ساعة من دخول المعتقلة.. ضرب بالهراوات البلاستيكية والخشبية وشتم بألفاظ نابية، ثم التفتيش ويكون بعد تعرية المعتقلة بشكل كامل، تقول الناجية "منى محمد"، كانت معتقلة في فرع 215 بدمشق، المعروف بـ "فرع الموت".
تصف منى مدير الفرع، الذي يترك لنفسه فقط تفتيش المعتقلات والتحرش بهن، بأنه كان بديناً، قصير القامة، أصلع الراس، ويقدر عمره بنحو 60 عاماًن، وأطلقت عليه المعتقلات لقب "أبو بصلة".
"حين وصلت مع فتيات أخريات إلى الفرع استقبلنا السجانون بالضرب المبرح وشد الشعر والكلام المهين، وقائدهم كان يأكل الفستق ويبصق القشور على وجوهنا وهو يقول "والله لنفرجيكم"، تقول منى.
تقول الناجية وردة حسين، التي تم اعتقلت على أحد الحواجز، وتم اعتقال سلفتها، أي زوجة شقيق زوج وردة، فقط لأنها كانت معها "كانوا يتقصدون ضربي وباب مهجع سلفتي مفتوح لكي تسمع صوت صراخي، وتقول لهم اتركوها وعذبوني مكانها".
ونشرت صحيفة "الاندبندت" تقريراً العام الماضي حول معاناة المعتقلات السوريان في سجون الفروع الأمنية التابعة للنظام السوري، واحتوى التقرير على شهادات لمعتقلات تم تعذيبهن واغتصابهن.
في وقت أورد التقرير ما روته معتقلة سابقة عن بقائها في زنزانة مظلمة مع رفات سجينة أخری، حيث ترك السجانون في الزنزانة شفرة حادة بشکل متعمد، واستخدمتها محاولة الانتحار .
كما وثقت منظمة العفو الدولية ظروف وفاة نحو 18 ألف معتقل خلال خمس سنوات في سجون النظام السوري، مشيرة إلى "روايات مرعبة" عن التعذيب، ورجحت أن يكون عدد القتلى أكثر من ذلك، إذ يوجد حالياً أكثر من مئتي ألف شخص بين معتقل ومفقود في سجون النظام منذ 2011.
وتؤكد دراسة أعدتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نحو 40% من النساء المفرج عنهن من المعتقلات يعانين من عاهاتٍ دائمة نتيجة التعذيب الذي تعرضنَ له".
وتشير الدراسة إلى أن "نسبة المصابات بالأمراض المستعصية والأمراض غير المتوفّرة العلاج تبلغ 60% من مجموع النساء داخل السجن، وتتفاقم تلك النسبة بسبب الإهمال المتعمد من قبل نظام الأسد، وتقاعسه عن تقديم العلاج اللازم لتلك الأمراض".
المعتقلات يُقدمن كهدايا!
تقول الناجية مريم خليف، إن رئيس فرع أمن الدولة في حماة اعتاد على تقديم معتقلات إلى أصحابه كهدية لليلة واحدة، وتتابع "كل مساء بعد أذان العشاء بنحو نصف ساعة ينادي السجانون علينا بالاسم، وتذهب كل معتقلة إلى غرفة منفردة للتحقيق والتعذيب".
وهناك 4 أجهزة مخابرات أساسية لدى النظام السوري، عملت جميعها في قمع معارضي النظام، وهي المخابرات العسكرية المعروفة بالأمن العسكري، والمخابرات العامة، والأمن السياسي، والمخابرات الجوية، وتتبع لتلك الأجهزة فروع موزعة على جميع المحافظات، وأبرزها في دمشق.
ويعد الفرع215 (فرع الموت) ويتبع للأمن العسكري في دمشق، أحد أكثر الفروع التي تشهد حالات موت بسبب التعذيب، وهو من أقل الأفرع الأمنية، التي ينجو منها المعتقل مقارنة بالأعداد الكبيرة التي تدخله يومياً.
وطلَّق عد من الأزواج زوجاتهم المعتقلات في سجن عدرا، خلال الزيارة ومن خلف الشبك، رجل قال لزوجته أثناء زيارتها بعد تطليقها: "ما بقبل يتربو أولادي معك، أنت خائنة للوطن"، الناجية مريم حايد.
تضيف مريم، التي تعمل في الدعم النفسي وحتى أثناء اعتقالها، أن بعض المعتقلات ينتظرن يوم الإفراج، وبعضهن تخاف من الخروج من المعتقل ومواجهة الأهل، وهناك معتقلات يخفن من الخروج لرفض المجتمع حالة المعتقلة، ووصمها بصفات سيئة.
عبيدة (28 عاماً)، خرجت من معتقلها لتجد زوجها وقد تزوج بأخرى، وأبلغها قراره بتطليقها، كما هددها في حال طالبت باصطحاب بناتها الثلاثة، بعدم الإنفاق عليهن، واتهامها بأنها مريضة نفسية.
وأعدت منظمة العفو الدولية، العام الماضي، تقريراً حمل عنوان "المسلخ البشري" ويكشف عن عمليات إعدام جماعية يقوم بها النظام السوري بشكل ممنهج في سجن صيدنايا، بريف دمشق، منذ 2011.
"معقول ما اغتصبوكي؟"
لا تتوقف عذابات المعتقلة بمجرد الإفراج عنها، إذ تبدأ رحلة من العذابات والتحديات مع المجتمع ككل وحتى مع أقرب المقربين لها.. زوجها وأولادها، وفي أحيان كثيرة أمها وأبيها وإخوتها.
"عانيت بعد خروجي من السجن من آلام واضطرابات في الهرمون والغدد وفضلت الانعزال وعدم النزول إلى الشارع"... الناجية نعمى علوان.
"أصعب سؤال كان يواجهني: أنت صبية وصغيرة معقولة ما عملوا معك شئ، "معقول ما اغتصبوكي؟".
ياسمين الشأن، تم اعتقالها داخل منزلها بدمشق لمدة 26 يوماً وأجبرها العناصر الذين سكنوا منزلها على تقديم الطعام لهم وغسل منازلهم.
"قائدهم حاول التحرش بي أكثر من مرة، ولما فشل في الوصول لمبتغاه قال لي: ما بقى تطلعي من الفرع بحياتك".. تقول ياسمين.
بساط الريح، الدولاب، الكهرباء، وشتى أنواع التعذيب كانت تمارس على المعتقلات، وكنا نعلق من أيدينا كما يفعل بالمعتقلين الرجلي، تقول الناجية هنادي الحسين، وتروي قصة عن حنان التي لم يأت لزيارتها أحد كباقي السجينات في عدرا، أي السجن المدني، الذي تحول إليه المعتقلات من فروع الأمن.
تقول هنادي "أخذت حنان خصلة من شعري قبل خروجي من السجن لكي تتذكرني، وحُكمت حنان بعد ذلك بالسجن 6 سنوات لنشاطها السلمي في الثورة".
"على جدران المعتقل الكثير من الذكريات والكتابات، كل معتقلة كانت تحفر على الجدار اسمها وتاريخ اعتقالها وعملها".. الناجية منى محمد.
وعلى الجدران حفرت أبيات شعرية بينها "أبكي على شام الهوى"، و"يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما".. كنا نغني تلك الأبيات بصوت عالٍ، الأمر الذي كان يغيظ السجانين.
وبعد خروج مريم خليف، من المعتقل بفرع أمن الدولة في حماة، كان أول طلب لها "خذوني إلى بيت أمي"... "فتحت أمي الباب وحين رأتني قالت "أنا كان عندي بنت اسمها مريم، ومريم ماتت"، أما زوجي.. اتصلت به فأخبرني أنه طلقني، وقال "نحن لا يناسبنا أن تكون زوجة ابنهم معتقلة"، ولكن ومع كل ذلك تقول مريم إن أقصى ما تتمناه أن ترى والدتها من جديد وتقبل رجليها.
وما حدث مع مريم تكرر أيضاً مع سميرة (26 عاماً)، وتقول "استقبلتني نظرات الشك والاتهام من أهلي لحظة خروجي من الاعتقال، وتمنيت الموت حينها"، وأضافت "قرر أهلي أخيراً إرسالي إلى أحد أقاربي في إدلب لأواجه مصيري بمفردي".
بعد طلاق زوجها وتنكر والدتها، تقول الناجية مريم خليف "اعتقلت لقضية عادلة وسيفتخر الجميع بي وبجميع المعتقلات يوماً ما"، وتضيف "تعلمت من تجربة الاعتقال القوة والاعتماد على النفس، وسأثبت للمجتمع الذي رفضني أن المعتقلة قوية وقادرة على إكمال الحياة.. أريد تحقيق هدفي بالاهتمام بأولادي وزوجي الجديد".
نعمى علوان.. "أكملت دراستها وتعمل على توثيق ما تتعرض له المعتقلات في سجون النظام السوري"
حنان (22 عاماً) من ريف إدلب، آثرت بعد خروجها من الاعتقال لدى فرع الأمن العسكري بحماة، مغادرة بلدها هرباً من لوم المجتمع المحيط بها واتهامها بالمخاطرة بحياتها وسمعتها فقط لأنها كانت تذهب إلى جامعتها في مناطق خاضعة للنظام.
المرشدة النفسية ريم العوض من إدلب، قالت لمراسلة روزنة سونيا العلي، إن "تداعيات بعد الاعتقال ليست أقل أذية من الاعتقال ذاته، وأكثر ما يؤلم نظرات المجتمع الممزوجة بالشفقة واللوم والاستغلال".
وأضافت أن "كثيراً من المعتقلات السابقات يعشن حالة من العزلة والحذر المفرط والخوف وكأنهن لا زلن داخل المعتقل"، مشيرةً إلى أن المعتقلات الناجيات تتعرضن للاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة وشعور بعدم الرغبة بالحياة تصل في بعض الأحيان إلى الرغبة بالانتحار".
الصيدلانية سوسن السعيد إحدى المساهمات في تأسيس منظمة بارقة أمل النسائية في ريف إدلب تتحدث عن دوافع تأسيسها قائلة إن "هموم تلك النساء شكل دافعاً قوياً لتأسيس المنظمة بهدف رفع معنويات المعتقلات السابقات وتحسين حالتهن المتدهورة، وإخراجهن من العزلة، إضافة لمساعدة المعيلات منهن، عبر إخضاعهن للتدريب المهني".
وتؤكد دراسة أعدتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نحو 40% من النساء المفرج عنهن من المعتقلات يعانين من عاهاتٍ دائمة نتيجة التعذيب الذي تعرضنَ له".
وتشير الدراسة إلى أن "نسبة المصابات بالأمراض المستعصية والأمراض غير المتوفّرة العلاج تبلغ 60% من مجموع النساء داخل السجن، وتتفاقم تلك النسبة بسبب الإهمال المتعمد من قبل نظام الأسد، وتقاعسه عن تقديم العلاج اللازم لتلك الأمراض".
ولا تزال ٧٥٧١ امرأة سورية قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري منذ آذار ٢٠١١ حتى شباط ٢٠١٧ حسب تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في آذار ٢٠١٧، فيما ترجح بعض المصادر الحقوقية أن عدد المعتقلات في سجون النظام السوري أكثر من أربعين ألف معتقلة والتي لا يمكن توثيقها بسبب سياسة التكتم التي يتبعها النظام السوري.
لعل ما باحت به المعتقلات الناجيات من سجون النظام السوري، يعتبر جزءاً يسيراً جداً مما تتعرض له النساء السوريات المعتقلات، والتهمة فقط أنهن شاركن بنشاطات سلمية في الثورة ضد النظام السوري، أو لأن أحد أقربائهن منخرط في الثورة.
المقابلات مع المعتقلات الناجيات من برنامج (عتم الزنزانة) الذي أعدته وقدمته الزميله رويدة كنعان لـ راديو روزنة.