تقارير وتحقيقات | 14 07 2026
مع اقتراب الذكرى الأولى، فتحت العائلات أبواب بيوتها من جديد، لا للفرح هذه المرة، بل لجلسات العزاء التي تُقام استذكاراً لمن رحلوا. مشهد يتكرر من قرية إلى أخرى، حيث يجلس الأهالي على الأرض ذاتها التي شهدت الفاجعة، يستعيدون الأسماء والوجوه، ويجددون العهد بألا تُنسى دماء من رحلوا.
فما تحتاجه السويداء اليوم، كما تختصره السيدة منى (اسم مستعار) من أهالي المحافظة، هو الأمان والاستقرار، وأن يُترك لأهلها أن يعيشوا كمواطنين سوريين كاملي الحقوق، لا أكثر ولا أقل. جملة بسيطة، لكنها تحمل ثقل عام كامل من الحداد المستمر.

العزاء الذي لم ينتهِ بعد
يقول زياد، وهو متقاعد من أبناء المحافظة، بنبرة يمتزج فيها الحزن بالإصرار: إن أهل السويداء أهل سلم لا حرب، وإن مطالبهم بسيطة في جوهرها: عدم تكرار الهجمات على الريف الغربي، وعدم التحريض على المحافظة من جديد، وعودة المفقودين والأراضي المسلوبة، وتأمين ظروف معيشية كريمة لأهلها.
ويصرّ زياد على أن هذه مطالب إنسانية بحتة، لا سياسية كما يُصوَر أحياناً، وأنها في جوهرها، امتداد لما تعنيه جلسات العزاء نفسها: محاولة لاستعادة الكرامة والسلام في حياة تبدّلت بالكامل.
أما (سمر) اسم مستعار، وهي ناشطة مدنية فضّلت عدم ذكر اسمها، فترى أن مجتمع السويداء لم يعد كما كان قبل الأحداث، وأنه بات بحاجة إلى تحرك عاجل من الدول الضامنة ومنظمات حقوق الإنسان، خاصة في قطاع التعليم، إذ لا يجوز حرمان الطلاب من حقهم في التعليم بسبب ما لم يختاروه. فالفجيعة، كما تصفها ضمناً، لم تتوقف عند فقدان الأرواح، بل امتدت لتطال مستقبل جيل كامل.
جرح لا يكتمل معه العزاء: ملف المفقودين
ليست كل العائلات قادرة على إغلاق باب العزاء؛ فملف المفقودين يبقى، بحسب ما يعبّر عنه أهالي المحافظة، الجرح الأعمق الذي لم يندمل. فبينما تستطيع عائلات الضحايا أن تقيم عزاءها وتستعيد ذكرى من فقدت، تبقى عائلات المفقودين معلّقة بين الحداد والأمل، دون يقين يسمح لها حتى بإتمام هذا الطقس.
خلفية الفاجعة: أرقام خلف كل جلسة عزاء
تعود هذه الجلسات إلى أحداث تموز الماضي، حين شهدت محافظة السويداء، بحسب تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق الدولية المستقلة الصادر نهاية آذار الماضي، "نزاعاً داخلياً معقداً متعدد الأطراف"، راح ضحيته أكثر من 1707 شخصاً، معظمهم من أهالي السويداء إضافة إلى ضحايا من البدو ومن القوات الحكومية. كما نزح نحو 200 ألف شخص، لا يزال حوالي 155 ألفاً منهم غير قادرين على العودة إلى منازلهم.
استند التقرير الأممي إلى 409 شهادات مباشرة من ناجين وشهود عيان. أما اللجنة الوطنية للتحقيق التي شكّلتها الحكومة السورية، فوثّقت من جهتها سقوط 1760 قتيلاً و2188 جريحاً من جميع الأطراف، ورغم تأكيد المتحدث باسمها وجود "توافق جوهري" مع التقرير الأممي، إلا أن كثيراً من أهالي المحافظة ينظرون إلى هذه اللجنة بعدم ارتياح.
وفي هذا السياق، ( ندى) وهي ناشطة حقوقية من السويداء، فضّلت عدم الكشف عن هويتها أيضاً قالت: إن تقرير الحكومة غير مقنع، وإن غالبية سكان السويداء ليس لديهم ثقة بهذه اللجنة الوطنية، وإنهم يحتاجون لجاناً دولية ومحاكم قادرة فعلاً على المحاسبة، معتبرة أن ما حدث ليس أخطاء فردية كما يُدّعى، بل ممنهجاً ومسيّساً.
ويصف الناشط عماد الصحناوي، أحد أبناء المحافظة، تقرير الحكومة بأنه غير مقبول، وأنه ينسجم مع حملة التحريض التي قادتها بعض وسائل الإعلام، مؤكداً أن ما يريده الأهالي هو حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
عام من الفقد.. وحداد لا ينتهي
تقف السويداء اليوم عند مفترق طرق؛ فبينما تسعى الحكومة، عبر لجانها الوطنية، إلى طي صفحة الأحداث عبر مسار محاسبة محلية، يصرّ أهالي المحافظة على تحقيق دولي شامل، ومحاسبة المتورطين، وضمانات بعدم تكرار ما حدث.
وبين هذا وذاك، تستمر جلسات العزاء تُقام من بيت إلى بيت، ومن قرية إلى أخرى، وكأن الحداد في السويداء لم يعد طقساً يمرّ ثم ينتهي، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية لأهلها، ينتظرون فيه العدالة كما ينتظرون عودة المفقودين، بعد عام كامل من الفاجعة.


