صدمة تسعيرة القمح في سوريا.. مزارعون: خسرنا ولن نزرع الموسم المقبل

صدمة تسعيرة القمح في سوريا.. مزارعون: خسرنا ولن نزرع الموسم المقبل

احتجاج مزارعين في الرقة على تسعيرة شراء القمح الحكومية - إنترنت

تقارير وتحقيقات | 17 05 2026

روزنة

أثار قرار وزارة الاقتصاد السورية، الصادر أمس السبت، بتحديد سعر شراء القمح للموسم الحالي عند 4600 ليرة سورية جديدة للطن الواحد من القمح القاسي درجة أولى، موجة غضب واسعة بين المزارعين، وسط تحذيرات من خسائر كبيرة قد تدفع كثيرين إلى ترك زراعة القمح في المواسم المقبلة.

وترجمت حالة الاستياء، اليوم الأحد، إلى احتجاجات وتحركات شعبية في الرقة ودير الزور، إلى جانب كلمة احتجاجية لتجمع مزارعين في جنوبي الحسكة، بينما وصف مزارعون تحدثوا لروزنة التسعيرة بأنها "كارثية" و"لا تغطي حتى التكاليف".

وبحسب السعر الرسمي الجديد المحدد بالليرة السورية، يبلغ سعر طن القمح نحو 336 دولاراً، وفق سعر الصرف المتداول، وهو ما يقول المزارعون إنه أقل بكثير من تكلفة الإنتاج الفعلية، خاصة مع ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات والبذار وأجور الحصاد.

واحتج مزارعون في مدينة الرقة على التسعيرة الجديدة عبر قطع الطرقات المؤدية إلى دوار النعيم، ورفع لافتات تطالب بتعديل التسعيرة إلى 500 دولار أمريكي للطن الواحد.

"نشتري بالدولار ونبيع بالليرة"

المزارع أحمد أبو حمزة من الرقة قال لروزنة إن المزارعين كانوا يعولون على تسعيرة "تنصفهم" بعد موسم وصفه بالمكلف، مضيفاً أن أسعار السماد ارتفعت خلال الموسم من نحو 550 دولاراً إلى ما بين 750 و800 دولار للطن.

وأوضح أن إنتاج طن واحد من القمح يحتاج هذا العام إلى نحو ثلاثة دونمات، بينما تصل تكلفة هذه المساحة إلى قرابة 300 دولار بين بذار وسماد ومحروقات وحصاد ونقل، ما يعني أن هامش الربح يكاد يكون معدوماً، خاصة مع احتمالات خفض السعر عند تصنيف القمح إلى درجات أدنى.

وأضاف: "الفلاح كان ينتظر لحظة خلاصه حتى تأتي الحكومة وتنصفه، لكن الناس اليوم مصدومة"، محذراً من أن كثيراً من المزارعين قد يعزفون عن زراعة القمح أو الذرة الموسم المقبل بسبب تراكم الديون والخسائر.

من جهته، قال المزارع بصراوي عبد السلام من الرقة إن المشكلة لا تقتصر على انخفاض السعر فقط، بل أيضاً على شراء مستلزمات الإنتاج بالدولار بينما يتم بيع المحصول بالليرة السورية، مضيفاً: "سنواجه تحدي فرق سعر الصرف".

وقدّر خسارة الدونم الواحد بنحو 25 دولاراً، محذراً من تراجع المساحات المزروعة الموسم المقبل، مع اضطرار بعض المزارعين إلى بيع أراضٍ لتسديد التزاماتهم.

اقرأ أيضاً: 75 بالمئة من محاصيل القمح مهددة بالتلف.. كيف يؤثر الجفاف على أمن السوريين الغذائي؟

سهل الغاب: "التكاليف أرهقت الفلاح"

وفي سهل الغاب بريف حماة، قال المزارع مصعب الحجي من بلدة الزيارة إن تسعيرة القمح “لا تتناسب مع التكاليف الباهظة للإنتاج”، مضيفاً أن المزارعين تكبدوا هذا العام أعباء إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، إلى جانب الأضرار التي خلفتها الأمطار الغزيرة والسيول.

وأوضح الحجي أن كثيراً من المزارعين كانوا يتوقعون أن يصل سعر الطن إلى نحو 600 دولار حتى يغطي التكاليف ويوفر هامش ربح معقول، مطالباً بربط سعر شراء القمح بالتكلفة الحقيقية للإنتاج، وتأمين مستلزمات الزراعة بأسعار مدعومة.

بدوره، قدّر المزارع طاهر خطاب من قرية الحويز تكلفة زراعة الدونم الواحد بين 75 و80 دولاراً، في وقت يتوقع فيه أن يتراوح إنتاج الدونم بين 200 و300 كيلوغرام فقط بسبب الأمراض الزراعية وغرق بعض الأراضي بالأمطار.

وقال إن الفلاح "ينتظر موسماً كاملاً ليخرج بربح لا يتجاوز 30 دولاراً للدونم، وهذا يعتبر خسارة"، متوقعاً عزوف عدد كبير من المزارعين عن زراعة القمح إذا لم تتم إعادة النظر بالتسعيرة أو تقديم دعم حكومي واضح.

وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة حددت خلال موسم 2025 سعر شراء طن القمح القاسي درجة أولى بـ320 دولاراً، والقمح الطري درجة أولى بـ300 دولار، سواء كان معبأ بأكياس أو "دوكما"، وفق قرار رسمي صدر حينها.

كما نص القرار على منح مكافأة تسويق بقيمة 130 دولاراً عن كل طن قمح يسلمه المزارعون إلى مراكز المؤسسة السورية للحبوب، ما رفع القيمة الفعلية لطن القمح القاسي إلى نحو 450 دولاراً، مقارنة بنحو 336 دولاراً حددتها الحكومة للموسم الحالي 2026.

وشملت تسعيرة الموسم الماضي أيضاً فروقات بحسب درجات القمح ونسبة الشوائب والأجرام، إضافة إلى شروط مرتبطة بإثبات ملكية الأرض أو استثمارها للحصول على مكافأة التسويق.

قد يهمك.. موسم القمح في حماة وإدلب: التغيرات المناخية ترهق المزارعين وتنذر بالجوع

"آخر مسمار في نعش الفلاح"

وفي ريف حلب الشمالي، قال المزارع أبو فادي من دير جمال إنه أنفق نحو 8 آلاف دولار على زراعة عشرة هكتارات، من دون احتساب تكاليف الحصاد والأكياس.

وأضاف أن الوصول إلى نقطة التعادل يتطلب إنتاج أكثر من ثلاثة أطنان للهكتار، وهو أمر غير مضمون هذا الموسم.

أما في دير الزور، فقال المزارع عبد الحكيم لروزنة إن أسعار السماد والري والمحروقات وأجور الحراثة "استنزفت الفلاح"، مشيراً إلى أن محصوله تضرر بسبب الأمطار والرياح، وقد لا يتجاوز إنتاج الدونم الواحد 180 كيلوغراماً.

وأضاف: "كنت أنوي زراعة القطن والذرة صيفاً، لكن بعد ارتفاع المازوت تراجعت عن الفكرة (...) أفكر حالياً بالهجرة".

وفي الرقة، وصف المزارع صهيب العلي التسعيرة الجديدة بأنها “آخر مسمار في نعش الفلاح”، مؤكداً أن معظم المزارعين يعانون أصلاً من ديون متراكمة منذ سنوات، بينما ارتفعت أسعار المحروقات والأسمدة بشكل كبير خلال الموسم الحالي.

وقال إن "السواد الأعظم من الفلاحين اشتروا مستلزمات الزراعة بالدين ومن التجار (...) الخسائر هذا الموسم مؤكدة بنسبة مئة بالمئة".

ويتوقع خبراء مناخ أن يكون لتغير المناخ تأثيراً شديداً على موارد المياه في سوريا، ما سيقلل إجمالي المياه المتاحة سنوياً بنسبة 32% في العام 2050. وفي الوقت نفسه، سيزداد الطلب على المياه بنسبة 15% نتيجة للنمو السكاني.

جفاف 2025: يشرد أكثر من 95% من مزارعي غوطة دمشق عن بساتينهم

فلاحو درعا والقنيطرة يحتجون

وفي سياق الاعتراضات المتصاعدة، وجّه اتحاد فلاحي درعا كتاباً رسمياً إلى الاتحاد العام للفلاحين، طالب فيه إعادة النظر في تسعيرة القمح للموسم الحالي، معتبراً أن السعر المحدد "مجحف" ولا يغطي التكاليف المرتفعة التي يتحملها المزارعون، من بذار وحراثة وأسمدة ومبيدات وحصاد ونقل.

وأشار الكتاب، الموقع من رئيس اتحاد فلاحي درعا ومديري مكتبي التسويق والشؤون الزراعية، إلى أن الاتحاد سبق أن قدّم دراسات تفصيلية حول ارتفاع تكاليف الإنتاج، مطالباً بتحديد سعر يضمن هامش ربح عادل للفلاحين.

بدوره، أعلن اتحاد فلاحي القنيطرة تضامنه مع مطالب المزارعين، معتبراً أن التسعيرة الحالية "خيبت آمال الفلاحين"، محذراً من أن استمرار العمل بالتسعيرة الحالية قد يدفع عدداً كبيراً من المزارعين إلى العزوف عن زراعة القمح في المواسم المقبلة، أو الامتناع عن تسليم محاصيلهم للدولة هذا الموسم.

وتضرر القطاع الزراعي في سوريا بفعل سنوات الحرب، إذ أصبحت البلاد تحتل المرتبة السادسة عالميا في انعدام الأمن الغذائي الحاد، بحسب تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2024، إلى جانب وجود نحو 12 مليون سوري يعانون انعدام الأمن الغذائي.


ويأتي الجدل حول تسعيرة القمح، في وقت كانت فيه المؤسسة السورية للحبوب قد توقعت، في تصريحات سابقة خلال نيسان/ أبريل الماضي، أن يصل إنتاج القمح في الموسم الحالي إلى نحو 2.5 مليون طن، وسط مؤشرات وصفتها بـ"الإيجابية" للموسم الزراعي.

وقال مدير المؤسسة، حسن العثمان، في تصريح لوكالة "سانا"، إن حاجة سوريا السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، معتبراً أن الموسم الحالي قد يعزز فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم الأمن الغذائي في البلاد.

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة غضب واستياء واسعة وسط تحذيرات من انعكاسات القرار على الأمن الغذائي والثروة الحيوانية والواقع الاقتصادي في المنطقة التي تعد الخزان الزراعي الأهم في سوريا.

ويخشى مزارعون من أن تؤدي التسعيرة الحالية إلى تراجع كبير في زراعة القمح الموسم المقبل، في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل أساسي على الإنتاج المحلي لتأمين الخبز والحد من الاستيراد.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon