تقارير وتحقيقات | 8 02 2026
حبيب شحادة
"الجفاف الذي ضرب المنطقة لم يترك لنا من الغوطة شيء"، قال أبو جهاد، وهو مزارع يسكن في غوطة دمشق خسر محاصيله الزراعية نتيجة قلة الأمطار، وانخفاض مستويات المياه الجوفية المستخرجة من الآبار الارتوازية والتي كانت تكلفة استخراجها تفوق قدرته المادية.
يقول المزارع الستيني لـ "روزنة": "إنّ عام 2025 كان الأسوء من ناحية قلة الأمطار"، وذلك بعد سنوات من تذبذب كميات الهطل المطري. إذ فقدَ مساحات كبيرة من بساتينه المزروعة بمختلف أنواع أشجار الفواكه، وكذلك موسم الخضروات كما قال.
ويوضح أن تقديرات ميدانية تشير إلى تراجع نسبة الأراضي المزروعة خلال الموسم الفائت والحالي، لأسباب منها قلة المياه الجوفية وارتفاع تكاليف المحروقات اللازمة لعمل مضخات المياه. مشيراً إلى أنه كان عازماً على التوقف عن الزراعة لو لا تحسن كميات الهطل المطري مؤخراً.
قصة المزارع أبو جهاد الذي خَسر محاصيله بسبب الجفاف ليست حالة فردية، إنها نافذة على واقع آلاف المزارعين بريف دمشق وغيرها من المناطق الزراعية الأخرى في سوريا، وفق ما تُظهر بيانات وتقارير منظمات دولية، وتبين أن أكثر من 95 بالمائة من الأسر التي تعمل بالزراعة تكبدت خسائر في محاصيلها خلال عام 2025.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن الجفاف يمثل كارثة هيكلية تضاف إلى تدهور البنية التحتية ما أثر على أكثر من 75% من المحاصيل المزروعة.
جفاف مُدمّر للزراعة
تركَ الجفاف الذي ضرب سوريا عام 2025، والأشدّ منذ أربعة عقود، أثرٌاً مدمراً على المجتمعات الزراعية في مناطق مختلفة بريف دمشق منها منطقة الغوطة. فبعد أن كانت هذه المناطق تُعتبر سلة غذاء حيوية للعاصمة، باتت اليوم تواجه أزمة إنسانية عميقة، مع انتشار فشل المحاصيل، وانهيار سبل العيش، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي والمائي، وفق تقييم لتحالف المجتمع السوري.
وأظهر تقرير أنتجه تحالف المجتمع السوري، يضم المجلس النرويجي للاجئين، واللجنة الدولية للإنقاذ، وأوكسفام، أن أكثر من 95% من الأسر الزراعية تكبدت خسائر في المحاصيل. ومنهم أبو جهاد من غوطة دمشق.
وبينت النتائج كذلك، أنّ 14% من الأسر خسرت كامل محصولها تقريبًا. فيما انخفضت غلة القمح والشعير بنسبة تصل إلى 75%، واضطر العديد من المزارعين إلى التخلي عن الزراعة بسبب ندرة المياه وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، إضافةً هشاشة البنية التحتية المائية والزراعية.
فقدان الدخل
لم تقتصر تداعيات الجفاف على خسارة المحاصيل، إنما تعدتها إلى انعدام دخل 98 بالمائة من المزارعين، ما فاقم سبل العيش بشدة، ونظرًا لاعتماد 92 بالمائة من الأسر على الزراعة وعدم وجود شبكات أمان اجتماعية رسمية، لجأت المجتمعات المحلية إلى بيع الأصول وتقليص الإنفاق الأساسي بشكل كبير للبقاء على قيد الحياة.
وهذا ما حصل مع المزارع أبو جهاد الذي اضطر لبيع بعض الأبقار التي كان يملكها في مزرعته بقصد توفير مصاريف عائلته المعيشية وإلى تأجير بعض بساتينه التي فشل محصولها لمربي أغنام ببدل زهيد.
تدهور الأمن الغذائي
حذر تقرير تحالف المجتمع السوري من أن انعدام الأمن الغذائي يعد مشكلة حادة. فبينما تستوفي 95% من الأسر نظرياً الحد الأدنى لاستهلاك الغذاء، إلا أن ذلك يُخفي واقعاً قلقاً تمثل في انخفاض الكمية والجودة. حيث أفاد 93% من المشاركين في استطلاع التقرير بتراجع فرص حصولهم على الغذاء، بينما قال 76% إن طعامهم "لا يكفي أبدًا".
وبحسب نتائج التقرير تعتمد الأسر بشكل متزايد على المواد الغذائية الأساسية الرخيصة على حساب التغذية، إذ قلّص أكثر من نصفها الإنفاق على الغذاء والنظافة وحتى الطاقة.
كذلك، يهدد الجفاف بنقص حاد في الغذاء لأكثر من 16 مليون سوري، وسط تحذير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في أيار/مايو 2025، من أن جفاف العام الفائت قد يؤدي إلى فشل يقدر بنحو 75% من محصول القمح المحلّي، أي ما يكفي لإطعام 16.3 مليون شخص لعامٍ كامل.
وفي يونيو/حزيران 2025، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من موجة جفاف حادة تضرب سوريا، أثرت بشكل مباشر على بساتين غوطة دمشق، التي تعاني من انخفاض حاد في المياه وانهيار البنية التحتية الزراعية.
تدهور بيئي
وتفاقمت الأزمة بسبب النزاع المستمر، والتدهور البيئي، وتغير المناخ، حيث خسرت غابات سوريا ثلث غطائها النباتي منذ 2025، ما هدد الأمن الغذائي والحياة اليومية للمزارعين كحال أبو جهاد الذي يتمنى لموسم هذا العام أن يكون مختلفاً عن سابقيه.
وكان بدأ الموسم المطري الحالي ضعيفًا نسبيًا في الخريف، وتأخرت الهطولات المطرية حتى الشتاء وتوزعت كميات الهطول بالنسبة للمعدل العام كما يلي: في المنطقة الجنوبية 60–65%، والساحلية والوسطى 55–60%، والشمالية 45–50%، والشرقية والجزيرة 35–45%.
وبحسب رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية شادي جاويش، يمكن لموسم جيد أن يخفّف آثار الجفاف، لكنه لا يعوّض العجز الكامل الناتج عن الجفاف السابق ما يستلزم دراسة إضافية من الموارد المائية والزراعة.
وكانت شهدت سوريا في السنوات الأخيرة موجات جفاف متكررة، وانخفض معدل الهطول المطري إلى النصف في أغلب المناطق، لكن العام الماضي 2025 سُجل جفاف حاد بسبب تراجع الهطولات وانخفاض المياه الجوفية، إذ تُظهر الأرقام الحالية تراجعًا كبيرًا في الأمطار التي بلغت كميتها في حمص 37 مم حتى منتصف يناير/كانون الثاني 2025، ما يعكس تغيرًا مناخيًا مقلقًا أثر سلبًا على الإنتاج الزراعي.
ورغم هطولات شتوية مبشرة في بداية عام 2026، لا تزال المخاوف قائمة من تفاقم الجفاف، خاصة مع توقعات بانعدام الأمن الغذائي بحلول أواخر عام 2025 وحتى منتصف عام2026، لكن المزارع أبو جهاد عزم على زراعة بساتينه بالقمح والعناية بها مستبشراً بكميات الهطل المطري الذي تساقط مؤخراً.
