تقارير وتحقيقات | 8 12 2025
حبيب شحادة
بعد عام كامل على سقوط النظام السوري السابق، ما تزال مناطق الساحل ذات الغالبية العلوية، تعيش حالة من التقلّب السياسي والاقتصادي والأمني. فقد انعكس الانهيار المفاجئ لمؤسسات النظام السابق على المجتمعات المحلية بطرق متعددة، أبرزها تعدّد الجهات التي أعلنت تمثيلها للطائفة العلوية، وتراجع سوق العمل في المناطق التي كان جزء كبير من سكانها يعتمدون على الوظائف الحكومية والعسكرية.
أظهر انتقال السلطة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة حجم الفجوة التي خلفها غياب الجهاز الإداري والأمني السابق في الساحل. إذ خسر آلاف الموظفين في قطاعات الدولة وظائفهم، وهو ما تسبب بضغوط معيشية كبيرة، خاصة في ظل محدودية البدائل الاقتصادية وغياب بيئة عمل مستقرة.
ويعد هذا التحول من أبرز التحديات التي تواجه سكان الساحل، حيث ترتبط بنية الاقتصاد المحلي منذ عقود بمؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التي أعيد تنظيمها خلال العام الماضي.
مع تكرار حوادث الانتهاكات والقتل والخطف في الساحل وريف حماة وحمص، برزت خلال الأشهر الأخيرة عدة تيارات ومجالس، من بينها "المجلس الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر" برئاسة الشيخ غزال غزال، الذي بات وفق متابعين للتحركات المحلية جهة مؤثرة لدى فئات من المجتمع العلوي، مع تعدد البيانات الصادرة عنه ودعوته إلى تحركات سلمية ضد الانتهاكات.
وقد دعا المجلس إلى احتجاجات عقب حادثة قتل في حمص (زيدل)، لتشهد مدن الساحل بالفعل مظاهر احتجاجية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
وتزامنت هذه الدعوة مع نشر وكالة "رويترز" تحقيقاً يتحدث عن وجود ضباط سابقين من النظام السابق مقيمين في روسيا يدعمون مجموعات محلية بهدف التأثير في الأوضاع الأمنية في الساحل. وقد أعطى هذا التقرير زخماً إضافياً للنقاش الدائر حول مصادر التوتر في المنطقة.
ويشير بيان غزال إلى أن "الضغط على المدنيين عبر التهديد بلقمة العيش أو النقل الوظيفي أو الترهيب" يدفع السكان إلى المشاركة في الاحتفالات الرسمية، بحسب وصفه، معتبراً أن "الجراح التي تركتها السنوات الماضية لم تُعالج بعد".
دعوة للإضراب العام
بالتزامن مع مرور عام على سقوط النظام السابق، خرج الشيخ غزال في بيان جديد يوم السبت 6 كانون الأول/ ديسمبر الجاري طالب فيه بـ "الإضراب العام لمدة خمسة أيام"، يبدأ في الثامن وينتهي في الثاني عشر من كانون الأول/ ديسمبر الجاري. ودعا "كل حر شريف يؤمن بالحرية الحقيقية" إلى المشاركة في الإضراب، معتبراً أن التحرك هو موقف أخلاقي في مواجهة ما وصفه بالاستبداد المتصاعد.
وقال غزال في بيانه: "إن الحكومة السورية الانتقالية تسعى إلى الاحتفال بذكرى استبدال نظام ظالم بنظام أشد ظلماً".
وأضاف، أن "الضغوط التي تُمارس ضد المدنيين، من تهديد بلقمة العيش، إلى الفصل من العمل، والنقل التعسفي، والقهر، والترهيب، تهدف إلى إجبار الناس على المشاركة في احتفالات تُقام على دماء المتضررين وآلامهم، في تجاهل فاضح للجراح العميقة التي خلفتها السنوات الماضية".
وشدد على أن "الظلم تفاقم وأن أصوات المظلومين سُكتت، ما أدى إلى اتساع دائرة الانتماء إلى فكر ظلامي تكفيري نتيجة غياب العدالة وتفاقم القهر".
مقاربة سياسية: ارتباط الدعوة بزيارة مجلس الأمن
السياسي السوري فاتح جاموس يرى أن الدعوة للإضراب لا يمكن فصلها عن زيارة وفد مجلس الأمن إلى سوريا، مشيراً في حديثه لـ"روزنة" إلى أن توقيت الدعوة قد يضع السلطة الانتقالية أمام اختبار يتعلق بكيفية تعاملها مع أي احتجاجات داخل مناطقها.
ويُدرج جاموس دعوة الشيخ غزال ضمن محاولة لقيادة جمهور محدد في الساحل وتوجيهه، معتبراً أن "أساليب الحشد تشبه أساليب السلطة في الاستقطاب"، وأن هذه الدعوات تجري في سياق تنافس بين قوى سياسية مختلفة تحاول التأثير في الجمهور العلوي خلال المرحلة الانتقالية.
ويضيف أن تكرار الدعوات ذات الطابع المجتمعي أو الطائفي "قد يشجع على الانقسام" بدلاً من دفع العمل الوطني باتجاه أكثر شمولية.
مخاوف الموظفين بين المشاركة والامتناع
تُظهر شهادات من الساحل حجم التردد بين الرغبة في المشاركة في الإضراب والخوف من تبعاته.
"علي"، وهو موظف في مديرية تربية اللاذقية، يقول لـ"روزنة":
"بتمنى شارك بالإضراب، بس إذا خسرت شغلي شو بدي أعمل؟ ما في فرص بديلة."
وفي المقابل، يرى موظفون فُصلوا من عملهم أن الإضراب فرصة لإيصال صوتهم.
شادي، وهو موظف مدني سابق في مرفأ اللاذقية ومفصول منذ أشهر، يقول: "نحن أصلاً مضربين قسرياً… ما في شغل ولا راتب. الإضراب فرصة نطالب بحقوقنا."
وتتوقع مصادر أهلية أن يشمل الإضراب توقفاً جزئياً عن الدوام في المدارس والجامعات، وأن تختلف المشاركة بين مدينة وأخرى بحسب الوضع الأمني والمعيشي.
وما يخاف منه "علي" ليس حالة استثنائية، بل جزء من ظاهرة تتسع في ظل إجبار موظفين على المشاركة في الاحتفال بذكرى سقوط النظام كما حصل في قرى بريف اللاذقية، حيث عمدت مؤسسات حكومية إلى إرسال وسائل نقل إلى قرى العلويين لنقلهم إلى الحفة أو اللاذقية للمشاركة باحتفالات التحرير، وفق ما أكدت مصادر أهلية لـ "روزنة".
"سنشارك"
بينما يخشى "علي" المشاركة، هناك آخرين فُصلوا من وظائفهم المدنية والعسكرية سيشاركون في الإضراب، "ليس لدينا عمل ولا دخل، وأصلاً نحن نُنفذ إضراب إجباري"، كما قال شادي، وهو موظف مدني كان يعمل في مرفأ اللاذقية فُصل من عمله بعد 20 سنة خدمة عامة.
ومثل شادي كثيرين سيشاركون في الإضراب نتيجة فقدانهم العمل وعدم قدرتهم على إيجاد فرص أخرى لإطعام عائلاتهم وسط وضع أمني غير مستقر.
تعليقاً على ذلك، يوضح جاموس أن مصلحة كل الموظفين المفصولين المشاركة في الإضراب للدفاع عن حقهم بالعودة لعملهم، إذ "سرحوا على أسس تعسفية وطائفية"، وفق قوله.
في المقابل، هناك أصحاب أعمال ومهن حرة قالوا لـ "روزنة" بإنهم لن يشاركوا في الإضراب وسيذهبون لعملهم كما حال غزوان وهو شاب يعمل في مهنة النجارة في اللاذقية. ويقول لـ "روزنة" "في حال ما اشتغلت ما بحسن طعمي ولادي".
وبين من قرر المشاركة وعدم المشاركة، سيشهد الإضراب عدم إرسال الأطفال للمدارس وكذلك طلاب الجامعات وفق ما قال عدد من سكان اللاذقية لـ "روزنة".
إلى ذلك يُظهر استمرار التجاذب السياسي بين مختلف مكونات المجتمع السوري بعد عام على سقوط النظام أن الفعاليات والقوى الوطنية السورية ما تزال غائبة، وفق قول جاموس، مشيراً إلى أن الوقت قد حان لتقود تلك القوى العمل الوطني وتسحبه من النفوذ الطائفي إلى إطار العمل الوطني الموحد القادر على تجاوز الديكتاتورية السابقة والسلطة القائمة.
