عدالة انتقالية | 27 10 2026
لودي علي
في حياة كل عائلة سورية تنتظر مفقودًا، يستمر صراع بين الأمل والخوف، فيما لا يقدّم الواقع إجابة حاسمة عن مصير الغائب. فلا العائلة تملك ما يكفي لتودّعه، ولا ما يكفي لتطمئن إلى عودته. إنها تجربة الفقدان الغامض، حيث يستمر الغياب من دون يقين، ويبقى الحداد معلّقًا على إجابة قد لا تأتي.
الفقدان الغامض: عندما لا يُسمح للحداد أن يبدأ
في سوريا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 130 ألفًا و300 ألف، تعيش عائلات كثيرة حالة نفسية لا تُختصر في الحزن ولا في الحداد.
توضح الأخصائية النفسية بثينة العمادي أن تجربة ذوي المفقودين "معقدة، ولا يمكن تفسيرها على أنها حالة حزن أو حداد عادية". ويُعرف هذا النوع من الفقدان بـ"الفقدان الغامض"، حيث يبقى مصير الشخص مجهولًا، فلا تستطيع عائلته التأكد من وفاته أو الاطمئنان إلى عودته. ويجعل غياب المعلومات الحاسمة التعايش مع الفقد أكثر تعقيدًا، إذ يبقى الأمل قائمًا بالتوازي مع الخوف من الخسارة النهائية.
يشرح كتاب الفقد الغامض أن نقص المعلومات بشأن مصير الشخص المفقود يُبقي التجربة بلا حسم، ويولّد مشاعر متضاربة لدى أفراد الأسرة، بين الأمل بعودته والخوف من فقدانه نهائيًا. ويجعل هذا الغموض اتخاذ القرارات المتعلقة به وبالحياة الأسرية أكثر تعقيدًا.
آلية الإنكار: كيف يحمي الدماغ نفسه؟
"على عكس الحداد الذي يعقب وفاة مؤكدة، يحرم الاختفاء الأسر من إمكانية إغلاق هذا الفصل. فالأمل والحزن يتعايشان لسنوات، بل لعقود أحيانًا – وتصف الأسر هذا التعايش غير المحسوم بأنه الجزء الأصعب في تجربتهم، أكثر من أي معاناة منفردة."، ذلك وفق تقرير الاحتياجات النفسية لعائلات المفقودين في سوريا، الذي أعدته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وترى الأخصائية النفسية بثينة العمادي أن التمسك بالأمل قد يؤدي، في بعض الحالات، دورًا دفاعيًا يساعد ذوي المفقودين على تخفيف الألم النفسي. وتربط العمادي هذا السلوك بآلية الإنكار في المدرسة التحليلية النفسية. لكن التمسك بالأمل لا يعني بالضرورة إنكار احتمال الوفاة؛ فقد يستمر لدى العائلة لأن مصير المفقود لم يُحسم، ولأنها لا تملك معلومات مؤكدة تسمح لها بالوصول إلى نتيجة نهائية.
عندما يختفي شخص لسنوات من دون معلومات عن مصيره، قد تلجأ عائلته إلى البحث عن تفسيرات محتملة لهذا الغياب. وفي بعض الحالات، قد يميل الإنسان إلى التركيز على المعلومات التي تنسجم مع اعتقاداته السابقة، وهي ظاهرة تُعرف بالتحيز التأكيدي. لكن لا يمكن افتراض أن كل عائلة تتمسك باحتمال عودة مفقودها تقع في هذا النمط من التفكير.
وقد تتداول العائلات احتمالات مختلفة، مثل أن يكون المفقود محتجزًا في مكان لم يُكشف عنه، أو أنه نُقل إلى مكان آخر. وتظل هذه احتمالات لا يمكن تأكيدها أو نفيها من دون معلومات وأدلة مستقلة.
نتائج الانتظار الطويل
توضح رانيا محنا أن الانتظار الطويل يبقي ذوي المفقودين في حالة ترقّب مستمرة، وقد يؤثر الضغط النفسي المصاحب لها في الانتباه والتركيز واسترجاع الذكريات. كما قد تصبح التفاصيل المرتبطة بالمفقود، مثل ملامحه وصوته وطريقة حديثه، أكثر حضورًا في الذاكرة، ما قد يؤثر في تفسير الصور أو الأصوات التي يعتقد أفراد العائلة أنهم تعرّفوا إليها.
وتشرح محنا أن التوقعات والمعلومات السابقة قد تؤثر في طريقة تفسير ما يراه الإنسان أو يسمعه، وهي عملية تُعرف بالمعالجة من أعلى إلى أسفل. لذلك، قد يعتقد أحد أفراد العائلة أنه رأى مفقوده أو تعرّف إلى ملامحه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن التعرّف كان دقيقًا.
بين صدق التجربة ودقة التفاصيل
تؤكد محنا أن التعامل مع هذه الروايات يتطلب التمييز بين صدق التجربة النفسية ودقة تفاصيلها. فقد يكون الشخص صادقًا تمامًا عندما يقول إنه رأى مفقوده، لكن ذلك لا يثبت بالضرورة أن الشخص الذي رآه هو فعلًا قريبه. وفي المقابل، لا يجوز وصفه بأنه يتوهّم أو يختلق روايته لمجرد أن التعرف لم يُثبت.
فالضغط النفسي أو شدة التعلّق بالمفقود لا يكفيان للحكم على صحة الذاكرة أو عدم موثوقيتها. وتبقى شهادة العائلة مهمة لفهم تجربتها ومسار بحثها، لكنها تحتاج، مثل أي معلومة صحفية، إلى التحقق والمقارنة مع مصادر وأدلة مستقلة.
شهادات من الواقع..
تظهر هذه المفارقة بوضوح في شهادات عائلات المفقودين. تروي أم محمد زغلول أنها شاهدت ابنها في بث مباشر يوم التحرير، وهو يخرج من سجن صيدنايا. وبعد ذلك، أمضت ثلاثة أشهر في البحث عنه بين المشافي والشوارع والحدائق، لكنها لم تعثر عليه. ورغم غياب أي معلومة تحسم مصيره، لا تزال تؤمن بأنه على قيد الحياة وأنه سيعود يومًا ما.
أما نيرمين، التي فُقد شقيقها منذ عام 2013، فترجّح وفاته، لأنها لم تجده بين الذين خرجوا من السجون. لكن والدتها تتمسك باحتمالات أخرى، وتعتقد أن ابنها قد يكون محتجزًا في سجن لم يُكشف عنه، أو أنه نُقل إلى خارج البلاد. كما تصدّق بعض المنشورات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، مدفوعةً برغبتها في التمسك بالأمل وعدم فقدان احتمال عودته.
ماذا يعني ذلك للصحفيين والمحيطين؟
تؤكد العمادي أن التعامل مع ذوي المفقودين يتطلب حساسية تجاه حالتهم النفسية، وتجنّب مواجهتهم بصورة قاطعة بأن ما يروونه مجرد أوهام. وفي المقابل، لا ينبغي تعزيز آمالهم بمعلومات غير مؤكدة أو تقديم احتمالات غير مثبتة على أنها حقائق.
وتشدد محنا على أهمية احترام التجربة الإنسانية للعائلات، مع التمييز بين تصديق مشاعر الشخص وتأكيد صحة ما يرويه. فالإصغاء إلى العائلة والتعامل مع روايتها بجدية لا يعنيان الجزم بأن كل تفاصيلها دقيقة، بل يقتضيان التحقق من المعلومات بصورة مستقلة قبل نشرها.
بالنسبة إلى الصحفيين، تزداد أهمية هذا التمييز عند تغطية قضايا المفقودين؛ إذ قد تتحول رواية شخصية أو منشور غير موثّق على وسائل التواصل الاجتماعي إلى خبر تتداوله وسائل إعلام أخرى، فتُمنح رواية غير مؤكدة صفة الحقيقة. لذلك، ينبغي توضيح ما هو معروف وما لا يزال مجهولًا، ونسبة المعلومات إلى مصادرها، وعدم تقديم الأمل أو الاعتقاد الشخصي بوصفه دليلًا على مصير المفقود.
الذاكرة ليست خائنة ولا دليلًا قاطعًا
تتأثر الذاكرة بعوامل متعددة، منها الضغط النفسي ومرور الوقت وتكرار استعادة الأحداث والمعلومات التي يسمعها الشخص من الآخرين. وقد تؤثر هذه العوامل في طريقة تذكّر التفاصيل أو تفسيرها، لكنها لا تعني بالضرورة أن الذكريات المرتبطة بالتجارب الصادمة غير دقيقة.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع شهادة ذوي المفقودين باعتبارها غير موثوقة لمجرد أنهم يعيشون تحت ضغط نفسي، كما لا تكفي قوة اقتناعهم أو ألمهم لتأكيد كل تفصيل يروونه. فالشهادة تحمل قيمة إنسانية مهمة، وقد تساعد في فهم تجربة العائلة ومسار بحثها عن الحقيقة، لكنها تحتاج، مثل أي معلومة صحفية، إلى التحقق والمقارنة مع مصادر وأدلة مستقلة.
في قضايا المفقودين، لا يقتصر التحدي على البحث عن إجابة لمصير الغائب، بل يشمل أيضًا التعامل بمسؤولية مع عائلات تعيش بين الأمل والخوف، في ظل غياب المعلومات. وبين احترام رواياتها والتحقق من الوقائع، تقع على الصحافة مسؤولية نقل المعاناة من دون التشكيك الجارح بأصحابها، ومن دون تحويل ما لم يُثبت بعد إلى حقيقة مؤكدة.



