عدالة انتقالية | 21 02 2026
لودي علي
استنكر ذوو المفقودين عرض المسلسل منذ حلقاته الأولى، وطالبوا بإيقافه أو مقاطعته. وتوضح المسؤولة عن خيام الحقيقة في منطقة داريا بريف دمشق، وهي من ذوي المفقودين أيضًا، أن كثيرًا من الأهالي شعروا بالألم عند مشاهدة مشاهد العمل الدرامي، مؤكدين عدم رضاهم عنه.
وترى أن بعض العائلات تعتبر أن المسلسل لا يعكس وجعهم الحقيقي، فيما يشعر آخرون بأنه يفتح جروحهم ويستهين بآلامهم، إضافة إلى رفضهم مشاركة ممثلين سبق أن دعموا النظام السابق في هذه الأعمال.
"لا أستطيع مشاهدة هذه المسلسلات، جرحنا كبير"
تفتح الجروح
تقول أم شادي، والدة أحد المفقودين: "لا أستطيع مشاهدة هذه المسلسلات، جرحنا كبير. أنا ضد هذه الأعمال التي تفتح جروح الأمهات والأيتام والأرامل. نريد من يقوينا، ويجبر ضررنا، ويمنحنا الحقيقة، لا أعمالًا تجارية تجمع المال من وجعنا. هناك الكثير من الأمهات لا يتحمّلن ذلك".
محاولات درامية وحدود التمثيل
من جانبه، أوضح جابر بكر، الباحث والكاتب المتخصص في دراسة سجون الأسد وحفظ السردية والتاريخ الشفوي، أن تناول السجون في الدراما السورية يثير جدلًا واسعًا حول مدى دقته مقارنة بشهادات معتقلين سابقين. وأضاف أن هذه الشهادات تتحدث عن تعذيب ممنهج، وسوء ظروف الاحتجاز، وحالات وفاة تحت التعذيب، وهي وقائع يصعب نقلها دراميًا بسبب الحاجة إلى أعداد كبيرة من الممثلين، وتكاليف إنتاج مرتفعة.
"الدراما تميل إلى التركيز على قصص فردية، وغالبًا ما تغفل الآثار الجسدية والنفسية العميقة للتعذيب"
وأشار بكر إلى أن الدراما تميل إلى التركيز على قصص فردية، من دون أن تجسد الواقع كاملًا، وغالبًا ما تغفل الآثار الجسدية والنفسية العميقة للتعذيب. كما اعتبر أن تصوير الاعتقال على الحواجز يبدو مبسّطًا وغير دقيق، وأن بعض الأعمال تعيد إنتاج سرديات عامة من دون بحث معمّق، ما قد يؤدي إلى تشويه الحقيقة.
وأكد أن رابطة عائلات الضحايا تحتفظ بحق الطعن في أي عمل ترى أن سرده يتعارض مع التوثيق المعتمد، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الدراما تبقى مشروعًا فنيًا سيستمر بمحاولاته نظرًا لأهمية الموضوع، رغم ما يرافقه من انتقادات أخلاقية، مثل تمثيل ممثلين كانوا موالين للنظام السوري السابق ورئيسه الأسد سابقًا لأدوار ضحايا، أو إدراج تفاصيل غير دقيقة تقلل من مصداقية الأحداث.

عائلات قيصر
بدورها أصدرت رابطة عائلات قيصر بياناً رفضت فيه عرض المسلسل، معتبرة أن تحويل معاناة المعتقلين والمغيبين قسراً إلى عمل درامي للترفيه يمسّ بكرامة الضحايا، خصوصاً أن آلاف العائلات لا تزال تجهل مصير أبنائها. وأكدت الرابطة أن الأولوية يجب أن تكون لكشف الحقيقة وتحديد مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بدلاً من تحويل هذه القضية الإنسانية إلى مادة درامية قبل تحقيق العدالة.

آلامنا ليست للترفيه
كما أصدرت خيمة الحقيقة في سلمية وريفها وتجمع "لن ننسى" بياناً مماثلاً، جاء فيه:
"آلامنا وجراحنا ليست للترفيه، ودماء شهدائنا ليست مادة للمتاجرة أو الاستثمار الإعلامي.
نرفض إعادة تدوير المأساة أو تزييف الأدوار، بحيث يتم تقديم أشخاص أو جهات كانت جزءاً من منظومة القمع سابقاً في موقع الضحية، بينما لم تتحقق العدالة بعد.
أولويتنا ليست الدراما، بل العدالة.
محاسبة المسؤولين عن قتل أبنائنا وتعذيبهم وكشف الحقيقة عن المغيبين قسراً هي مطالبنا الأساسية.
جراحنا ما زالت مفتوحة، وكرامة شهدائنا ليست مشهداً تلفزيونياً.
العدالة أولاً… ثم أي شيء آخر.
الشهداء أمانة، وحقوقهم لا تسقط بالتقادم."
رفض شعبي
ويستعرض المسلسل، وفق ما أعلن سابقاً، 30 حلقة مقسمة إلى 10 ثلاثيات، ويروي أحداثاً مؤلمة مستوحاة من قصص حقيقية وقعت في سجن صيدنايا، تشمل التعذيب والانتهاكات.
وقد رفض جمهور واسع هذه الأعمال على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أنها لا تعكس واقع المعاناة، بينما اعتبر البعض الآخر أن المسلسل يفتح جروحاً عميقة لدى ذوي الضحايا.
وكانت اللجنة الوطنية للدراما في سوريا قد أعلنت في وقت سابق أنها أوقفت تصوير المسلسل مؤقتاً، بعد موجه من الانتقادات إلا أن المسلسل تم عرضه في رمضان هذا العام.
ويخرج العمل صفوان نعمو، شارك في كتابة مسلسل القيصر كلٌّ من مؤيد النابلسي (مؤلف العمل)، إلى جانب نجيب نصير، وعدنان العودة، ولؤي النوري، وزهير الملا، ومن بطولة غسان مسعود، عبدالحكيم قطيفان، فاديا خطاب، علاء القاسم، نوار بلبل وآخرون.
من جهته، استنكر فريد المذهان المعروف بـ"قيصر" في منشور له، عرض المسلسل بممثلين من الداعمين للنظام السابق، مؤكدا أن المآسي ليست فرصة للشهرة، ولا سلّمًا للصعود وتلميع ماضٍ أسود.
بين سعي صناع الدراما لتقديم مادة تعكس الواقع ، وبين ألم آلاف العائلات التي عاشت المأساة على الأرض، تظهر الحاجة إلى أولوية العدالة وكشف الحقيقة قبل أي إنتاج فني في ظل استمرار غياب التوثيق الكامل و مسار المساءلة القانوني,
