تقارير | 26 08 2026
صوفيا الأسعد
تقول الطالبة سحر اليوسف إنها ستدخل قريتها في ريف السويداء من أجل تقديم امتحان الشهادة الثانوية، في وقت لا تستطيع فيه الوصول إلى منزلها الذي تركته خلفها بعد تهجيرها منها على خلفية الأحداث الدامية العام الفائت.
سحر، وهي طالبة من دورة 2026، تخشى عائلتها عليها من الطريق إلى المركز الامتحاني، فيما يزيد البرنامج المكثف وقصر مدة الاستعداد من ترددها. لذلك قررت ألا تتقدم إلى الدورة الاستثنائية.
سحر واحدة من آلاف الطلاب الذين أُتيحت لهم فرصة استثنائية للتقدم إلى الامتحانات من خلال الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلاب محافظة السويداء، التي تبدأ في 29 آب/أغسطس الجاري وتستمر تسعة أيام.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر مرسوماً يقضي بمنح طلاب الشهادتين الثانوية والتعليم الأساسي، الذين لم يتمكنوا من التقدم لامتحانات عام 2026، فرصة استثنائية للتقدم إليها.
لكن الدورة، التي يفترض أن تنهي أزمة حرمان آلاف الطلاب من حقهم في التقدم للامتحانات، تبدأ وسط أسئلة ومخاوف محلية حول مكان إجرائها، وقدرة المراكز المحددة على استيعاب أعداد الطلاب، فضلاً عن الظروف الأمنية واللوجستية المحيطة بالوصول إليها.
وتقرر إجراء الامتحانات في قرى الريف الشمالي للسويداء، وهي مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية منذ تموز/يوليو 2025، وخالية من سكانها الذين هُجّروا منها خلال الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة العام الماضي.
وأقرت وزارة التربية برنامجاً امتحانياً مكثفاً للشهادتين الإعدادية والثانوية، يمتد على تسعة أيام فقط، ما أثار مخاوفاً بين الطلاب، الذين وجدوا أنفسهم أمام فترة قصيرة جداً للاستعداد، بعد انقطاع امتد بالنسبة إلى بعضهم لعامين متتاليين.
عشرة مراكز امتحانية
بحسب تصريح مصدر في مديرية تربية السويداء، لروزنة، فقد جرى حتى الآن تحديد عشرة مراكز امتحانية في خمس قرى، تتوزع على الشكل التالي: ثلاثة مراكز في لاهثة، وثلاثة في خلخلة، ومركزان في المتونة، ومركز واحد في الصورة الكبرى، ومركز واحد في حزم.
وبالنسبة إلى الطلاب المقيمين في مدينة السويداء، يعني توزيع المراكز قطع مسافات تتراوح بين 28 و50 كيلومتراً، وتطول المسافة أمام القادمين من قرى الريف الجنوبي، إذ تبعد بعض هذه القرى عن لاهثة بين 50 إلى 90 كيلومتراً على سبيل المثال.
وفي حال العودة في اليوم نفسه، قد يقطع الطالب ضعف هذه المسافة ذهاباً وإياباً، ما يجعل تأمين وسيلة النقل والوصول في الموعد جزءاً أساسياً من قدرته على التقدم إلى الامتحان.
يضيف المصدر أن عدد الطلاب المدرجة أسماؤهم للدورة يقدر بنحو 20 ألف طالب، بينهم نحو 7500 طالب من شهادة التعليم الأساسي لدورة 2026، ونحو 13 ألف طالب من الشهادة الثانوية لدورتي 2025 و2026.
وقال المصدر إن نحو 400 مدرس من كوادر 34 مدرسة داخل محافظة السويداء جرى تكليفهم من وزارة التربية لمراقبة الامتحانات. ومن المقرر أن يجد الطلاب بطاقاتهم الامتحانية على مقاعدهم عند وصولهم إلى المراكز، فيما يُنتظر أن يشارك الهلال الأحمر العربي السوري في عمليات الترفيق والنقل للطلاب والمراقبين.
إلا أن ملف نقل الطلاب والمراقبين لا يزال حتى الآن، من دون تعليمات نهائية واضحة. وتحاول مديرية التربية، وفق المصدر، تأمين نقل مجاني ومنتظم للطلاب، من خلال التواصل مع وزارة التربية ومحافظة السويداء.
بدورها المعلمة رهام الحلبي ترى أن عدد المراكز المحددة حتى الآن لا يكفي لاستيعاب الكتلة الكبيرة من الطلاب، خصوصاً مع وجود نحو 20 ألف اسم مدرج للدورة.
فيما تتحدث صفحة محافظة السويداء بشكل يومي منذ صدور المرسوم والبرنامج الامتحاني عن التحضيرات الجارية بالتعاون مع وزارة التربية ووزارة الداخلية ووزارة الكوارث والطوارئ، وبالتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري.
وفي أحد منشوراتها، ذكرت المحافظة أن المراكز الامتحانية في الريف الشمالي تتجهز لاستقبال الطلاب، مشيرة إلى أعمال صيانة وتجهيز للمقاعد وتأمين المستلزمات الأساسية، بهدف توفير أجواء "آمنة ومناسبة" وضمان سير العملية الامتحانية.
مخاوف أمنية
تقول المدرسة رهام الحلبي في حديث مع روزنة، إن نسبة كبيرة من الطلاب قد لا تتوجه إلى الامتحانات، مشيرة إلى أن المخاوف الأمنية تأتي في مقدمة الأسباب.
وبحسب وصفها، فإن الوصول إلى المراكز في الريف الشمالي يتطلب المرور عبر حواجز للحرس الوطني، ثم حواجز للقوات الحكومية، مروراً بمناطق تقع ضمن خطوط تماس، وهو ما يجعل قرار الذهاب إلى الامتحان بالنسبة إلى كثير من الطلاب والأهالي مرتبطاً أولاً بتقديرهم لمستوى الأمان على الطريق.
وتضيف الحلبي أن البرنامج الامتحاني المكثف زاد من إحباط الطلاب، لكنه لا يمثل برأيها العامل الأهم في قرار عدم الذهاب، مقارنة بالمخاوف الأمنية.
وترى المدرسة أن إقامة الامتحانات في الريف الشمالي لا تحل جوهر المشكلة، وقد لا تختلف كثيراً عن تجربة وضع المراكز في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق خلال الامتحانات السابقة، حين لم يتقدم سوى عدد محدود من الطلاب، بنسبة لم تتجاوز 5%.
بين الخوف واليأس والفرصة الأخيرة
على الأرض، تبدو مواقف الطلاب أكثر تبايناً. في الأسبوع الماضي، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات لتظاهرة طلابية في السويداء احتجاجاً على إقامة الامتحانات في الريف الشمالي، وللمطالبة بإجرائها داخل مدينة السويداء. إلا أن الدعوة لم تلقَ استجابة تذكر.
ويربط الطالب رمزي الصالح، وهو في المرحلة الثانوية، ضعف المشاركة بحالة اليأس التي يعيشها الطلاب بعد عامين من الأزمة.
رمزي نفسه لم يتقدم لامتحانات الشهادة الثانوية للعام الثاني على التوالي، لكنه يقول لروزنة، إنه لن يذهب أيضاً إلى الدورة الاستثنائية في الريف الشمالي، بسبب عدم ثقته بالوضع الأمني.
في المقابل، اختار ربيع، وهو طالب ثانوية من دورة 2025، أن يذهب إلى الامتحانات. يقول لروزنة، إنه لم يعد يثق بوجود حلول أخرى، خصوصاً مع اقتراب موعد المفاضلات الجامعية، معتبراً أن الطالب الذي يرفض التقدم هذه المرة قد لا يحصل على فرصة جديدة قبل العام المقبل.
وبينما يقرر بعض الطلاب الذهاب باعتبارها فرصة أخيرة، يختار آخرون عدم الذهاب بسبب المخاوف الأمنية أو بسبب عدم قدرتهم على الاستعداد خلال الفترة القصيرة.
قبول محلي.. وقرار يترك للطلاب
خلال مؤتمر صحفي عقد الأسبوع الماضي في السويداء، قال القاضي شادي مرشد، رئيس مجلس الإدارة التي شكلها الشيخ حكمت الهجري، إن الإدارة المحلية كانت تسعى بكل جهدها إلى إقامة الامتحانات داخل مدينة السويداء.
لكن في حال اعتماد الريف الشمالي كموقع للامتحانات، قال مرشد إن من حق الطلاب وأهاليهم اتخاذ قرار الذهاب من عدمه، وإن على الإدارة دعم قرار الطلاب.
وتعكس هذه التصريحات قبولاً محلياً بالتنفيذ العملي للدورة الاستثنائية وفق الصيغة التي أقرتها وزارة التربية، بعد أن كانت إقامة الامتحانات داخل مدينة السويداء أحد الشروط في عملية التفاوض.
امتحان على الطريق أيضاً
لا تتوقف المخاوف عند الوصول إلى المراكز، إذ أن طريق دمشق السويداء شهد خلال الفترة الماضية توترات وحوادث متكررة، تسببت بانقطاعه في بعض المرات، كان آخرها يوم الأحد الماضي، ما يثير خشية الطلاب والأهالي من أن تؤثر أي حادثة أمنية أو توتر مفاجئ على حركة الطلاب خلال أيام الامتحانات.
وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية مع البرنامج المكثف، لأن خسارة الوصول إلى امتحان مادة واحدة قد تعني خسارة الدورة الامتحانية كلها، من دون وجود فرصة أخرى للتعويض، كما يقول بعض الطلاب الذين تحدثوا مع روزنة.
وبذلك، تبدو الدورة الاستثنائية أمام اختبار يتجاوز قدرة الطلاب على الإجابة عن أسئلة المواد الدراسية، كون نجاحها لا يتوقف فقط على تجهيز المقاعد والقاعات وتوزيع المراقبين، وإنما على جعل الوصول إلى الامتحان ممكناً وآمناً بالنسبة إلى آلاف الطلاب.
الدورة الاستثنائية، جاءت بعد عامين من أزمة بدأت مع امتحانات 2025. واليوم، وبينما تستعد المدارس في الريف الشمالي لاستقبال الطلاب، يبقى السؤال الأهم معلقاً:
هل ستكون الدورة الاستثنائية فرصة فعلية لنحو 20 ألف طالب، أم أن مكان الامتحان والظروف المحيطة به سيجعلان من الوصول إلى القاعة الامتحانية العقبة الأولى أمامهم؟




