تقارير وتحقيقات | 9 11 2025
تمام مسعود
تفاقمت معاناة طلاب السويداء جنوبي سوريا بسبب تدهور الوضع التعليمي الناتج عن النزاع السياسي والعسكري وتضرر المدارس ونقص الكوادر والتمويل وما نتج عن ذلك من تأخير في إجراء امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) وتحوّل المدارس إلى مراكز إيواء.
وكان من المقرر أن تجري الامتحانات الرسمية في موعدها المحدد مسبقاً كما باقي المناطق السورية في يونيو/ حزيران الفائت لكن اندلاع التوترات والأحداث في المدينة منتصف تموز/يوليو الفائت عطّل إجراء تلك الامتحانات، وأجلّتها الوزارة إلى موعد يُحدد لاحقاً بقرار يصدر عن الوزارة، وفق ما ذكرت وكالة "سانا" حينها. لكنها لم تحدد ذاك الموعد.
ويوم أمس السبت بدأت المراكز الامتحانية في المحافظة استقبال طلاب الشهادة الثانوية لتقديم امتحاناتهم، إذ توجه أكثر من 6000 طالب/ة إلى مراكز الامتحانات في المدينة وذلك بعد أن خسروا فرصتهم في تقديم الامتحانات بوقتها النظامي، وفق ما ذكرت شبكة "الراصد" المحلية.
إجراء الامتحانات
في شهر اكتوبر/ تشرين الأول الفائت كانت قد أعلنت مديرية تربية السويداء عن إجراء الامتحانات الثانوية بدءً من يوم السبت الموافق للثامن من تشرين الثاني/نوفمبر وحتى 27 منه، مشيرةً إلى أنّ القرار جاء "بعد فشل كلّ المساعي للحصول على موافقة الوزارة، واستجابةً لإصرار الأهالي والتلاميذ على عدم خسارة عامهم الدراسي".
ورفض محافظ السويداء إجراء تلك الامتحانات، واعتبر قرار مديرية تربية السويداء "غير قانوني وغير معترف به" مضيفاً في تصريح صحفي أن قرار إجراء الامتحانات عائد لوزارة التربية حصراً، والتي بدورها لم تعلّق على قرار إجراء تلك الامتحانات حتى اللحظة.
وتعليقاً على رفض المحافظ لإجراء الامتحانات، قالت مديرة التربية في السويداء ليلى جهجاه: "إن الامتحانات ستراقَب وتؤرشَف عبر نظام كاميرات مراقبة لنحو 6100 طالب في 310 قاعة امتحانية ضمن 33 مركزاً "لضمان النزاهة، وفي محاولة لعدم إضاعة حق الطلاب في تحصيلهم العلمي".
وأضافت في حديثها لـ "روزنة" أن الوزارة لم تعد تنسق مع المديرية وتوقفت عن التجاوب بعد طرح برنامج بديل لتقديم امتحانات الشهادة الثانوية، مؤكدةً أن موازنة العام 2025 المخصصة للتربية لم تأتِ حتى اللحظة".
ويتساءل طلاب السويداء اليوم عن مدى قدرتهم على الحصول على شهادتهم عبر امتحانات تُجرى دون موافقة وزارة التربية بدمشق، دون وجود إجابات لتلك التساؤلات سواء من تربية السويداء أو من الوزارة.
مدارس متضررة وأخرى مراكز نزوح
بعد انتهاء الأحداث في السويداء تضررت عشرات المدارس والمعاهد جراء القتال إلى جانب خروج 103 منشآت تربوية عن الخدمة في الأرياف المنكوبة.
وقال الناشط تمام فهد لـ "روزنة" إن المدارس والمعاهد في المدينة تحتاج لمبالغ طائلة لصيانتها كمدرسة كمال عبيد التي تحتاج لنحو 20 مليون ليرة فقط لتعويض الزجاج المتضرر، عوضا عن الأضرار الاستهلاكية الموجودة مسبقا في عامة المدارس.
ويشرف فهد على عمليات الصيانة لبعض المدارس كوسيط بين مديرية التربية والجهات التي تمول عمليات الصيانة، حيث يعتمد التمويل على المبادرات المحلية "وفزعات المغتربين" على حد وصفه.
حلول بديلة
بعد نحو شهرين على بدء العام الدراسي الجديد، جرى تعليق الدوام لتسعة أيام من قبل مديرية التربية أواخر أيلول/أكتوبر بناءً على "توجيهات الحرس الوطني" -الفصيل العسكري المشكل حديثاً في السويداء الذي عزى السبب لاستهداف مدرسة بطائرة مسيرة- ثم عادت العملية التعليمية وسط ظروف اجتماعية ونفسية صعبة يعيشها الطلبة.
الطالب مجد قال: إنه عازمٌ على تقديم الامتحان رغم عدم تبنّيه من قبل الوزارة، "متأملا بأي تغيير قد يطرأ على قرارات الوزارة فلربما تتبناه لاحقاً". أما جاد، فيرى أن عليه الدراسة وتقديم الامتحان "لاكتساب المعرفة التي تعد الهدف الرئيسي من التعليم، لكني لا أخشى سوى أن نضطر لإعادة العام كاملا على مقاعد الدراسة إذا لم يُعترَف بالامتحانات".
وكان الدوام المدرسي قد انطلق ضمن المدارس المتاحة حيث أخرجت الأضرار أربعة مدارس عن الخدمة في المدينة ولا تزال تسع أخريات مركزاً لإيواء المهجرين ضمن المدينة، و26 مدرسة ضمن المحافظة.
وعن طلاب تلك المدارس، ذكرت تربية السويداء أن نصابهم سينتقل لمدارس متاحة بنظام "الدوام التناوبي" حيث يكون ثلاثة أيام دوام لنصاب المدرسة الرئيسي وثلاثة أيام للنصاب المنتقل إليها لحين استعادة جميع المدارس، غير أن الدوام "سيكون تمهيدي لإعادة بناء الهيكلية إلى حين جلب الكتب الجديدة"، إذ تعتمد المدارس على كتب السنوات السابقة وأغلبها من نسخة العامين 2014ـ2015، بحسب ما أوضحت جهجاه.
وقالت: إن المعلمين المهجرين قد وُضعوا تحت تصرف التربية ويمكن لجزء منهم مباشرة الدوام في عدة شواغر.
رواتب مقطوعة
بينما استلم عدد من المدرسين رواتبهم السابقة عن شهر تموز/يوليو الفائت، قالت المعلمة ج.م "لم أجد راتبي عند فتح تطبيق شام كاش"، مضيفة في حديثها لـ "روزنة" أن عدد من المدرسين/ات قد دُعي للدوام في القرى النائية لكن غالبيتهم رفضوا.
من جانبه، دعا محافظ السويداء مصطفى البكور المديريات لرفع جداول بأسماء الموظفين بهدف إرسال أجور شهر واحدٍ عبر مديرية المالية، وقد استجابت 29 مديرية من ضمنها مديرية التربية التي وصفها البكور بأنها "تقوم بتنسيق غير قانوني نتج عنه عرقلة العملية التعليمية"، إلى جانب تصريحه لـ قناة "الإخبارية السورية" بأن"جهات خارجة عن القانون تسببت بإغلاق المدارس دون مسوغ قانوني" في إشارة منه للحرس الوطني.
تبقى المشكلة الأبرز أن تلك الامتحانات للشهادة الثانوية تجري دون موافقة الوزارة المعنية، وقد وصف والد الطالب جاد تلك المشكلة بأنها ورقة ضغط سياسي يستخدمها طرفي الصراع، فضلاً عن الظروف المادية القاسية إذ يحتاج المعلمين المهجرين على الأقل لملابس جديدة هم عاجزين عن طلبها بعد فقدان بيوتهم وأرزاقهم. وهنا يبرز العمق الحقيقي للأزمة، بين أطراف الصراع والكارثة الإنسانية والتعليمية.

