ملفات | 4 07 2026
داليا محمد
لم تكن النساء السوريات على هامش الحرب حتى ينتظرن اليوم مقعداً هامشياً في العدالة الانتقالية. خلال سنوات النزاع، كنّ ثائرات وحملن أعباء النزوح والإعالة وتفكك العائلات، لكن هذا الدور لم يتحول بعد إلى نفوذ في المسار الذي يفترض أن يعرّف الضرر والجبر والمحاسبة في سوريا.
لكن هذا الدور، على اتساعه، لم يتحول بعد إلى نفوذ حقيقي في رسم ملامح العدالة الانتقالية. وهنا ترى الناشطة السياسية ندى الخش أن المشكلة لا تقف عند تهميش النساء من قبل السلطة، بل تمتد أيضاً إلى بقائهن في موقع انتظار الإشراك، بدلاً من فرض حضورهن في مسار سيحدد شكل سوريا الجديدة.
تقول الخش لروزنة: "واقع النساء بمسار العدالة الانتقالية هو دون المستوى، رغم أن الأدوار التي قامت بها النساء خلال 14 سنة كانت من أهم الأدوار".
في حديثها، لا تظهر النساء كضحايا ينتظرن من يعترف بهن فقط، بل كفاعلات راكمن خبرة اجتماعية وسياسية خلال الحرب. لذلك تبدو دعوتها الأوضح موجهة إلى النساء أنفسهن لا يكفي انتظار أن تفتح السلطة باب المشاركة.
تقول: "النساء يجب أن يقتحمن هذا المجال، لأنه مجال يؤسس لحياة آمنة ومستقرة بسوريا".
هذه العبارة لا تعفي السلطة من مسؤولية الإقصاء، لكنها تنقل النقاش من سؤال التمثيل وحده إلى سؤال الفعل كيف يمكن للنساء أن يحولن ما راكمنه خلال الحرب إلى قوة ضغط داخل مسار العدالة الانتقالية؟
بالنسبة إلى الخش، الخلل القائم اليوم أن النساء ما زلن ينتظرن إشراكهن من قبل السلطة، بينما يفترض بهن أن يناضلن لاستعادة الدور الذي قمن به خلال 14 عاماً، وأن يفرضن حضورهن في النقاشات التي سترسم معنى العدالة، وشكل الجبر، وحدود المحاسبة، وصورة سوريا الجديدة.
عدالة متعثرة ونساء خارج التأثير
تصف الخش مسار العدالة الانتقالية في سوريا بأنه "معقد ومتعثر"، وترى أن ملامحه ما زالت غير واضحة، رغم أنه كان، برأيها، من أول الملفات التي يفترض أن تبدأ بها المرحلة الانتقالية.
ولا تقصد بذلك البدء بالمحاكمات الكبرى فوراً، بل اتخاذ خطوات أولية كان يمكن أن ترسل رسالة للمجتمع بأن ملف العدالة غير مؤجل بالكامل. من بين هذه الخطوات، تذكر الخش ما تسميه "العزل السياسي والاجتماعي"، بوصفه إجراءً كان يمكن أن يبدأ قبل تشكيل المحاكم الخاصة أو محاكمة المتورطين في الانتهاكات.
وترى أن هذه الخطوة، لو طُبقت منذ الأشهر الأولى، كان يمكن أن "تهدئ النفوس"، وتمنح المتضررين والمتضررات إشارة إلى أن العدالة ليست معلقة إلى أجل غير معروف.
لكن غموض المسار، بحسب الخش، ترافق مع غياب النساء عن مواقع التأثير. فهي تشير إلى ضعف حضور النساء في مؤسسات المرحلة الانتقالية، وإلى وجود امرأة واحدة في الحكومة الانتقالية، معتبرة أن مشاركة النساء لم تُعامل كأولوية سياسية، بل بقيت هامشية أمام اعتبارات أخرى.
وتقول إن البحث في التمثيل انشغل غالباً بالمكونات، من دون أن يُنظر إلى حضور النساء بوصفه ضرورة، رغم حجم الدور الذي قمن به طوال سنوات الحرب.
ولا تتواجد سوى وزيرة واحدة هي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، مقابل 23 وزيراً رجلاً في الحكومة الانتقالية التي أعلن عنها شهر آذار\مارس 2025، وحتى بعد التعديل الحكومي في وقت سابق من العام 2026 الجاري استمر الوضع على ما هو عليه.
الجندرة ليست كوتا
تعرّف الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، وتشمل المساءلة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. أي أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكم فقط، بل ترتبط أيضاً بإعادة بناء الثقة ومنع تكرار العنف.
لذا ترفض الخش اختصار مشاركة النساء في سؤال الأرقام أو المقاعد. وتقول: "الجندرة مو بحث عن كوتا نسائية، هي بحث عن مسار استقرار سوريا".
وتربط الناشطة السياسية هذا المعنى بتجربة الحرب نفسها. فخلال 14 عاماً، تعرض النسيج الاجتماعي السوري للتمزق بفعل القتل، والدمار، والنزوح، والهجرة، وانهيار مؤسسات وأدوار اجتماعية واقتصادية كثيرة. وفي وسط ذلك، كانت النساء في مواجهة مباشرة مع أثر الحرب داخل البيوت، وفي المخيمات، وعلى طرق الهجرة، وفي تفاصيل الإعالة والحفاظ على العائلة.
وتضيف: "المرأة عموماً هي اللي كانت تتحمل العبء الأكبر بالآثار الاجتماعية وحتى المادية".
الخش تقول إن النساء لا يضفن إلى العدالة الانتقالية مجرد "حضور نسائي"، بل خبرة مختلفة في فهم الضرر. فهن عايشن الحرب في تفاصيلها اليومية، وتحمّلن نتائجها على الأسر والمجتمعات، وامتلكن، خلال سنوات النزاع، قدرة على التشبيك، وكسر أنماط اجتماعية، وإدارة أزمات النزوح والهجرة والإعالة.
من حمل الضرر يملك حق تعريف العدالة
تشير قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة والسلام والأمن، وفي مقدمتها القرار 1325، إلى أهمية مشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار، باعتبارها جزءاً من بناء سلام أكثر شمولاً واستدامة. وفي الحالة السورية تربط ندى الخش حضور النساء في العدالة الانتقالية بقدرتهن على إضافة مضامين قد لا ينتبه إليها الرجال وحدهم.
فأثر الحرب، كما تراه، لم يكن سياسياً أو عسكرياً فقط. لقد أصاب الأسرة السورية، والعلاقات الاجتماعية، وشبكات الأمان، وأدوار النساء والرجال داخل العائلة والمجتمع. ومن دون إدخال هذه الخبرة إلى مسار العدالة، قد يبقى تعريف الضرر ناقصاً، وكذلك الجبر والمحاسبة وضمانات عدم التكرار.
انطلاقاً من ذلك تبدو الجندرة في كلام الخش جزءاً من بناء "وثيقة عيش مشترك" ومسار استقرار لسوريا، لا مجرد مطلب تمثيلي. فالعدالة الانتقالية، بالنسبة إليها، ليست محاكمة فقط، بل بداية مسار آمن للبلاد، يشارك فيه نصف المجتمع الذي عانى من الحرب والدمار والقتل والنزوح.
وبين سلطة لم تجعل مشاركة النساء أولوية، ونساء ما زلن ينتظرن الإشراك، تضع الخش سؤالاً مفتوحاً أمام المرحلة الانتقالية إذا كانت النساء قد حملن كلفة الحرب في البيوت والمخيمات وطرق الهجرة ومسؤوليات الإعالة، فهل يمكن بناء عدالة لا يحملن فيها حق تعريف الضرر، وتحديد الجبر، ورسم شكل الحياة بعده؟


