قضية أطفال درعا.. عندما تواجه العدالة الانتقالية اختبار الحقيقة

قضية أطفال درعا.. عندما تواجه العدالة الانتقالية اختبار الحقيقة

عدالة انتقالية | 19 05 2026

لودي علي

فبينما ينتظر عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، محاكمته بتهم تتعلق باعتقال وتعذيب أطفال المدينة، تتكشف روايات متضاربة تضع المحكمة أمام اختبار صعب حول القدرة على تحقيق العدالة الانتقالية.

وتحظى قضية أطفال درعا بأهمية كبرى لأنها لم تكن مجرد حادثة اعتقال عابرة، بل هي رمزاً لبدء الثورة. وبالتالي، فإن أي خطأ في توجيه الاتهامات قد يُحدث شرخاً في السردية، ويهدد مصداقية أو كفاءة المحاكم السورية الجديدة محلياً ودولياً.

لاسيما وأن نجيب أنكر كل التهمة الموجهة إليه في جلسة محاكمته الثانية.


السرديات المتضاربة حول عملية الاعتقال

تستند التهم الموجهة حالياً لعاطف نجيب إلى روايات تم تداولها في وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية على مدار سنوات الثورة، تفيد أحدها بأنه هو من أمر باعتقال الأطفال الذين كتبوا عبارات مناهضة للنظام على جدران ثانوية درعا للبنين في ليلة الخميس 17 شباط 2011، إلا ان تعدد الروايات اللاحقة لاسيما تلك التي ظهرت بعد سقوط نظام بشار الأسد، بعض هذه الرويات تبرئ نجيب تماماً من تهمة اعتقال الأطفال.

الاعتقال على يد المخابرات العسكرية

في مقابلة مطولة نشرت في 14‏/03‏/2025، يروي الشاب السوري بشير أبازيد، الذي كان أحد المعتقلين بعمر 15 سنة، تفاصيل لم تكن معروفة بالكامل قبل سقوط النظام.

يقول بشير: بخصوص اعتقال أطفال درعا في ليلة الخميس 17 شباط 2011: كتبت جدران ثانوية درعا للبنين (جاييك الدور يا دكتور.. يسقط بشار الأسد). وللصدفة كنا قد كتبت أنا وصديقي نايف أبازيد على نفس الحائط عام 2009 ذكرى باسمائنا."

ويضيف: "المخابرات العسكرية بقيادة لؤي العلي اعتقلوا صديقي نايف في اليوم الثاني من المدرسة أثناء الدوام الرسمي، واعتقلوه وهو بعمر 13 سنة. تعرض للضرب والتعذيب والإهانات، رغم أنه رفض التهمة الموجهة له بأنه من كتب العبارات. في هذا الوقت كنت قد تغيبت عن المدرسة."

ويكمل بشير :" بعد ذلك طلبوا تسليم نفسي لإطلاق سراح نايف على أن أكتب تعهداً ونعود سويةً فوراً.

ويتابع: "سلمت نفسي بعمر 15 سنة للمخابرات العسكرية. كنت أشعر أن الموضوع أقل خطورة لأنني لم أرتكب أي ذنب ولست مسؤولاً عن العبارات المكتوبة، وكنت أعتقد أن ذلك سيحل الموضوع كاملاً. استلموني المحققون فقط في فرع درعا، وبعد ساعات من الضرب تم نقلي إلى فرع السويداء وكان نايف هناك. تعرضت للتعذيب والضرب. قابلت نايف واعترفنا على شيء لم نفعله، وتم استدعاء أصدقائنا بنفس التهمة. حولونا جميعاً إلى فرع فلسطين، وبعد حوالي شهر تم إعادتنا إلى فرع الأمن العسكري في درعا، ثم إلى فرع حزب البحث حيث كان أهالينا بانتظارنا في 20 آذار 2011."

ويصدر بشير حكماً قاطعاً على الرواية السائدة:

"كثير من القنوات العربية المشهورة تبنت سردية غير صحيحة تماماً. عاطف نجيب ليس هو من اعتقلنا، بل لؤي العلي. ولم يتم اقتلاع أظافرنا، ولسنا نحن كأطفال معتقلين من كتبنا على الحائط."

ويبررعن تأخر كشف الحقيقة:"قبل سقوط النظام لم نقل كل التفاصيل لأن شبيحة النظام كانوا يتصيدون، ولم أكن أريد أن أتكلم بأي شيء يسيء للثورة. اليوم بعد سقوط النظام، لابد من قول الحقيقة. هذه قضية سقط بعدها شهداء، الفخر ليس أن أقول إنني من كتب، إنما الفخر أن أروي الحقيقة كاملة. يكفي أنه تم اعتقالنا وتعذيبنا وكنا شرارة الثورة السورية."

ويشير بشير إلى رواية أخرى منتشرة في درعا وهي أن"هناك من يقول إن الشهيد أحمد عبد الإله أبازيد هو من كتبها، ولكن لم أستطع التأكد من هذا."


من جانبه، كان نايف أبازيد، ابن الـ13 سنة وقت الاعتقال، قد نشر منشوراً على فيسبوك 16 – 5- 2026 تم حذفه لاحقاً، أكد فيه مسؤولية لؤي العلي عن اعتقال الأطفال، موضحاً أنه لم يُعتقل في الفرع الذي يرأسه عاطف نجيب، ولم يحقق معه. وفي منشور سابق بتاريخ 15 ديسمبر 2024، تحدث نايف عن القصة الكاملة لاعتقال الأطفال دون أن يرد اسم عاطف نجيب فيها كمتهم.

شهادة الشيخ أحمد الصياصنة

في تسجيل صوتي انتشر مؤخراً على نطاق واسع، يروي الشيخ أحمد الصياصنة، أحد وجهاء درعا، تفاصيل وساطته مع المسؤولين لإطلاق سراح الأطفال.

يقول في التسجيل:"عندما كتب الأطفال العبارات على الجدران، تم اعتقالهم في فرع المخابرات العسكرية. كنت مع وفد الأهالي الذين تواصلوا مع المحافظ لإخلاء سبيلهم. المحافظ قال لوفد الأهالي: 'ليس لي علاقة'. وذهبنا إلى عاطف نجيب، فقال إنهم ليسوا عنده."

ويضيف: "وسألت عاطف نجيب: هل يحاسبهم القانون وهم لا يزالون أطفالاً؟ قال: 'لا علاقة له بالقضية، ولم يحضروهم إلى فرعي. ولو أحضروهم لما اعتقلتهم، إنما اكتفيت بتعهد من آبائهم فقط'. الرجل لا علاقة له بموضوع اعتقال الأطفال الذين كتبوا العبارات نهائياً."

ويستدرك الشيخ الصياصنة قائلاً:" وسمعت من الأطفال أنهم عُذبوا في الاعتقال وقلعوا أظافرهم ولم يرحموهم."

أما بخصوص الحديث عن الإساءة لنساء درعا، وهي تهمة أخرى تداولتها الروايات، فيوضح الشيخ أحمد: "الجملة المتداولة قالها سهيل رمضان رئيس المخابرات العسكرية في السويداء للأهالي."


شهود الرواية المتداولة

ساهمت وسائل اعلام مختلفة بتبني رواية تتهم عاطف نجيب باعتقال الأطفال ال1ين كتبوا العبارات المناهضة للأسد من قبل عاطف نجيب، وأنهم تعرضوا للتعذيب وقلع الأظافر على يده هو وعناصره.

معاوية الصياصنة وسامر الصياصنة، كانا قد أكدا في وقت سابق أن عاطف نجيب حقق معهما شخصياً بخصوص الكتابة على الجدران وتعرضا للتعذيب بصدمات كهربائية وانهما من خطا العبارات حينها.



تراجع جماعي عن الرواية الأولى

في تطور دراماتيكي أحدث صدمة في الأوساط الحقوقية والإعلامية، خرج مجموعة من الشبان في فيديو مسجل ومتداول، أعلنوا فيه أنهم كانوا المعتقلين الذين شكلوا شرارة الثورة. ضم الفيديو كلاً من معاوية الصياصنة، وسامر الصياصنة، ونايف أبازيد، وبشير أبازيد، وآخرين.

لكن ما أثار الجدل أن اثنين من المشاركين في الفيديو تراجعا عن روايتهما الأصلية التي كانت تتهم عاطف نجيب:

معاوية الصياصنة وسامر الصياصنة، اللذان كانا قد أكدا في وقت سابق أنهما من كتبا العبارات وان عاطف نجيب حقق معهما شخصياً بخصوص الكتابة على الجدران، تراجعا في الفيديو، معلنين بدلاً من ذلك أن اعتقالهما كان على خلفية حرق كولبة للشرطة.

بينما بقي كلام نايف وبشير أبازيد كما هو دون تغيير، مؤكدين تورط المخابرات العسكرية وليس الأمن السياسي.

هذا التضارب العلني في الروايات من قبل نفس الأشخاص، في ظرف زمني قصير، أثار تساؤلات جدية حول موثوقية الشهادات التي اعتمدت عليها النيابة العامة في توجيه الاتهامات لعاطف نجيب.


اتهامات أخرى خارج قضية الأطفال

لا تقتصر التهم الموجهة لعاطف نجيب على قضية الأطفال فحسب، بل تشمل اتهامات أكثر خطورة تتعلق بإدارة قمع الاحتجاجات في درعا. ففي مداخلة له أمام مجلس الشعب السوري (البرلمان السابق) عقب اندلاع الثورة في درعا، قال عضو مجلس الشعب عن محافظة درعا، يوسف أبو رومية: "اتهم عاطف نجيب بالتصرف برعونة باستدعاء قوات الأمن بطائرات هليكوبتر، وأطلقوا النار على المتظاهرين، وكان يمنع سيارات الإسعاف من نقل الجرحى."


هذه الاتهامات، إذا ثبتت بالأدلة والمستندات، قد تشكل جريمة مستقلة بذاتها تحت بند الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، لأنها تتضمن قمعاً متعمداً للمتظاهرين السلميين ومنعاً للإسعافات الأولية، مما قد يرقى إلى مستوى "الإبادة" أو "الاضطهاد". لكن الخبراء القانونيين يحذرون من أن هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة مادية قوية، مثل أوامر عسكرية موقعة، أو اتصالات مسجلة، أو شهادات ضباط شاركوا في العملية، وإلا فإنها قد تواجه المصير نفسه من التضارب.

ماذا يقول القانون هنا؟

يقول الناشط الحقوقي ياسر شالتي: "هذه المحاكمات على افتراض أنها تندرج ضمن العدالة الانتقالية فمهمة هذه المحاكمات ليس فقط محاكمة المسؤولين بل كشف الحقائق وحفظ التاريخ توثيق الأحداث

وعندما يكون هناك سرديات ضعيفة فنحن لا نكشف الحقيقة، إنما نشوه التاريخ من الناحية التوثيقية والتاريخية، لأن محاكمات العدالة الانتقالية أو مابعد النزاع يتم العمل عليها بدقة وضبط كبير لأنها تحفظ تاريخ وحقيقة ماحدث للأجيال القادمة.

بالنسبة للإجراءات التي تحدث في المحكمة يوضح شالتي: "لدينا مشاكل إجرائية جدا لها علاقة بالقوانين المطبقة، فالقانون السوري لا يمكن أن يوثق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها."

بالنسبة لما كشفته وزارة العدل عن محاكمات عاطف نجيب يشير الناشط الحقوقي إلى أن الاتهامات الموجهة له غير مبنية على أسس قانونية وتحقيقية صحيحة، على سبيل المثال بالنسبة لتهمة اعتقال الأطفال، وجدنا خلال عملنا بالتوثيق أن الأطفال الذين كتبوا على الجدران تم توقيفهم من قبل فرع الأمن العسكري من قبل لؤي العلي وليس من قبل عاطف نجيب.

وهذا يعني أن الإدعاء لم يراجع كل مستندات الأفرع الموجودة في درعا او الإدارات التي تتبع لها هذه الأفرع ليقف فعلا على حقيقية ما حدث، وهو يطلب من المتهم مستندات لاثبات برائته، بينما تقع على عاتق الإدعاء إحضار مستندات الاثبات التي هي بين أيدي السلطة المؤقتة في سوريا حاليا."

ويختم :" يجب التريث والعودة الى المستندات وتدقيقها ومقاطعتها مع شهادات الشهود وأن لا يعتمدوا على قصص وسرديات تشاع هنا أوهناك ".

تحديات العدالة الانتقالية في مرحلة ما بعد النزاع

غياب التوثيق الدقيق وتضارب روايات الشهود من أبرز الأسباب التي أطالت أمد العديد من المحاكمات الدولية أو أضعفت الأدلة، وهي ثغرة لابد أن يتم تلافيها في سوريا من خلال حفظ الأدلة والبحث المعمق عنها.

وتُعتبر آليات العدالة الانتقالية من أكثر الأدوات حساسية في مراحل ما بعد النزاعات. فوفق تقارير الأمم المتحدة، تواجه هذه الآليات تحديات ثلاثية: توثيق الانتهاكات بدقة متناهية، الحفاظ على حيادية الإجراءات القضائية، وضمان عدم تحول المحاكمات إلى سرديات انتقامية تشوه التاريخ.

على مفترق طرق

وفي سياق تضارب الروايات، وبين من يصر على تبرئة عاطف نجيب من تهمة اعتقال الأطفال ومن يتهمه بجرائم أخرى أخطر، تقف العدالة الانتقالية السورية على مفترق طرق. فإما أن تسير في طريق الدقة والموضوعية والاستناد إلى الأدلة والمستندات، فترسي قواعد سورية جديدة تحترم القانون وتُرضي الضحايا وتكرم التاريخ. وإما أن تسير في طريق العجلة والانفعال والاعتماد على السرديات الإعلامية المتضاربة، فتفقد مصداقيتها، وتعرقل مسار العدالة الانتقالية.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تعتقد أن مجلس الشعب سيحدث فارقاً؟

نعم
لا
ربما
close icon