تقارير وتحقيقات | 18 05 2026
خاص - روزنة
لليوم الثاني على التوالي تستمر احتجاجات مزارعي الرقة عند دوار النعيم رفضاً لتسعيرة القمح الحكومية التي حددت سعر الطن بـ 4600 ليرة جديدة، ما يعادل 336 دولار أمريكي، وطالب المحتجين بتعديل التسعيرة التي لا تتناسب مع تكاليف إنتاج المحصول، وإسقاط وزير الاقتصاد.
صفحة رئاسة الجمهورية العربية السورية على فيس بوك قالت مساء اليوم أن رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع برفع سعر شراء القمح دون تأكيدات رسمية عبر معرفات وكالة سانا.

وفي 16 أيار/مايو الجاري، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار 94، محدداً سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن.
وبحسب مزارعين يعكس قرار تسعيرة القمح الحكومية تحولاً في سياسة الدولة تجاه الزراعة والمحاصيل الاستراتيجية، إذ سيتخلى هؤلاء المزارعين عن زراعتها في الأعوام المقبلة، كما قال عدد منهم لـ "روزنة".
وهذا الفارق في التسعير تحول إلى نقطة خلاف حول قدرة التسعيرة على تغطية كلفة الإنتاج، في اقتصاد يعيش تقلبات العملة وارتفاعاً متواصلاً في المدخلات الزراعية.
وبمقارنة التسعيرة الحالية بتسعيرة الموسم الماضي، تبدو الفجوة كبيرة، إذ حُددت التسعيرة العام الفائت 2025، بـ 450 دولاراً للطن مع المكافأة التشجيعية، مقابل نحو 336 دولاراً فقط هذا الموسم.
لا بيع للحكومة الانتقالية
"تسعيرة القمح الحالية ظالمة"، قال المزارع أحمد الهلو من الرقة، محذراً في حديثه لـ "روزنة" من أنه في حال عدم استجابة الحكومة الانتقالية لمطالب المزارعين بتعديل التسعيرة سيلجأ إلى العزوف عن زراعة "الحنطة" وتضمين أراضيه لرعاة المواشي. موضحاً أن موسمه لهذا العام لن يبيعه للحكومة، "سوف نتجه لتخزين المحصول".
أما المزارع أحمد الحسن فقال: "لا نعترض من باب العناد، وإنما من باب تعب سنة كاملة"، مشيراً في حديثه لـ "روزنة" إلى أن التسعيرة الحالية "لا تسند ظهر المزارع"، وفق تعبيره، مطالباً بالعيش الكريم وليس بالرفاهية.
"التسعيرة يجب أن تكون عادلة، من غير المعقول نشتغل سنة كاملة ونخسر"، قال المزارع الحسن، ونوه إلى أنه في حال رفضت الحكومة الانتقالية تعديل التسعيرة، "لن نزرع العام القادم، وقد نترك أرضنا غصباً عن إرادتنا لعدم قدرتنا على الاستمرار في الزراعة".
وختم حديثه، "أرضنا غالية، وهي عرضنا"، لكنه يرفض أن "يزرع الخسارة بيديه"، وفق قوله.
"لن نزرع الحنطة"
مزارع آخر تحفظ على ذكر اسمه، قال لـ "روزنة": إن اعتراضه على التسعيرة كونها لا تغطي تكاليف الإنتاج بعد ارتفاع سعر المحروقات والأسمدة والبذار والحصاد الذي لم يحدد سعره بعد.
وطالب بإعادة النظر بالتسعيرة واعتماد "سعر منصف وعادل"، كي يتمكن المزارع من الاستمرار بالزراعة.
ويحاول المزارع وغيره من مزارعي الرقة مع اتحاد الفلاحين اتخاذ خطوات قانونية سلمية من خلال وقفات احتجاجية واعتصامات مستمرة لمخاطبة السلطة، موضحاً أنه في حال رفضها تعديل التسعيرة"، لن نزرع قمح"، وسنلجأ إلى زراعة محاصيل تكلفتها قليلة.
الاحتجاجات تتمدد
وفي السياق، لم تقتصر احتجاجات اليوم الثاني ضد التسعيرة الحكومية على الرقة، إنما اتسعت لتشمل مدينة عامواد في ريف الحسكة، وفي ريف حماه، وفي دير الزور.
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت توقعت فيه وزارة الزراعة السورية أن يتراوح إنتاج القمح هذا الموسم بين 2.3 و2.5 مليون طن.
محمد الخليف، عضو اتحاد الفلاحين في سوريا، قال في تصريحات صحفية، إن تسعيرة الدولة لمحصول القمح أثارت استياءً واسعًا بين الفلاحين، لأنها لا تغطي تكاليف الإنتاج المرتفعة من بذار، وأسمدة، ومبيدات.
أضاف أن الموسم الحالي واعد بالجودة والإنتاج، ما يعود بالنفع على الفلاح والدولة، خصوصًا أن سوريا منطقة زراعية مهمة في إنتاج القمح والشعير، وشدد على ضرورة دعم الزراعات وتنفيذ الخطة الزراعية.
وطالب بإعادة النظر في التسعيرة لضمان تسليم كامل الإنتاج للدولة، مع تأمين المبالغ اللازمة لصرف قيم الحبوب سريعًا، كي لا يضطر الفلاحون للبيع للتجار.
وهكذا يجد مزارعي الرقة أنفسهم وحيدين في مواجهة تكاليف الإنتاج المرتفعة وخيبة الأمل من تسعيرة الحكومة المجحفة والظالمة، كما قال الهلو لـ "روزنة"، متوقعاً وغيره من مزارعي الرقة حصول تخزين للمحصول وعدم بيعه وتسليمه للمراكز الحكومية.
ويبقى السؤال المعلّق من ينقذ مواسم القمح الحالية والقادمة قبل أن تتحول الأرض الخصبة إلى مجرد ذكريات وسط انعدام الأمن الغذائي ووقوع أكثر من 90 بالمائة من السوريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات أممية.