بعد مقتل رغد العنداري.. هل تكفي الشكوى لحماية المهددات بالعنف الأسري؟

بعد مقتل رغد العنداري.. هل تكفي الشكوى لحماية المهددات بالعنف الأسري؟

الشابة رغد العنداري

نساء | 16 08 2026

روزنة

قُتلت الشابة رغد العنداري، البالغة 21 عاماً، داخل منزل أسرتها في قرية الطيبة بالريف الشرقي للسويداء مساء 10 آب/أغسطس. وقالت "قيادة الأمن الداخلي التابع للحرس الوطني" في المحافظة إن والدها "ج ع" متهم بإطلاق النار عليها ودفن جثمانها قبل فراره.

وفي مساء الأربعاء 12 آب/أغسطس، أعلنت قيادة الأمن الداخلي أن أفراداً من عائلته سلّموه، بالتنسيق مع شرطة ناحية المشنف، وأنه أوقف تمهيداً لاستكمال الإجراءات وإحالته إلى القضاء المختص.

تشير رواية والدة رغد وشهادة قريبة لها إلى تهديدات وعنف سبقا مقتل الشابة. ففي تسجيل صوتي نشره مركز السويداء للتوثيق، قالت الأم إن زوجها كان يهددها وأولادها بالسلاح، وإنه منع رغد من متابعة تعليمها.

وبينما يحدد القضاء المسؤولية الجنائية والدافع، تضع القضية سؤالاً آخر في المقدمة: متى يتعين التعامل مع التهديد بالقتل أو استخدام السلاح أو العنف المتكرر داخل البيت بوصفه إنذاراً يستدعي حماية عاجلة، لا مسألة أسرية خاصة يترك التعامل معها إلى ما بعد وقوع أذى جسيم؟

ماذا نعرف عن القضية؟

قال مصدر طبي في المشفى لروزنة إن تقرير الطبيب الشرعي، بحسب اطلاعه عليه سجل 9 إصابات نارية في الصدر والبطن من مسافة قريبة.

وفي إفادتها الرسمية، قالت والدة رغد إن خلافات عائلية كانت تتكرر داخل المنزل، وإن ابنتها كانت تعاني من إعاقة حركية وكانت شديدة التعلق بها. كما تقدمت الأم بادعاء شخصي بحق المتهم، بحسب ما ذكر مصدر مطلع لروزنة.

وفي التسجيل الصوتي الذي نشره مركز السويداء للتوثيق والإعلام، قالت الأم إن ابنتها كانت تعاني من خلع ولادي أثّر في حركتها، وإن والدها منعها من إكمال تعليمها، ما دفعها إلى حياكة قبعات الصوف وبيعها لتأمين مصروفها. كما تحدثت عن تهديدات بالقتل وعن عنف سابق طالها وأولادها. وهذه رواية الأم عن سنوات سبقت الجريمة، ولم تعلن التحقيقات حتى الآن نتائجها بشأن هذه الوقائع أو الدافع.

وقالت قريبة للضحية لروزنة، مفضّلة عدم ذكر اسمها، إن رغد كانت تشتكي لها من الضرب والعنف الذي كانت تتعرض له مع والدتها. ولم تتمكن روزنة من التحقق بصورة مستقلة من هذه الوقائع، لكنها تتقاطع مع ما ذكرته الأم عن عنف وتهديدات متكررة.

وكانت قيادة الأمن الداخلي قد قالت في بيان سابق إن أقارب المتهم لم يقدموا معلومات تفيد التحقيق أو تعقب مكانه، قبل أن تعلن لاحقاً أن عائلته سلّمته. ويظل وصف الواقعة ودافعها والمسؤوليات المترتبة عليها من اختصاص القضاء.

متى يتجاوز الأمر "خلافاً عائلياً"؟

تقول المحامية عفاف الرشيد لروزنة إن الخلافات الأسرية العادية لا تستدعي بذاتها تدخلاً قانونياً، لكن الأمر يختلف عندما تقترن بتهديدات بالقتل، أو احتجاز قسري، أو عنف نفسي منهجي، أو ضرب مبرح وإيذاء جسدي.

وتضيف أن هذه المؤشرات تستدعي استجابة مبكرة، تبدأ بالتبليغ لدى جهة مختصة، وتوثيق الإصابات طبياً عند وجودها، واتخاذ إجراءات احترازية سريعة عندما تكون حياة شخص أو سلامته في خطر. فالعنف النفسي والتهديدات قد لا يتركان دائماً أثراً ظاهراً، لكن خطورتهما تزداد مع التكرار أو اقترانهما بالسلاح والقدرة على تنفيذ التهديد.

وتوضح الرشيد أن قانون العقوبات السوري يعالج أفعالاً مثل القتل والإيذاء والتهديد بحسب وصفها الجرمي، من دون أن يجمعها ضمن إطار قانوني مستقل للعنف الأسري.

وترى لذلك أن أي تعديل تشريعي مقبل يحتاج إلى تدابير وقائية تتيح للجهات المختصة التدخل عند ظهور مؤشرات خطر جدية، قبل وقوع أذى جسدي جسيم أو جريمة قتل.

وفي مطلع آب/أغسطس، أعلنت وزارة العدل إعداد مشروع قانون متكامل لمواجهة العنف الأسري، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وجهات معنية.

وقالت إن المشروع يستهدف بناء منظومة للوقاية والحماية، واستحداث جهات شرطية وقضائية متخصصة، وتعزيز تدابير حماية الضحايا.

وتضع قضية رغد سؤالاً مباشراً أمام أي مسودة مقبلة: هل تتيح تدخلاً سريعاً وسرياً قبل أن يتحول التهديد داخل المنزل إلى جريمة؟

الشكوى بداية، لا الحماية كلها

ترى الناشطة النسوية نجوى الطويل أن التهديد بالسلاح، وتقييد الحركة، ومنع الخروج أو التعليم، والاعتداءات المتكررة، مؤشرات لا ينبغي اختزالها بعبارة "خلاف أسري".

لكنها تلفت إلى أن كثيرات لا يصلن إلى الشرطة أو المنظمات المختصة بسبب الخوف من المعتدي، أو الوصمة الاجتماعية، أو غياب مكان آمن يمكن أن تذهب إليه المرأة بعد تقديم الشكوى.

وتقول الطويل إن الشكوى قد تكون بداية الإجراء، لكنها لا تكفي وحدها ما لم ترتبط بضمانات للسرية، واستجابة من كوادر مؤهلة، وإمكان الوصول إلى دعم قانوني ونفسي وطبي، وأماكن حماية عند الحاجة.

كما أن غياب بلاغ سابق، إن تأكد، لا يعني بالضرورة غياب الخطر. فبحسب الطويل، قد يحول الخوف من المعتدي، أو الاعتماد المادي، أو صعوبة مغادرة المنزل دون طلب المساعدة، وتكون هذه العوامل نفسها جزءاً من دائرة العنف التي تحتاج إلى استجابة وحماية.

وبحسب تقرير "أصوات من سوريا 2025" الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، برز العنف داخل المنزل بوصفه مصدر قلق للنساء والفتيات في 21% من استجابات التقييم السريع للاحتياجات على مستوى سوريا في كانون الثاني/يناير 2025.

ولا يمكن تعميم هذا الرقم على السويداء أو التعامل معه بوصفه نسبة لانتشار العنف، لكنه يلفت إلى أن المنزل قد يكون نفسه مكاناً للخطر، وأن الحاجة إلى الحماية قد تسبق وقوع الأذى الجسدي.

وفي قضية رغد، لا تتوفر حتى الآن معلومات معلنة عن وجود شكوى سابقة أو طلب حماية من الأم أو الابنة. لكن رواية الأم عن تهديدات متكررة تطرح سؤالاً عن المسار الذي يمكن أن يسلكه أي فرد في الأسرة عندما يشعر أن التهديد داخل المنزل أصبح جدياً: إلى من يلجأ، وما نوع الحماية التي يمكن أن يحصل عليها قبل وقوع الأذى؟

وتدعو الطويل إلى إقرار قانون لمناهضة العنف ضد النساء وقانون آخر للعنف الأسري، يتضمنان إجراءات واضحة للحماية والمحاسبة، وتشديداً في العقوبة عندما يكون المعتدي من الدائرة القريبة للضحية.

وترى أن قرب المعتدي قد يجعل التبليغ أو مغادرة المنزل أكثر صعوبة، ولذلك لا يكفي تجريم الفعل بعد وقوعه من دون وجود مسار واضح وآمن للحماية.

وتضيف أن تحوّل قضايا العنف إلى قضية رأي عام قد يحد من التساهل الاجتماعي معها، ويدفع باتجاه تطوير أدوات الحماية، من دون أن يكون ذلك بديلاً عن التحقيق والمساءلة أمام القضاء.

من البلاغ إلى الحماية العاجلة

تستعيد المحامية عفاف الرشيد تجربة عرفتها خلال إقامتها في تركيا، هي تطبيق الطوارئ "KADES" الذي أطلقته وزارة الداخلية التركية لإرسال بلاغ طارئ مباشر إلى الشرطة. حيث تتوجه أقرب دورية من المعنفة لإنقاذها.

وتطمح المحامية لأن تحدث وزارة الداخلية السورية تطبيقاً مشابهاً لحماية المعنفين والمعنفات، وتقترح بديلاً مثل خط ساخن للمعنفين والمعنفات، وأن تتولاه كوادر مدرّبة، بينها شرطيات، قادرات على التعامل مع البلاغ بسرية وتقدير درجة الخطر، ثم توجيه استجابة سريعة إلى موقع المبلّغ.

تضيف المحامية عفاف الرشيد أن الخط الساخن لا يكفي وحده. فعند تقدير وجود خطر، ينبغي أن يتبعه نقل المرأة المعرّضة للعنف إلى مكان آمن وسري، وإجراء تقييم طبي ونفسي على يد كوادر متخصصة، مع ضمان سرية البلاغ وحماية خصوصية معلوماتها.

بذلك، لا تنتهي الاستجابة عند تسجيل البلاغ، بل تبدأ مساراً للحماية والمتابعة.

يمثل توقيف المتهم خطوة في مسار المساءلة عن مقتل رغد العنداري. لكن القضية تختبر أيضاً معنى الحماية قبل الجريمة: هل توجد أمام امرأة أو فتاة مهددتين داخل منزلهما جهة تستطيعان الوصول إليها بسرية، وتتدخل حين يصبح التهديد بالسلاح أو القتل خطراً وشيكاً؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

بعد تجدد أزمة البنزين.. هل تثق بقدرة الحكومة على حلها؟

نعم، بشكل مستدام
لا أثق بذلك
مؤقتاً فقط
close icon