لتر المازوت بين سعرين.. من يربح الفرق؟

لتر المازوت بين سعرين.. من يربح الفرق؟

تقارير وتحقيقات | 29 09 2026

حبيب شحادة

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة السورية الانتقالية عن عجز الموازنة وضرورة دعم بعض مشتقات الطاقة، يثير قرار بيع لتر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة بسعر 115 ليرة سورية سؤالاً أساسياً: كم تبلغ فعلياً تكلفة إنتاج هذا المازوت، ومن يتحمل الفارق بين التكلفة وسعر البيع؟

السؤال يزداد أهمية مع اعتماد الحكومة، منذ 17 أيلول/سبتمبر 2026، ثلاثة أسعار للمازوت، بعد أيام من رفع أسعار المحروقات بنحو 40 بالمئة، وسط احتجاجات شعبية على الزيادات وأزمة في تأمين المشتقات النفطية.

وبحسب القرار الحكومي، أصبح سعر لتر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة 115 ليرة، فيما يباع المازوت المخصص للنقل والقطاعات الخدمية بـ150 ليرة، والمازوت القياسي بـ175 ليرة.

لكن في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الطاقة أن تكلفة المازوت المستورد تصل إلى 206 ليرات للتر، قالت إن الشريحة الأرخص ستعتمد على الإنتاج المحلي. وهنا تبرز فجوة معلوماتية: الحكومة أعلنت تكلفة الاستيراد، لكنها لم تنشر، بحسب المعطيات المتاحة، تكلفة إنتاج لتر المازوت المحلي الذي يباع بـ115 ليرة.

ثلاثة أسعار للمازوت

رفعت وزارة الطاقة، ليل 12 أيلول/سبتمبر، أسعار المشتقات النفطية بصورة مؤقتة، ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 13 أيلول.

وبموجب القرار، ارتفع سعر لتر البنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، والبنزين 90 من 142 إلى 185 ليرة، فيما ارتفع سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة.

وبعد موجة احتجاجات على الأسعار الجديدة، أعلنت الوزارة في 17 أيلول /سبتمبر اعتماد ثلاث شرائح للمازوت:

115 ليرة: للتدفئة والزراعة.

150 ليرة: للنقل والقطاعات الخدمية.

175 ليرة: للمازوت القياسي.

وقالت وزارة الطاقة إن هذا النظام يهدف إلى تخفيف أثر ارتفاع الأسعار عن بعض القطاعات، مع استمرار تأمين حاجة السوق من مصادر محلية ومستوردات.

وتزامن ذلك مع أزمة في سوق المحروقات، قالت الوزارة إنها مرتبطة بارتفاع تكاليف الاستيراد، وتوقف مصفاة بانياس مؤقتاً للصيانة، إضافة إلى محدودية الإنتاج المحلي مقارنة بحجم الاستهلاك.

ما تكلفة المازوت المحلي؟

تعتمد سوريا على أكثر من مصدر لتأمين المازوت، بينها النفط الخام المحلي الذي يجري تكريره في المصافي السورية، والمازوت المستورد الجاهز للاستخدام، إضافة إلى النفط المستورد الذي يمكن تكريره محلياً.

الخبير الاقتصادي محمد صالح الفتيح في منشور له عبر فيسبوك إن حساب تكلفة المازوت لا ينبغي أن يعتمد على سعر الاستيراد وحده، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار متوسط تكلفة الإنتاج المحلي والاستيراد.

وبحسب تقديره، فإن تكلفة استخراج النفط الخام المحلي قد تكون منخفضة نسبياً، فيما تضاف إليها تكلفة التكرير والنقل والتشغيل.

ويشير الفتيح إلى أن تكلفة إنتاج النفط الخام في بعض الحقول السورية تقدر بنحو 30 دولاراً للبرميل، فيما يقدّر تكلفة تكريره بنحو 10 دولارات كحد أقصى.

لكن تحويل هذه الأرقام إلى تكلفة مباشرة للتر المازوت يحتاج إلى احتساب قيمة جميع المنتجات التي تنتج عن تكرير البرميل، وليس تحميل كامل تكلفة البرميل على المازوت وحده.

وتشير تقديرات سابقة أوردها الفتيح إلى أن برميل النفط ينتج في المتوسط نحو 50 إلى 55 لتراً من المازوت، إضافة إلى منتجات أخرى مثل البنزين والكيروسين والفيول والأسفلت والشحوم.

وبناءً على هذه المعطيات، يقدّر الفتيح تكلفة المازوت المحلي بنحو 30 إلى 35 ليرة للتر.

إلا أن هذا الرقم يبقى تقديراً اقتصادياً وليس تكلفة محاسبية منشورة من وزارة الطاقة أو المصافي السورية، ولا يمكن من خلاله وحده تحديد هامش الربح أو الخسارة الذي تتحمله الخزينة.

هل سعر 115 ليرة يعني أن الحكومة تدعم المازوت؟

هنا تظهر النقطة الأكثر تعقيداً في ملف التسعير.

إذا كانت تكلفة لتر المازوت المحلي، وفق تقدير الفتيح، تقترب من 35 ليرة، فإن بيعه للمواطن بـ115 ليرة يعني وجود فارق سعري إجمالي قدره نحو 80 ليرة للتر.

لكن وصف هذا الفارق بأنه ربح صافٍ للحكومة يحتاج إلى بيانات إضافية، تشمل تكاليف النقل والتخزين والتشغيل والصيانة والتكرير والتوزيع، إضافة إلى طريقة احتساب قيمة النفط الخام المحلي والمنتجات الأخرى الناتجة عن عملية التكرير.

لذلك، فإن السؤال الأدق ليس فقط: هل المازوت بـ115 ليرة مدعوم؟ وإنما ما هي تكلفة إنتاجه فعلياً، وكيف تحسب الحكومة هذه التكلفة، ومن يتحمل الفارق بين التكلفة وسعر البيع؟

وحتى الآن، لا توفر الأرقام المنشورة إجابة محاسبية كاملة عن هذه الأسئلة.

ماذا تقول أرقام الإنتاج والاستهلاك؟

بحسب تقديرات وزارة الطاقة، يبلغ استهلاك السوق السورية من المازوت نحو 7.72 ملايين لتر يومياً، فيما يغطي الإنتاج المحلي نحو 3.09 ملايين لتر فقط، ويتم تأمين نحو 4.63 ملايين لتر من خلال الاستيراد.

وتعني هذه الأرقام أن جزءاً كبيراً من حاجة السوق لا يزال مرتبطاً بالاستيراد، ما يجعل سعر المازوت المحلي غير منفصل تماماً عن أزمة العملة وتكاليف تأمين المشتقات من الخارج.

كما أعلنت الوزارة أن إجمالي احتياجات سوريا من النفط ومشتقاته يبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز نحو 100 ألف برميل وفق تقديرات سابقة.

وفي تصريحات لاحقة، ظهرت تقديرات مختلفة لحجم الإنتاج والاستهلاك، ما يعكس الحاجة إلى نشر بيانات دورية وموحدة حول الإنتاج والتكرير والاستهلاك.

والتمييز هنا مهم: إنتاج النفط الخام لا يساوي إنتاج المازوت، إذ يتحول الخام بعد تكريره إلى مجموعة من المنتجات النفطية بنسب مختلفة.

لماذا يصعب تحديد تكلفة اللتر؟

يحتاج تحديد تكلفة المازوت المحلي إلى أكثر من معرفة تكلفة استخراج برميل النفط.

فالحساب يجب أن يشمل، من حيث المبدأ: تكلفة استخراج النفط الخام، ونقله إلى المصافي، يضاف إليها تكلفة التكرير والطاقة المستخدمة في العملية، والصيانة والتشغيل، مع حساب كلفة فاقد التكرير، ونسبة المازوت الناتجة عن كل برميل، بالإضافة القيمة الاقتصادية للمنتجات الأخرى الناتجة عن التكرير، والتخزين والنقل والتوزيع، وأي تكاليف أخرى تتحملها الدولة قبل وصول اللتر إلى المستهلك.

ولهذا فإن مقارنة سعر البيع فقط مع تكلفة استخراج الخام لا تكفي للحكم على وجود دعم أو ربح.

الحكومة تقول إن المستورد يكلف 206 ليرات في المقابل، أعلنت وزارة الطاقة أن تكلفة المازوت المستورد تصل إلى 206 ليرات للتر. وبناء على هذا الرقم، فإن بيع المازوت القياسي بـ175 ليرة يعني، حسابياً، وجود فارق قدره 31 ليرة للتر بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع.

وهنا توجد حالة يمكن تحديدها بصورة أوضح: إذا كانت تكلفة الاستيراد 206 ليرات فعلاً، فإن المازوت المباع بـ175 ليرة يباع بأقل من تكلفة استيراده المعلنة.

لكن هذا لا يجيب عن السؤال المتعلق بالمازوت المحلي المباع بـ115 ليرة، لأن تكلفة إنتاجه قد تكون مختلفة جذرياً عن تكلفة المازوت المستورد.

هل يمكن أن يؤدي تعدد الأسعار إلى سوق سوداء؟

إلى جانب سؤال التكلفة، يطرح نظام الأسعار الثلاثة مشكلة أخرى تتعلق بالتوزيع والرقابة.

ويرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر أن اعتماد ثلاثة أسعار يمكن أن يكون خياراً متاحاً نظرياً لإدارة الأزمة، لكنه يحمل مخاطر تتعلق بظهور سوق سوداء إذا لم تكن آليات التوزيع والرقابة قادرة على منع تسرب المازوت المدعوم إلى قطاعات أخرى.

ويحدد اسمندر ثلاث مشكلات رئيسية: أولاً: فجوة العرض، حيث تحتاج السوق إلى كميات أكبر من الإنتاج المحلي، ما يجعل جزءاً مهماً من الإمدادات مرتبطاً بالاستيراد. وفي أسواق السلع التي تعاني نقصاً في العرض، يمكن أن يؤدي وجود فارق كبير بين الأسعار إلى زيادة الحوافز لإعادة البيع خارج القنوات الرسمية.

ثانياً: تسرب المازوت المدعوم، كلما زاد الفرق بين سعر المازوت المدعوم والسعر القياسي، زادت أهمية نظام التوزيع والتتبع لمنع بيع المادة المخصصة للتدفئة أو الزراعة في السوق المفتوحة.

ثالثاً: ضعف قواعد البيانات، نجاح الدعم الموجه يعتمد على معرفة المستفيدين الحقيقيين منه، سواء في القطاع الزراعي أو بين الأسر التي تحتاج إلى مازوت التدفئة.

وفي حال غياب بيانات دقيقة، قد تحصل فئات غير مستحقة على المادة المدعومة، فيما لا يصل الدعم إلى أشخاص أو قطاعات تحتاجه فعلاً.

هل يخفض المازوت المدعوم أسعار الغذاء؟

يرى اسمندر أن توجيه المازوت بسعر 115 ليرة إلى الزراعة يمكن أن يخفف جزءاً من تكاليف الإنتاج الزراعي، وهو ما قد ينعكس على أسعار بعض المنتجات الغذائية.

لكن ذلك يعتمد على قدرة الدولة على إيصال المازوت المدعوم فعلياً إلى المزارعين، ومنع تسربه إلى السوق السوداء، إضافة إلى أثر أسعار الوقود الأخرى على النقل والإنتاج والتوزيع.

وبالتالي، فإن انخفاض سعر المازوت وحده لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار الغذاء، كما أن رفع أسعار القطاعات الأخرى قد يضيف تكاليف جديدة على المنتج والمستهلك.

ما البديل؟

يقترح اسمندر أن يكون التعامل مع أزمة الطاقة أبعد من سياسة دعم سعر المشتقات النفطية، من خلال زيادة كفاءة استخراج النفط ونقله وتكريره، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية والرياح.

كما يدعو إلى إعادة النظر في سياسات الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، واستخدام جزء من الوفورات الناتجة عن إصلاح أسعار الطاقة في دعم القدرة الشرائية للفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تقديم دعم شامل للسلعة.

ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟

المعطيات المتاحة تسمح بتأكيد عدد من النقاط:

أولاً: الحكومة تبيع المازوت بثلاثة أسعار مختلفة، بينها 115 ليرة للتدفئة والزراعة.

ثانياً: وزارة الطاقة أعلنت أن تكلفة المازوت المستورد تبلغ نحو 206 ليرات للتر.

ثالثاً: الحكومة تقول إن الشريحة الأرخص تعتمد على الإنتاج المحلي.

رابعاً: الإنتاج المحلي من النفط الخام لا يغطي كامل حاجة سوريا من المشتقات النفطية.

لكن ما يزال هناك سؤال أساسي بلا إجابة منشورة بالتفصيل: كم تكلف الحكومة السورية فعلياً لإنتاج لتر واحد من المازوت المحلي الذي يباع بـ115 ليرة؟ ومن دون هذه المعلومة، يصعب الجزم بأن سعر 115 ليرة يمثل دعماً فعلياً، أو أنه يولد ربحاً للخزينة.

فالفرق بين السعر المدعوم والسعر الأقل من تكلفة الاستيراد ليس بالضرورة واحداً. وفي المقابل، فإن بيع منتج محلي بسعر أعلى من تكلفة إنتاجه لا يعني تلقائياً أن الفارق هو ربح صافٍ للخزينة. وبين هذين الاحتمالين، تبقى الشفافية في حساب تكلفة إنتاج المازوت المحلي هي الحلقة المفقودة في معادلة التسعير السورية.

فالسؤال الذي يواجه الحكومة اليوم ليس فقط: لماذا رفعت أسعار المازوت؟ بل أيضاً: كيف حُسب سعر 115 ليرة، ومن يدفع فعلياً ثمن الفارق بين تكلفة إنتاج المازوت المحلي وسعر بيعه للمواطن؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

ما رأيك بجلسات استماع الوزراء في مجلس الشعب؟

رقابة مهمة
بلا فاعلية
مبكر الحكم
close icon