تقارير | 12 04 2023
إيمان حمراوي
يعاني التعليم في شمالي سوريا من تحديات وتعقيدات عديدة، وتحضر بشكل مستمر أسئلة الطلبة وأهاليهم عن الاعتراف بشهاداتهم وإمكانية تحسين مستوى التعليم في المناطق التي تسيطر عليها "الحكومة السورية المؤقتة"، ويدار الملف التعليمي فيها بإشراف مباشر من وزارة التربية التركية.
قرار مفاجئ قبل أيام باختصار المنهاج لطلبة الشهادة الثانوية في المنطقة، استدعى أسئلة جديدة حول الضرر الذي يمكن أن يتركه على المخزون المعرفي للطلاب، ونقاش بين الطلبة حول أسبابه وتفاصيله، وسط ترحيب طالب وانتقادات يوجهها آخر.
انقطاع بعد الزلزال
"بعد 6 شباط تغيّرت حياتنا، تهدّم منزلنا وأصبحت الخيمة مأوانا، ظروفنا السيئة منذ ذلك الوقت لم تتح لي متابعة الدراسة، اضطررت للانقطاع عنها لفترة مؤقتة، والآن يجب علي إكمال العام الدراسي من أجل تقديم امتحانات الثانوية"، تقول هبة طالبة بكالوريا في مدينة اعزاز شمالي حلب.
توضح هبة لروزنة أنها ليست مسرورة من الحذف الجزئي للمنهاج وفق القرار الصادر مؤخراً "العلم ركن أساسي لنهوض أي مجتمع، لكن أيضاً، لو لم يُحذف قسم لا أستطيع فهم ودراسة باقي المنهاج، ظروفنا سيئة بكل معنى الكلمة".
سمر طالبة بكالوريا في عفرين، تتفق نسبياً مع ما قالته هبة، إذ ترى أن "قرار حذف جزء من المناهج أمر إيجابي ولصالحها، أفضل من تمديد الدوام، وذلك بسبب الانقطاع عن الدراسة لمدة شهرين".
المجالس المحلية في الشمال السوري هي المسؤولة عن تصديق الشهادة الثانوية، لكونها السلطة القائمة في المنطقة، وفق"مديرية التربية في اعزاز".
الحذف بين 30 إلى 50 بالمئة
مديرية التربية والتعليم في مخيمات أعزاز، وهي مديرية مستقلة عن تربية أعزاز، قالت لروزنة، إن جميع مديريات التربية حدّدت، قبل يومين، المنهاج المطلوب للامتحانات في كل من "عفرين وما حولها، وأعزاز وما حولها، والباب وما حولها، وتل أبيض وما حولها".
وتم التوافق على الحذف بين جميع المديريات في (عفرين واعزاز والباب وتل أبيض وما حولهم)، وتتفاوت نسبة الحذف من المنهاج من مادة إلى أخرى، حيث تتراوح بين 30 و50 بالمئة.
وأشارت المديرية إلى أنّ الحذف من المنهاج إجراء متّبع في المنطقة منذ 2011 بحسب ظروف المنطقة، لافتاً إلى أنّ العام الماضي لم يكن هناك داعٍ للحذف فتم امتحان الطلاب في كامل المقرر.
وجاء الحذف من المنهاج، وفق مديرية التربية، "بسبب انقطاع الطلاب عن المدارس لفترة طويلة بسبب الزلزال".
وفي السادس من شباط الماضي ضرب سوريا وجنوبي تركيا زلزالان بقوة 7.7 و7.6 درجات، وتبعتهما آلاف الهزات الارتدادية العنيفة، ما أسفر عن أكثر من 50 ألف قتيل ودمار كبير.
ما تأثير القرار على الطلاب وتحصيلهم المعرفي؟
أكدت مديرية التربية في مناطق سيطرة فصائل عملية "غصن الزيتون" (منطقة عفرين ومحيطها) أنّ الحذف سيكون له ضرر واضح على الطالب، وبرأيها أنّ على الأخير تعويض الفاقد المعرفي بعد النجاح في الامتحانات.
قال مدير "تربية منطقة غصن الزيتون"، محمد الحسن، لروزنة، إنهم حاولوا الإبقاء على كامل منهاج الجبر والهندسة، من أجل الامتحانات في الفرع العلمي، لكن تم حذف المواد الحفظية، والتي هي معارف تراكمية.
وأشار إلى أنه من الأفضل أن يتلقى الطالب جميع المعلومات المطلوبة في المنهاج، لكن ما حدث كارثة استثنائية خارجة عن إرادتهم، وهو ما دفعهم لاتخاذ قرار الحذف.
وشدد المسؤول على أن الحذف سيخلق لدى الطلاب نقصاً علمياً بمواد معينة إن كانت نظرية أو علمية مؤكداً وجود ضرر من تلك الخطوة، لكن كان لابد منها بسبب الزلزال.
وأكد أن تعويض الفاقد التعليمي سيكون على عاتق الطالب نفسه، لافتاً إلى أنّ بعض الطلاب خلال فترة الانقطاع عن الدراسة تابعوا الدراسة إما في المعاهد أو مع العائلة والأصدقاء.
وأوضح "الحسن" أن قرار حذف جزء من المنهاج شمل مراحل التعليم الابتدائية والإعدادية أيضاً، في كل من الشمال السوري وتركيا، وفق قوله، مبيّنا أن الطلاب انقطعوا عن التعليم منذ 15 كانون الثاني وحتى 15 آذار.
الحذف سلبي لسلسلة معرفية مترابطة
نور الدين الإسماعيل، معلم لغة عربية في الشمال السوري، برأيه أنّ حذف جزء كبير من مناهج التعليم الثانوي له آثار سلبية لاحقة على الطلاب في المنطقة.
يقول لروزنة: "الأمر هنا شائك ومعقّد لسببين، الأول أنّ الطلاب تعرّضوا لفترات انقطاع طويلة ولأسباب مختلفة كان الزلزال أقساها وما تركه على الواقع العام من تأثيرات كبيرة".
أما السبب الثاني برأيه وهو الأهم، "أن سياسة الحذف من المناهج ستؤثّر على المخزون المعرفي للطالب، فالطالب لا يحتاج المعلومة فقط ليقدّم بها الامتحان، بل هو بحاجة إليها ضمن سلسلة معرفية مترابطة، يحتاجها في الجامعة، ويحتاجها بعد الجامعة، كما سيكون بحاجة ماسة إليها ضمن حياته العملية.
وأدى الزلزال إلى وفاة نحو 6 آلاف شخص في سوريا، وترك آلاف العائلات بدون مأوى، في ظل درجات حرارة منخفضة، وغياب لأدنى مقومات الحياة وضعف الاستجابة الإنسانية.
"مديرية التربية آخر الواصلين"
وعن توقيت إصدار القرار قبل أسابيع من بدء العملية الامتحانية، يقول عبدالله العبدالله، طالب بكالوريا، لروزنة: "كعادتها مديرية التربية في أعزاز التابعة للمجلس المحلي، تكون آخر الواصلين ليس بأيام بل بأشهر، يوم أول أمس نشرت الدروس و الوحدات المحذوفة لطلاب الثانوية، للأسف جاء القرار متأخراً بشكل كبير".
ويضيف: " أنا كطالب قمت بدراسة العديد من تلك الدروس التي تفاجأت بأنها غير مطلوبة"، رغم ظروفه الصعبة بعد الزلزال ولا سيما وأن عائلته اضطرت إلى تغيير سكنها بسبب تصدع منزلهم، ما عدا وفاة العديد من أقاربه في الزلزال، "كل ذلك كان له آثار سلبية كبيرة علي كطالب" يقول عبد الله.
ويشتكي الطالب من عدم تحديد مديرية التربية لموعد الامتحانات "ويبدو أنهم هم الآخرون قد تأثروا بالزلزال (…) أتمنى أن أنجح ولو بمعدل أقل من المعدل الذي كان في مخيلتي، لولا الزلزال لكنت من الأوائل".
وجميع أعمال الامتحانات تكون بمقترحات من مديريات التربية في مناطق سيطرة "المؤقتة" شمالي سوريا، تقدّم إلى وزارة التربية التركية، وتُرفع نماذج أسئلة الامتحانات من الشمال السوري إلى التربية التركية، وتعترف تركيا بشهادة التعليم الثانوي الصادرة من المديريات.
"الحكومة السورية المؤقتة" قررت في أواخر 2021 تشكيل لجنة من أجل مراقبة وتنظيم وتطوير المناهج في المناطق التي تسيطر عليها في شمالي سوريا.
الحكومة السورية المؤقتة تصدر القرار رقم 53 والمتضمن تشكيل وتنظيم لجنة مراقبة وتطوير المناهج في المناطق المحررة#الحكومة_السورية_المؤقتةhttps://t.co/D6HzaPBVec
— الحكومة السورية المؤقتة (@syriagovernment) December 18, 2021
وتتبع اللجنة مباشرة إلى "وزارة التربية والتعليم" وتتولى عملية تنقيح وتطوير المناهج "حتى تتوافق مع المعايير والقيم التي تعبر عن المجتمع السوري"، وفق القرار.