تقارير | 26 04 2022
محمد أمين ميرة
قبل 17 عاماً غادرت آخر الآليات العسكرية السورية الأراضي اللبنانية، لكن حكومة دمشق بقيت محط اتهامات بتدخلها في شؤون لبنان مع أوساط حليفة في مقدمتها حزب الله.
انسحب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان/أبريل 2005 بعد مظاهرات تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، نددت بدور أجهزة الأمن السورية في "ترهيب اللبنانيين وقادتهم".
وصفت بعض الأطراف اللبنانية الوجود السوري في بلادها بالاحتلال، فيما اعتبرته أخرى وصاية تسعى دمشق لإعادتها عبر ممثلين لها في التيارات اللبنانية، داعين لقطع الطريق عليها قبل الانتخابات النيابية المقررة في 15 أيار/مايو 2022.
الانسحاب السوري جاء بعد وجود عسكري لقوات الجيش وأجهزة الأمن منذ العام 1976، كما تلا قرار مجلس الأمن الدولي 1559 الذي طالب بخروج القوات السورية والأجنبية من كامل الأراضي اللبنانية، ودعم إجراء انتخابات رئاسية في لبنان بشكل حر وعادل.
"قاومناهم من أول لحظة وسنقاوم مشروعهم حتى آخر لحظة" رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع - تويتر
منذ ذلك الوقت، يتكرر الحديث عن تدخل النظام السوري في الدولة اللبنانية مع تيارات وأحزاب حليفة، وهو ما أشار إليه المحامي اللبناني نبيل الحلبي بالقول إن الجيش السوري رغم انسحابه إلا أنه ترك خلفه رؤوساء ووزراء وكبار موظفين وفق قوله.
القصة من البداية
بداية التدخل في لبنان كانت عام 1976 وبتأييد من جامعة الدول العربية التي اعتبرت الجيش السوري قوة ردع لطرد قوات الاحتلال الإسرائيلية ووقف الحرب الأهلية إلى جانب السيطرة على الوجود الفلسطيني المسلح داخل الأراضي اللبنانية.
اقرأ أيضاً: الوريث السياسي لوالده.. سعد الحريري وتناقضاته بالشأن السوري
لكن الوجود السوري ساهم وفق صحفيين ونشطاء سياسيين ومسؤولين لبنانيين بدعم نشر النفوذ الإيراني بعد ثورة الخميني عام 1979، وتأسيس حزب الله كـ"ميليشيا" لتكون ذراع إيران في المنطقة، وتأجيج الوضع بتفجيرات واغتيالات زادت من الفوضى داخل لبنان.
"هذه التجربة علّمتنا ألا نستسلم ولا نساوم، وانو قد ما كان التحدي كبير وقد ما طال الوقت نضالنا رح ينبت سيادة" رئيس حزب الكتائب "سامي الجميّل" - تويتر
وفضلاً عن ذلك لم يمنع الوجود السوري، اجتياح إسرائيل للبنان سنة 1982، ولم يوقف الحرب الأهلية، وفق ما يذكره لبنانيون، بل عزز القبضة الأمنية الصارمة على مفاصل الحياة ونشر أجواء الاعتقالات وترهيب الخصوم تحت ذرائع التعاون مع إسرائيل وتشويه سمعة القوات السورية.
الحرب الأهلية واتفاق الطائف
نشبت معارك بين الجيش السوري وأطراف لبنانية في الأشرفية والمتن بالمنطقة الشرقية بداية من 1977، واتهمت القوات السورية حينها بارتكاب مذبحة راح ضحيتها 26 شابا مسيحياً، تلاها صراع مشابه مع حزب "القوات اللبنانية" عام 1978 عرفت باسم "حرب المائة يوم".
الحروب الأهلية التي شهدتها لبنان دخلت فيها أطراف عدة من بينها منظمة التحرير الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي وأودت بحياة 150 ألفاً وتسببت بجرح 300 ألف آخرين، فضلاً عن 17 ألف مفقود وهجرة أكثر من مليون شخص وخسائر مادية فاقت 100 مليار دولار.
"لولا دم الحريري وجمهور ١٤ اذار لما خرج السوري" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي "وليد جنبلاط" - تويتر
وتوقفت تلك الحروب بعد نحو 15 عاماً من اندلاعها، بتوافق بين النواب اللبنانيين الذين اجتمعوا غربي السعودية، وتوصلوا لما يسمى "اتفاق الطائف" الذي كرس معادلة اقتسام السلطة على أساس المحاصصة الطائفية، فتوزعت المناصب الرئيسية بين المكونات الأساسية الثلاثة: المسيحيين والسنة والشيعة.
اتفاق الطائف الذي تم التوصل إليه بين الأطراف المتحاربة في لبنان 1989، نص على الانسحاب السوري إلى البقاع في شرق لبنان في غضون عامين، ولكن القوات السورية لم تتلزم بذلك مستغلة تغير خريطة التحالفات الدولية بعد الغزو العراقي للكويت 1990.
المعارضة اللبنانية للوجود السوري تجددت عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ووفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، وقادها إلى جانب المسيحيين الموارنة قوى يسارية وأخرى سنّية.
ثورة الأرز
شهدت لبنان بعد ذلك تفجيرات واغتيالات استهدفت معارضين للوجود السوري، كان أبرزها اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005، وعلى إثرها خرجت مظاهرات تحت اسم "ثورة الأرز".
اتهم المتظاهرون الجيش السوري بالمسؤولية عن اغتيال الحريري ونشر الفوضى في البلاد وطالبوا بخروج القوات السورية من بلادهم، ما أسهم في استصدار قرار مجلس الأمن وتلاه خطوة الانسحاب ونهاية ما سمي بالوصاية أو الاحتلال.
وتبادلت سوريا ولبنان السفراء عام 2008 لأول مرة في تاريخهما، في خطوة قيل إنها لإثبات سيادة لبنان واستقلاله.
المحور الإيراني
بعد أعوام من انسحاب الجيش السوري من لبنان انقسمت البلاد إلى فريقين، الأول 14 آذار المعارض لـ "الوصاية السورية والإيرانية" ويتزعمه "تيار المستقبل"، والثاني 8 آذار الموالي لهما ويتزعمه حزب الله.
قد يهمك: بريطانيا تعزّز حراسة الحدود السورية اللبنانية.. والسبب!
وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، انشغلت القيادات السورية الأمنية بالوضع الداخلي والحراك الشعبي المتصاعد، ويبدو أن ذلك ما زاد من دور حزب الله في إدارة شؤون لبنان بما يوافق مصالح ما يسمى: "محور المقاومة" الذي تقوده إيران بصبغة دينية ويمتد إلى العراق وسوريا.
"خرج العسكر السوري المحتل الذي ترك لنا ودائعه السياسية والعسكرية المتمثلة بميليشيا ايرانية أجهزت على ما تبقى من مقومات جمهورية" رئيس حركة "التغيير" ايلي محفوض - تويتر
يكرر لبنانيون في كل عام اتهاماتهم للحزب وتيارات أخرى حليفة له، بتنفيذ أجندات إيران والنظام السوري في لبنان.
ووجهت أطراف لبنانية مؤخراً اتهامات للسفير السوري في لبنان عبد الكريم علي بالتدخل في بعض الدوائر لجمع حلفاء سوريا في الانتخابات النيابية اللبنانية المقررة منتصف أيار/مايو 2022، وهو ما نفته السفارة السورية ببيان رسمي.