نساء | 24 08 2026
روزنة
ظهرت حلا نورس إبراهيم، من ريف مصياف، في فيديو نشرته صفحة "اتحاد العلويين السوريين في أوروبا"، لتروي ما قالت إنه خطف لها ولطفلها في 17 أيار/مايو 2025، واحتجاز استمر 23 يوماً، تعرضت خلاله للتعذيب والعنف الجنسي.
قالت حلا إن "أشخاصاً يرتدون زي الأمن العام" اقتادوها من تحت جسر حميميم في ريف جبلة.
لا يثبت الزي وحده انتماء هؤلاء الأشخاص إلى جهة رسمية، كما لا يكفي التسجيل لإثبات الوقائع التي روتها أو إدانة أشخاص أو جهة. لكنه يتضمن تاريخاً ومكاناً ومدة احتجاز وادعاءً بدفع فدية، وهي تفاصيل يمكن أن تشكل بداية للتحقق.
تأتي شهادة حلا بعد نحو شهر ونصف من ظهور ولاء المحمود في فيديو نسبت فيه خطفها والاعتداء عليها إلى مسؤول أمني سمّته. ولم تعلن الجهات المعنية، حتى موعد إعداد هذا التقرير، نتيجة تحقيق في شهادة ولاء أو ما إذا كانت إجراءات قضائية قد بدأت بشأنها.
وبين الشهادتين، يتجدد السؤال هل تكفي شهادة علنية تتضمن ادعاءات بوقوع جرائم خطيرة لبدء التحقق، أم يبقى التحرك متوقفاً على تقديم صاحبة الشهادة شكوى شخصية؟
من تحت جسر حميميم إلى غرفة مظلمة
تبدأ رواية حلا صباح 17 أيار/مايو 2025، بعد دقائق من نزولها من ميكروباص تحت جسر حميميم. قالت إن ثلاث سيارات وصلت إلى المكان، وإن مسلحين يرتدون الزي الأسود أمسكوا بها وبطفلها من دون توجيه أسئلة إليها.
وبحسب شهادتها، قيّد الخاطفون يديها وعصبوا عينيها وأغلقوا فمها. وفي بداية الطريق، كانت تسمع صوت طفلها داخل السيارة، قبل أن ينقطع صوته بعد توقف المركبة لدقائق، وفق روايتها.
قالت حلا إنها نُقلت بعد رحلة استمرت أكثر من ساعة إلى غرفة مظلمة، بينما أُخذ طفلها إلى مكان آخر.
وخلال احتجازها، كما ذكرت، كان أشخاص ملثمون يدخلون إلى الغرفة ويضربونها ويعذبونها ويوجهون إليها شتائم طائفية، كما قالت إنها تعرضت لاعتداء جنسي وسمعت أصوات فتيات أخريات يتعرضن للتعذيب.
وطوال فترة فصلها عن طفلها، كانت تطلب رؤيته، بينما كان الخاطفون يخبرونها بأنه مات، وفق روايتها. وقالت إنهم أحضروه إليها لاحقاً وهو في حالة صحية سيئة.
وتحدثت حلا أيضاً عن محاولة إجبارها، قبل إطلاق سراحها بنحو خمسة أو ستة أيام، على توقيع أوراق عقد زواج من أحد محتجزيها. وقالت إن رفضها قوبل بمزيد من الضرب والتعذيب، وإنهم قصوا شعرها وحلقوا حاجبيها وجرحوا جسدها ووجهها بشفرات، إضافة إلى استخدام برميل ماء في تعذيبها.
وبعد عودتها، عرفت من أسرتها وأقاربها أن إطلاق سراحها تم مقابل مبلغ مالي، وبشرط حذف المنشورات التي نشرتها العائلة خلال البحث عنها، بحسب ما قالته في التسجيل.
ولم تذكر في شهادتها ما إذا كانت قد تقدمت بشكوى رسمية أو خضعت لفحص طبي، أو ما إذا كانت جهة قضائية قد استمعت إليها بعد عودتها.
وفي نهاية الفيديو، دعت حلا عائلات النساء والفتيات العائدات إلى الوقوف إلى جانبهن وعدم تحميلهن مسؤولية ما تعرضن له، قائلة: "ما حدث لهن حدث رغماً عن إرادتهن".
هل يحل الفيديو محل الشكوى؟
في لقاء سابق مع روزنة بشأن شهادة ولاء المحمود، أوضح المحامي غياث دبور أن الحديث عبر الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي لا يُعد شكوى قانونية مستوفية للإجراءات، ولا يحل محل مراجعة القضاء.
وبحسب دبور، تستطيع المتضررة تقديم شكوى إلى الضابطة العدلية في مخفر أو قسم شرطة، ليُنظم محضر ويُحال إلى النيابة العامة، كما يمكنها تقديم ادعاء مباشر أمام القضاء بنفسها أو بواسطة وكيل قانوني. وبعد ذلك تبدأ عملية جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود وتحديد الجهة القضائية المختصة.
يفسر ذلك الطريق القانوني الذي تستطيع حلا اتباعه، لكنه يترك سؤالاً عن المسار الآمن لتقديم الشكوى إذا كانت صاحبة الشهادة تنسب ما تعرضت له إلى أشخاص قالت إنهم يرتدون زياً أمنياً.
قبل حلا.. ماذا حدث بعد شهادة ولاء؟
في 8 تموز/يوليو الفائت، ظهرت ولاء المحمود، المنحدرة من ريف جبلة، في تسجيل نشرته الصفحة نفسها، وقالت إن عناصر من الأمن العام اقتادوها في 25 آذار/مارس 2026 إلى فيلا في منطقة الجبيبات، قبل نقلها إلى موقع آخر في منطقة الشاطئ الأزرق بمدينة اللاذقية.
ونسبت ولاء الخطف والعنف الجنسي إلى مسؤول أمني سمّته، وحددت أماكن قالت إنها احتُجزت فيها. ولا يثبت التسجيل صحة اتهاماتها أو إدانة الشخص الذي ذكرته، لكنه قدم أسماء وأماكن وتواريخ يمكن، من حيث المبدأ، إخضاعها للتحقق.
عقب انتشار الفيديو، حاولت روزنة الحصول على توضيح من الأمن العام في اللاذقية حول ما إذا بدأ التحقق من الادعاءات، لكنها لم تتلق رداً.
ومنذ ذلك الوقت، لم تعثر روزنة على إعلان رسمي يوضح نتيجة المتابعة أو ما إذا فُتح تحقيق قضائي. ولا يعني غياب الإعلان بالضرورة عدم وجود تحقيق، لكنه يبقي مصير الادعاءات التي وردت في التسجيل غير معلوم.
هنا تبرز مسألة الجهة التي تتولى التحقيق عندما تطال الاتهامات أشخاصاً ذوي صفة أمنية. ففي لقاء سابق مع روزنة، رأت الحقوقية رولا بغدادي أن حصر التحقيق بوزارة الداخلية، عندما تتضمن الشهادة اتهامات لعناصر تابعين لها، قد لا يمنح الضحايا وعائلاتهن الثقة الكافية بالنتائج.
وتقترح بغدادي أن تتولى وزارة العدل تشكيل لجنة مستقلة تراعي البعد الجندري وتضع الضحايا في مركز عملها، مع إمكان الاستعانة بخبراء دوليين. وتقول: "ماذا يطمئنني أنا كأهل أو كعائدة من الخطف إذا كانت اللجنة من طرف السلطة فقط؟".
شقيقتان عُثر عليهما في دمشق
يوم الأحد 23 آب/أغسطس، أعلنت منصة درعا 24 العثور على الشقيقتين آمنة أحمد الحنفي، البالغة 15 عاماً، وياسمين أحمد الحنفي، البالغة 13 عاماً، في حي كفرسوسة بالعاصمة دمشق.
وكان الاتصال بالشقيقتين، المنحدرتين من مدينة نوى في ريف درعا الغربي، قد انقطع منذ صباح الخميس 20 آب/أغسطس.
وقالت أسرتهما إنهما خرجتا لزيارة شقيقتهما الكبرى في الحي الشرقي من نوى، لكنهما لم تصلا إلى منزلها.
لا تتوافر معلومات عن كيفية انتقالهما إلى دمشق أو ملابسات العثور عليهما. ولا تسمح المعطيات المتاحة بالقول إنهما تعرضتا للخطف، لكنها تترك من دون جواب ما إذا جرى الاستماع إليهما بصورة مستقلة والتحقق من سلامتهما، مع حماية خصوصيتهما بوصفهما قاصرتين.
وعد الكردي.. عودة بروايتين مختلفتين
في 6 آب/أغسطس الجاري، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في درعا العثور على وعد جودة الكردي بعد 13 يوماً من فقدانها. وقالت إن التحقيقات أظهرت أنها غادرت منزلها طوعاً بسبب خلافات عائلية، وإنها عادت إلى ذويها بحالة صحية جيدة.
بعد ذلك، ظهرت وعد في تسجيل مصور وقدمت رواية مختلفة. قالت إنها كانت متجهة إلى دورة تعليمية عندما توقفت قربها سيارة ووضع شخص محرمة على وجهها أفقدتها الوعي، وإنها استيقظت مقيدة ومعصوبة العينين قبل أن تُترك لاحقاً على أحد الطرق.
لا تتوافر معطيات مستقلة كافية لترجيح إحدى الروايتين. كما لم يوضح البيان الرسمي المنشور ما إذا أُخذت إفادة وعد بصورة مستقلة، أو ما الأدلة التي استند إليها التحقيق في ربط غيابها بخلافات عائلية واستبعاد فرضية الاختطاف.
ويوضح المحامي غياث دبور أن الضبوط المنظمة أمام الضابطة العدلية أو الأمن الجنائي أو أقسام الشرطة تؤخذ على سبيل المعلومات ولا تكون وحدها فاصلة في ثبوت الوقائع.
ويمكن، بحسب شرحه، عرض الأقوال والأدلة أمام قاضي التحقيق، الذي يستطيع الاستماع إلى الشهود وفحص ما يتوافر من قرائن قبل إحالة الملف إلى المحكمة المختصة.
بين نتائج الداخلية وتوثيق المنظمات
لا يوجد رابط معلن بين حالات حلا وولاء والشقيقتين من نوى ووعد الكردي، كما تختلف الوقائع والمناطق والروايات المتاحة في كل منها. لكن هذه الحالات تأتي ضمن نقاش مستمر منذ عام 2025 بشأن اختفاء نساء وفتيات في سوريا، وكيفية التحقق من البلاغات والشهادات المرتبطة بهن.
في تموز/يوليو 2025، أعرب خبراء في الأمم المتحدة عن قلقهم إزاء معلومات تلقوها عن اختطاف واختفاء 38 امرأة وفتاة علوية في محافظات سورية عدة، وطالبوا بتحقيقات سريعة وفعالة وكشف مصير المختفيات.
وفي الشهر نفسه، قالت منظمة العفو الدولية إنها تلقت تقارير وصفتها بالموثوقة عن 36 امرأة وفتاة علوية، ووثقت بصورة معمقة ثماني حالات وقعت بين شباط/فبراير وحزيران/يونيو 2025. وأفادت بأن أسر الحالات الثماني أبلغت الشرطة أو الجهات الأمنية، لكنها لم تتلقَّ، في غالبية الحالات، تحديثات عن التحقيق.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 نتائج لجنة قالت إنها درست 42 بلاغاً أو ادعاءً عن خطف نساء وفتيات في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة.
وخلصت الوزارة إلى ثبوت حالة خطف واحدة، بينما قالت إن الحالات الأخرى ارتبطت بأسباب مختلفة.
ولم تتضمن النتائج المنشورة أسماء الحالات التي بحثتها اللجنة، لذلك لا يمكن معرفة ما إذا كانت حالة حلا من بينها، أو ما النتيجة التي توصلت إليها اللجنة بشأنها إن كانت قد درستها.
وفي شباط/فبراير 2026، نشرت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" تحقيقاً عن "اختطاف النساء" استند إلى 17 مقابلة تناولت حالات 20 شخصاً، بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال. وأشار التحقيق إلى تنوع الوقائع؛ فمنها ما ارتبط بطلب الفدية أو الزواج القسري، ومنها حالتان تبين فيهما أن الفتاة غادرت بإرادتها.
وترى رولا بغدادي أن الخطوة الأولى يجب أن تكون اعتراف السلطات بما تصفه بظاهرة خطف النساء، يعقبها إجراء تحقيقات عاجلة تراعي خصوصية العنف الجنسي وتوفر الحماية للضحايا والشهود.
أما تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2025/2026 فاعتبر أن السلطات لم تحقق بصورة كافية في حالات اختطاف نساء وفتيات علويات أو تحاسب المسؤولين عنها.
ودعت المنظمة إلى تحقيقات سريعة وشاملة ومحايدة، وإلى تقديم الدعم والحماية للنساء والفتيات المتضررات.
لا يثبت نشر تسجيل مصور وقوع الجريمة أو مسؤولية الأشخاص الذين ترد صفاتهم فيه، كما لا يحل، وفق رأي المحامي، محل الشكوى القانونية. لكن فتح تحقيق لا يعني تبني رواية حلا أو ولاء، وإنما يتيح فحصها والتحقق من الأماكن والتواريخ والشهود المحتملين وواقعة الفدية، ثم إعلان ما يمكن إعلانه من النتائج.
وبين تصديق الشهادات ورفضها على مواقع التواصل، يبقى التحقيق هو الطريق الذي يمكنه نقل هذه الادعاءات من دائرة الجدل إلى الأدلة.




