عدالة انتقالية | 11 05 2026
لودي علي
فيديو مسرب أشعل شرارة البحث
بدأت القصة، كما يقول العبدلله، عندما قام شاب سوري بتسريب عدة فيديوهات توثق مجزرة التضامن لمنظمات حقوقية سورية، ومنها الفيديو المتداول للمجزرة.
البداية الفعلية كانت بفضل اهتمام الباحثين، أنصار شحود وأوغور أوميت، نظراً لتخصصهما في سوسيولوجيا العنف، حيث وجدت شحود أن الفيديوهات القليلة المسربة، تظهر وجوه المجرمين بشكل واضح ومن الممكن التعرف عليها واثبات ارتباطها بنظام الأسد وإدانته بارتكاب هذه المجازر.
بدأت أنصار شحود البحث فعليا عام 2019 حتى عام 2020 حيث انضم إليها دمر سليمان وبدأ بمساعدتها، وصلها بعد ذلك بحازم العبدلله الذي بدأ بمتابعة البحث الميداني بداية عام 2021، وكانت الصدمة عند معرفة حجم الجريمة الكبير واعداد الضحايا الذي وصل للالاف.
تمكن الفريق من الوصول إلى الشاب الذي سرب الفيديو، ثم إلى أخيه، حيث حصلا منهما على فيديوهات جديدة، حتى وصل مجموع الفيدوهات إلى 29 فيديو.
وكان الشاب الذي نقل هذه الفيديوهات للفريق قد اكتشفها صدفة عندما كان يقوم بصيانة (لابتوب) أمجد يوسف، والذي يعود للفرع 227، حيث صدم بحجم الاجرام في تلك الفيديوهات وشعر بالمسؤولية تجاه الضحايا وقرر إيصال الفيديوهات لمنظمات حقوقية.
اعتقالات ورحلة هروب
لم تكن المهمة سهلة أو آمنة، يكشف حازم أن المهمة كانت خطرة وصعبة كنا نعيش في خوف دائم من الاعتقال، كان طرق باب منزلي لي إنذارا بكشف أمري.
كما كنا نعتمد أساليب طويلة وغير مباشر لنحصل على المعلومات ما صعّب المهمة كثيراً.
ومن أصعب اللحظات أيضاً قيام مخابرات النظام باعتقال عشوائي لمجموعة من الشبان، كان من بينهم الشاب مصدر الفيديوهات. حينها ظن الجميع أن أمرهم قد كُشف، لكن تبين لاحقاً أن العملية كانت اعتقالاً عشوائياً بهدف جمع الشباب وإلحاقهم بالخدمة الإلزامية.
ومن المحطات الخطيرة أيضاً، رحلة الخروج من سوريا، حيث عبر حازم وشقيق المصدر سيراً على الأقدام إلى الشمال السوري ومن ثم إلى تركيا. مكث الفريق في مدينة أعزاز نحو شهر كامل، ضيوفاً لدى رجل كريم من المنطقة.
التمويه والسرية كانا ركيزة أساسية في هذا العمل. وبحكم خبرة الفريق السابقة في النشاط ضد النظام والمشاركة في الثورة، استطاعوا التعامل بحذر، والحفاظ على هوياتهم دون أن يكشفهم أحد.
مشاهد لا تُنسى وأدلة محتجزة
عند سؤاله عن أكثر مشهد علق في ذهنه، يتذكر حازم العبدلله ردود فعل ذوي الضحايا، فالألم الذي كان يبدو عليهم عند سؤالهم عن صور مرتكبي المجازر بهدف التعرف عليهم، أو عند سؤالهم عن مفقوديهم وقصصهم، هي مشاهد لا يمكن أن يمحوها الزمن.
وحول الوثائق غير المنشورة، يكشف حازم أن عدد الفيديوهات الكامل هو 29 مقطعاً، وهي محفوظة حالياً لدى الشرطة الدولية (الإنتربول) ومنظمة "التربل أي إم". وقد تم التحفظ عليها حفاظاً على أخلاقيات البحث واحتراماً للضحايا، ولأنها تشكل أدلة قضائية قد يضر نشرها بسير التحقيقات.
ويؤكد حازم اعتقاده بوجود مجرمين آخرين لا يزالون طلقاء، بل وهم كثر، لأن الجريمة كانت جزءاً من عملية إبادة منظمة بقيادة فرع المنطقة ومن خلفه مكتب الأمن الوطني وبشار الأسد. ويذكر أن الشرطة الدولية فتحت تحقيقاً بناءً على الفيديوهات، وقد تمت بالفعل محاكمة أحد المجرمين الفارين إلى ألمانيا، وهو "أبو حيدر تركس" واسمه الحقيقي أحمد حمروني من حي كفرسوسة الدمشقي، وهو الشخص الذي كان يحفر الحفر التي تتحول لاحقاً لمقابر جماعية بأمر من أمجد يوسف، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 10 أعوام هناك.
تعامل الفريق مع الاحتقان الطائفي
بحسب المعلومات التي جمعها الفريق، يبدو أن الضحايا كان يتم اختيارهم بشكل شبه عشوائي من سكان جنوب دمشق، وخاصة من الأحياء الثائرة ضد النظام. بينما كان هناك متطوعون مع فرع المنطقة والميليشيات الملحقة به من جميع مكونات الشعب السوري، وأن بعض المقبوض عليهم ممن عُرفوا بتأييدهم أو عملهم للنظام كانوا يطلق سراحهم، حتى لو كانوا من أبناء الأحياء الثائرة.
أما بخصوص التعامل مع الاحتقان الطائفي الذي أعقب إعادة الحديث عن المجزرة، فيوضح حازم أن الفريق حاول الظهور عبر الإعلام لمواجهة الخطاب الطائفي بخطاب وطني، مؤكداً أن الوعي الوطني والإنساني يجب أن يواجه أي خطاب طائفي يطعن بانسانيتنا كسوريين.
ويضيف حازم شخصياً: "لدي 6 من أقاربي قتلوا وهم أبرياء في قرية الرصافة قرب مصياف العام الماضي، ولكن هذا لن يغير شيئاً، فالقتلة والمجرمين لا دين ولا طائفة لهم. في بحثنا كان المجرمون الذين وثقنا مجازرهم من جميع الطوائف."
موقف مخيب
لا يخفي حازم خيبته من موقف السلطة الحالية، واصفاً إياه بـ"المخيب والصادم". ويتساءل: "هل يعقل أن يُلقى القبض على مجرم بهذا المستوى وتُسجل اعترافات مفبركة له في نفس اليوم، دون حتى أن يقرأوا البحث وما ورد فيه من معلومات، ودون أن يعرفوا العدد الحقيقي للضحايا في الفيديوهات والمذكور في تقرير نيولاينز وموقع الجمهورية؟"
ويشدد حازم على وجود 4 حفر في الفيديوهات، وليس حفرة واحدة كما ورد في اعترافات المجرم أمجد يوسف. وإلى الآن، لم يتواصل أي مسؤول من الحكومة السورية الجديدة مع الفريق أو يطلب منهم تسليم نسخ من الأدلة.
خطوة ناقصة على طريق العدالة
بخصوص اعتقال أمجد يوسف، يعبر حازم العبدلله عن سعادته بهذه الخطوة، لكنه يصفها بأنها "خطوة ناقصة على طريق العدالة ومحاسبة المجرمين". فما زال هناك مجرمون، سواء تابعي النظام السابق أو من السلطة الحالية، ارتكبوا جرائم ضد السوريين وهم للأسف طلقاء حتى الآن.
من هم فريق البحث في :مجزرة التضامن"؟
ضم فريق البحث في مجزرة التضامن مجموعة من الباحثين والناشطين من مختلف مكونات الشعب السوري وهم : أنصار شحود، دمر سليمان، حازم العبدالله، مهند أبو الحسن (التقني في الفريق) والذي كان له دور في تحديد موقع الفيديوهات المسجلة، بالإضافة إلى الباحث أوغور أوميت أونغور من أصول تركية، إنهم فريق جمعهم الهدف نفسه وهو كشف المجرمين وتعرية نظام الأسد.
وعن علاقة الفريق والرابط بينهم يقول العبددلله إنه تعرف على دمر في حمص بداية الثورة في الشهر الثامن 2011، حيث كانا معاً في تجمع "نبض" للشباب المدني السوري، شاركا في المظاهرات وأنشطة أخرى ضد النظام واعتقلا أكثر من مرة.
أما أنصار شحود، فلم يكن حازم يعرفها شخصياً، وكانا يتعاملان بأسماء حركية في البداية قبل أن يكشف كل منهما هويته الحقيقية لاحقاً. وقد تعاون معهم أيضاً قبل الخروج من سوريا الشاب مصدر الفيديو وأخيه (وهما من ابناء الطائفة العلوية ويفضلان عدم الكشف عن هويتهما)، بالإضافة إلى رجل يدعى محمود دياب ناصر من القلمون.
هدف يستحق التضحية
يبقى العمل التوثيقي شاهداً لا يسقط بالتقادم. قصة فريق البحث في مجزرة التضامن ليست مجرد رحلة بحث عن أدلة، بل هي نموذج نادر للشجاعة والإصرار على كشف الحقيقة مهما كلف الثمن.، ودليلا أن للبحث والاسقصاء والاعلام دور كبير في الوصول إلى العدالة.
ومن فيديو مسرب إلى 29 مقطعاً محفوظاً كدليل قضائي، أثبت هؤلاء السوريون أن العدالة وإن تأخرت فإنها تبقى هدفاً يستحق التضحية. لقد قدموا نموذجاً في تجاوز الانتماءات الضيقة، لتكون المواطنة والوفاء للضحايا هما البوصلة الحقيقية.



